استمر الحداد علي الدكتور شاهين ثلاثة أيام

11 0 00

ورفعت الأعلام السود في كل مكان

واستولى الوجوم على كل قلب

واستولى علي عبد الكريم شعور مؤرق بأنه يسير عريانا وأنه كالخطيئة التي خلعوا عنها قناعها .. إن كل واحد يعرف الأن أن كل واحد يعرف الآن أن عبد الكريم هو الذي فعلها هو الذي قتل الدكتور شاهين

هو الذي جعل الدكتور شاهين يختفي ومعه سرا اختراعه وربما ستمر احقاب وأجيال قبل أن تضع الإنسانسة يدها مرة أخرى على هذا السر وربما لن تصل إايه أبدا

وروزيتا تعلم الأن أنه هو الذي حرمها من حبها الوحيدوهي لن تغفر لهوالمجلس الأعلى للقوانين ينتظر منه أن يتقدم ليعترف

ورئيس الأكاديمية أوكومبا أرسل في طلبه

إنه محاصر محكوم عليه

وهو جبان أجبن من أن ينتحر وأجبن من أن يواجه تهمته وهو يكتوي لأول مرة بعذاب النفس

لقد قالت له روزيتا ذات ليله أن لا شيئ يطهر النفس كالعذاب

وهو لم يكن يفهم لهذا الكلام معنى

ولكنه الأن يعلم ما معني أن يتعذب وما معني أن يحترق حتي يتطهر

إنه ليتساءل دهشا في فحمة الليل

كيف امتلأ قلبه حقدا وكراهية باسم الحب

هل كان حبا أم أنانية أم شهوة أم نزوة؟

أكان يريد روزيتا لنفسه حقا أم أن كبرياءها ونقاءها هما اللذان حركا فيه شهوة امتلاكها؟

لقد كان يريد أن يكون زوجها الثاني ليذل نقاءها وليحرمها من عذرها الوحيد في الحب وحجتها الوحيدة في الوفاء.

كانت كلمة حب تؤذيه وكلمة وفاء تجعله يشعر في أعماق نفسه بالوضاعة

كانت راحته الوحيدة في أن يري كل الناس مثله لاحب عندهم ولا وفاء وإنما مخلوقات تحركها ضرورات الجوع والخوف واللذة

إن العالم النفساني ( ليوبوف) لم يكن علي صواب حينما قال إن المشكلة أن إنسان العصر مازالت عنده طاقة عنف في حاجة إلي مخارج طبيعية لتصريفها

فهناك ما هو أخطر من العنف

وهم حينما يبدون الحب يخفون الحسد وحينما يظهرون الشفقة يخفون الحقد وزوال الطبقات والمساواة في الفرص وتيسير الغذاء والكساء والدواء والضمان الاجتماعي في العجز والشيخوخة ولم يحقق المساواة بعد فمازالت هناك فروق نولد بها وتحت إهابنا نخفي نفوسا متباينة القوة والضعف متباينة الذكاء والغباء الخامل والعبقري والخبيث والطيب حتى بعد أن تشابهات

الوجوه والملامح والتقاطيع من طول ما اختلطت وتزاوجت الأجناس المختلفة مازلنا مختلفين مازلنا كما تