الفصل 4

10 0 00

كل أجهزة تليفزيون العالم تحولت علي موجة الجذر التربيعي للعدد 979.333 ميكروسيكل . الأنفاس في الصدور توقفت لاهثة وهي تتابع صورة أول إنسان تخطي حاجز الجسد وراح ينتقل إلي الدنيا حكاية من عالم الأمواج.

وتستمرت العيون محملقة في الشاشات الصغيرة.

وتوقفت عجلة الحياة في لحظة صمت مرتاع .

وتحول الملايين من البشر إلي حواس مرهفة مشحونة بالتوقع .

امراة واحدة كان قلبها يدمي . ودموعها تسيل محترقة كلما حملقت في الرجل هي روزيتا .

كانت تهمس وهي تنظر إليه .

- لماذا فعلتها يا حبيبي ؟ لماذا تركتني ؟ لماذا لم تأخذني معك ؟

كانت تتحسس ظله باكية .

هل تسمعني ؟ هل تسمعني؟

ولكنه لم يكن يسمع أحداً

كان قد عبر الحدود إلي عالم آخر .

وجاء صوته يتدفق بالنشوة .

- اعتقد أني أسير بسرعة هائلة . فقد بلغت منطقة المريخ بين الكويكبات والمشتري في زمن لا يذكر . ومعني هذا أني أسير بسرعة تقرب من سرعة الضوء. والسماء بالنسبة لي فوسفورية متألقة والفضاء ليس فضاء وإنما هو ( ملاء ) بالأمواج والشحن الكهربية وهي أشياء يمكن أن أصفها . ومن وجهة نظري . بأنها مخلوقات وكائنات ذات ملامح وتقاطيع وشخصية .

مررت الآن بالكويكب الصغير (إيروس). وهو أرض قاحلة جرداء صلبة في حجم (شبرا )عندنا . ولكنه مستطيل كسيجار مبطط , شكلة يدل علي أنه بققية من كوكب كبير تمزق منذ أجيال خلت...

جوبتر العظيم ( كوكب المشتري) يضئ من بعيد . وهو يتألق كأنه ألف قمر .

يبدو من حركته حول نفسه أنه سائل . فهو يتفلطح وينبعج من وسطه .

وحوله أحزمة برتقالية مكهربة من الأيونات تشبه أحزمة (فان ألن ) عندنا في جو الأرض , قوته الجذبية شديدة . كنت أتمني أن تكون معي أجهزة معمل بوليفيا لأقسها بالضبط . ولكني أشعر أنه يشدني تماما ,وأنه يبطئ من سرعتي . وأني أنحني حول سطحه وأراه علي طول المدي مياها زرقاء ممتدة إلي الأفق أشبه في لونه بغاز الهليوم السائل .وجزرا متناثرة من ثلج ثاني أكسيد الكربون . ورائحته نوشادرية شديدة.

محيط بلا شطئان تعلو فيه الأمواج والمدود كالجبال . وكلها غازات سائلة من شدة البرودة فوران ودفق وزبد وخضم سائل في حالة حركة مستمرة (1300 مرة حجم الأرض).

انعكاس الشمس يجعله ببرق كالفضة .

الغروب علي الأفق رائع وشاعري.

وحزم الإشعاع تلمع في جو الليل مثل انهار من الزمرد والياقوت .

وفوق رأسي سبعة أقمار من أقماره الخمسة عشر تدور بسرعة حوله . أكبرها (جانيميد )هانحن نقترب من زحل .

وهو مثل جوبتر هائل الحجم , يتكون من غازات سائلة . وكثافته أخف من المء , وسريع الدوران حول نفسه بدرجة تجعل بطنه تكظ وتنبعج إلي الخارج من فرط السرعه .

وأنا الآن أنظر إليه من علي قمره الكبير (تيتان ) وهو القمر الوحيد في المجموعة الشمسية الذي له جو . جو سام من غاز المثان للأسف . أو يبدو أن هناك خطأ ما , فأنا أري حياة علي تيتان أو لعلها حياة من نوع آخر , تتنفس الميثان وتنتعش في درجات البرودة القصوي مخلوقات كثيفة تبرق كما لو كانت من النيكل والقصدير.

إن سرعتي اللهائلة تحملني الآن إلي القمر الثاني ( ميماس) أقرب الأقمار إلي زحل . ولا شك أنه يصلح محطة فضائية ممتازة للملاحظة والرصد , فهو صُلب ويتألف من جبال مدببة كالإبر , وخال من الحياة.

وأنا أمر بمماس الآن مسرعا لأدخل في العجلة المضيئة حول زحل.

عجلة غريبة من الضوء عرضها 40 ألف ميل وسمكها حوالي عشرة أميال . وتتألف من حصي ورمل وبرد معلق في الفضاء يلمع بانعكاس الشمس عليه ويدور حول الكوكب علي بعد ستة آلاف ميل من سطحه وهذه العجلة من الفتات المتبقي من ثلاثة أقمار تمزقت حينما اقتربت من نطاق جاذبية الكوكب و وهي ما زالت تمطر الكوكب بمطر منهمر من الشهب والنيازك .

ولاشك أن الحياة علي الكوكب بالنسبة لحالتنا البشرية سوف تكون مستحيلة , وإن كنت أري أشباحاً لا حصر لها تسبح في غازاته السائلة , ولاتمت إلي صورتنا البشرية بصلة , وربما كانت أنواعا منحطة من التموجات .

سرعتي تحملني الآن خارج المجموعة الشمسية .

ولكني أتوق إلي رؤية الشمس والنزول إلي باطنها قبل أن أبرحها إلي أطراف المجرة . ولابد أن أتسارع عائدا من حيث جئت إن التسارع خاصية غريبة , وقدرة كامنة في الحياة الموجية لاعلم لكم بها في معامل الأرض.

أنا أكتشفها الآن في نفسي لأول مرة .

ومعني هذا أني أستطيع أ، أرفع سرعتي بإرادتي الحرة , وأتجاوز بها سرعة الضوء, وهي استحالة مطلقة ف نظر أينشتين . أن تكون هناك سرعة أعلي من سرعة الضوء محض استحالة. فسرعة الضوء هي سقف المعرفة في نظر الرياضيات الفلكية الأرضية . هكذا كنا نتعلم .

ولكن هذا غير صحيح , فها أنا أشعر أني أتسارع مقتربا من حافة سرعة الضوء.

وحينما أتجاوزها سوف أفقد إحساسي بالزمان والمكان تماما , وسوف أدخل نطاق الأبدية واختفي كصورة من علي شاشاتكم , حيث لن أعود موجة الجذر التربيعي 979.333 وأنما سأكتسب حالة جديدة يستحيل استقبالعا بأجهزتكم المعروفة , حالة شديدة الشفافية .

وكانت صورته تشف بالفعل تدريجيا علي شاشات التليفزيون . ثم اختفت تماماً .

واغمي علي روزيتا .

وحدث هرج وذعر بين المشاهدين في كافة أنحاء الكرة الأرضية .

ألن يعود الدكتور شاهين إلي الظهور ؟

ماذا يعني التسارع ؟ وماذا يعني تجاوز سرعة الضوء؟

وهل يوجد عالم آخر من اللازمان واللامكان بالفعل . وماهي صورته إن كانت له صورة ؟

إن الدكتور شاهين الآن يخترف هذا العالم . ولكنه صمت تماماً واختفي.

ومعني هذا أن الاتصال علي المستوي المادي الآلي مستحيل بين العالمين . هل هذه هي الآخر ؟

ومامعناها ؟

الثواب والعقاب ؟ ام محض الانتقال ؟

أم النشوة والارتقاء بالمعني المؤجي؟

وإلي جوار روزيتا جلس عبد الكريم يمسح علي جبهته في اضطراب .

إن المعاني الدينية تؤرقه .

والإحساس بأن هناك عدالة سماوية لا يفوتها ذنب مذنب يفزعه . فهو يشعر بأنه قاتل . وربما كان في الواقع قد أرسل صديقه إلي حياة أنبل وأجمل . ولكن في حقيقة ضميره كان يفعل هذا علي أنه قتل وإبعاد .

وعلي مستوي الضمير والنية هو قاتل . ومصيره جهنم إذا كانت هناك جهنم .

فإذا لم تكن جهنم . وإذا كانت رحلة الحياة في الدنيا والآخرة هي رحلة نشوء وارتقاء وتطور . فإنه قطعاً سوف يتطور ببطء وتثاقل . وربما ظل يعاشر الأمواج المنحطة علي زحل أجيالا طويلة يشاركها حياة الغرق في الغازات السائلة مفرطة البرودة . وغلبه حبه ّ فنسي كل شئ إلاَ أنه مع روزيتا .

فليذهب كل شئ إلي الجحيم :

وفتحت روزيتا عينيها وغمغمت باكية .

- لقد ذهب ذهب لن يعود .

- كفي جنونا يا روزيتا . انت تتكلمين عن شبح لا وجود له و أنت تربطين حياتك بعدم .

- لقد كان أمامي . لقد كان يملأ سمعي وبصري بنبراته الحلوة وصورته المتألقة . لماذا حرمني حتي من صورته ؟ لماذا حرمني حتي من أن ألمس ظله؟

- أنت تمسكين بالهباء . أنت تحتضنين خواء. إن معاني الحب لم تخلق لمنحها للفراغ.

- إنه ليس فراغاً

- روزيتا .

- ليس فراغاً ما يملأ قلبي وروحي.

- ولكن . أنا , أنا يا روزيتا , انا الذي أجلس بجانبك , ملء سمعك وبصرك وإحساسك , انا أين مكاني , ألا أملأ عليك ذرة من قلبك ؟

روزيتا – (كأنها لا تسمعه ):

- أتظن أنه سوف يعود ؟

(في ثورة وقد نسي نفسه ) :

- لو عاد فإني سوف أقتله . سوف أحطم هذه الشاشة لو ظهر عليها ثانية .

روزيتا _( مبهوتة ):

- عبد الكريم ؟ ...

انهار إلي جوارها :

- نعم يا روزيتا . لقد جننت إني أشعر أني أصبحت باهتاً أكثر بهتانا من ظل , وأكثر تجردا من شبح .أشعر أني أصبحت مجوفا من الداخل , ومفرغا أكثر من خواء . وإنه لإحساس فظيع .

ونكس بصره في الأرض خجلا وهو يتمنم :

- لماذا أحبك كل هذا الحب . لماذا أحببتك ؟

- ( تغني في واديها ) ولماذا أحببته أنا ؟

- لماذا لا تجمعنا تعاستنا علي حب أو حتي علي إشفاق ؟

تحسست روزيتا جبين عبد الكريم :

- إن قلبي ملؤه الإشفاق عليك

- يا ليديك الجميلتين .إن لها لمسة كالجنة . لا تتركيني يا روزيتا .

وجاء صوت الدكتور شاهين عبر الأثير وعادت صورته تتألق علي الشاشة .

أنا أقترب الآن من كوكب فينوس ( الزهرة ) وكان لابد أن أتثاقل حتي أعود إلي حالة الجذر التربيعي 979.333 ميكروسكيل , حيث يمكن متابعتي بأجهزتكم , ولم يكن هذا التثاقل سهلا . فالحالة الأبدية وأنا أسميها (الحالة الثالثة للمادة )هي من السحر وافغراء واللذة بحيث يصعب ويستحيل أحيانا مبارحتها .إنها أشبه بحرية مطلقة . وأنعتاق كلي . وأنا أفهم الآن لماذا لا يعود من يموت إلي الأرض . ولماذا ينسي حياته الأولي ومافيها . إنه يعبر حاجز الوجود المحدود إلي حالة من اللازمان واللامكان . حالة من الكلية والانتشار والجمال تتضاءل إلي جوارها كل الذكريات .

ولا يمكن أن أصف هذه الحالة الثالثة للمادة .فأنا لا أجد لغة مشتركة أصفها بها . إنها حالة لا توصف وإنما تعاش وتعاني . حسنا فلنعد إذن إلي ما يمكن أن نفهمه نحن الاثنين . لنعد إلي عالمنا الفلكي المشترك .

إني أدخل الآن في جو الزهرة الكثيف . وهو جو بارد يشبه شتاء كندا , ويصل إلي 60 درجة تحت الصفر . ويتألف من غاز ثاني أكسيد الكربون , وبخار الماء ويبلغ ألوف الأميال في كثافته , وتحت هذا الغلاف الجوي السميك توجد أرض شديدة السخونة تشبه أرضنا حجما وجاذبية وكثافة . وأعتقد أنه إذا أمكن تمزيق الغلاف الجوي السميك بقنبلة النيوترون (الاقتراح الذي اقترحه العالم التركي عصمت آغا) فإن درجة حرارة سطح الكوكب ستنخفض لدرجة تسمح بنمو الجياة النباتية علي سطحه

وبالامكان في خلأل سنوات قليلة أن يتحول فينوس إلي الجنة الاستوائية الموعودة

ولا شك أن كوكب فينوس هو مهجر مناسب جدا حينما تبرد الشمس وتصبح أبرد من أن تلائم الحياة البشرية ولهذا أرى البدء في تفجير جوه وإعداده من الأن لهذه الهجرة الوشيكة.

وبعد لحظات من هذا التصريح كان أوكومبا رئيس أكاديمية العلوم يعطي أمرا بإطلاق قنبلة النيوترون في اتجاه كوكب فينوس وسمع صوت الدكتور شاهين يقول:

شكرا يا أوكومبا علي ثقتك لقد بادرتم بالفعل بالأخذ برأيي وهأنذا أرى الصاروخ الذي يحمل قذيفتكم خارجا من غلافكم الجوي الأرضي وهو يسير ببطء بالنسبة لي يسير ببطء عربة كارو محملة بالدبش يجرها حصان عجوز منهك القوى بعد أيام سوف ترون منظرا رائعا حينما ينفجر غلاف فينوس الجوي ويتمزق اضبطوا تلسكوباتكم البصرية من الأن وتلسكوباتكم اللآسلكية أيضا لن أستمتع بهذا المنظر وسوف أكون قد بارحت المجموعة الشمسية والمجرة كلها بوقت طويل بحساب البطء الشديد الذي تسير به قذيفتكم السلحفائية

أعتقد أنه سيحدث النمو وستقوم الحياة على سطح فينوس تلقائيا بدون نقل أي حياة من علي الأرض بالفعل التنشيطي لإشعاع النيوترون وبتمزق الغلاف الجوي العازل الذي يحفظ الكوكب ساخنا في درجة الغليان

إني أتسارع الأن مقتربا من الشمس

واصل إلي عطارد أقرب الكواكب إلي الشمس وهو أصغر من الأرض بثماني عشرة مرة وله وجه ملتهب يواجه الشمس وتسيل فيه أنهار من الرصاص المنصهر ووجه أخر بعيد عن الشمس غارق في الظل وبارد علي الدوام

وهو يدور حول الشمس بسرعة كزنبور مجنون ويكمل السنة في 88 يوما ويدور حول نفسه ببطء شديد فيكمل اليوم الواحد في سنة

وبقدر علمي لا أرى حياة علي سطحه

أشعر الأن أني أتسارع أكثر مندفعا نحو الشمس, وإذا استمر هذا التسارع فسوف أعبر حاجز الضوء وأنتقل إلي الحالة الثانية( الموجات) حيث يمكن أن أتصل بكم

إن قوى الجذب الهائلة للشمس هي التي تشدني هذه المرة مؤدية إلي هذا التسارع الهائل إنها أشبه بيد الصياد القوية تمتد لتلقف السهم الذي أفلت منها

وأنا أشعر شعور العائد إلي المنبع ومعي معاشر من الأف مؤلفة وملايين لا تعد من الأمواج تتسارع في حنين إلي النور

إن كل ما تعلمناه عن النار وعن العشرين مليون درجة حرارة في باطن الشمس تلك الدرجات التي كنا نرتجف ونحن نسمعها كانت خيالا قاصرا .هذه الدرجات القصوى هي الحياة. قمة الحياة وذروة الفعل الخالص

في باطن الشمس لاشيء يحترق

وإنما هناك ذروة الفعل والانفعال هنالك النور

هنالك يتوتر القوس بأقصى طاقته. ليطلقنا نحن السهام الصغيرة من قيودنا ويرسلنا محلقين في اللأزمان واللأمكان مهاجرين في شوق إلي المطلق

نعم فانا أري الآن في يقين أن الله موجود بل هو الحقيقة الوحيدة التي غابت عنا جميعا في غرور التقدم المادي ولا أمل لي في النجاة إلا بمغفرة

وداعا ياروزيتا وشكرا علي مساعدتك ياعبد الكريم وبالأحضان أيتها الرحمة

واختفى صوت شاهين واختفت صورته .هذه المرة إلي غير عودة

وتجمد وجه روزيتا كنمثال من الصدمة

وأخفى عبد الكريم وجهه في يديه وقد شعر أنه أفتضح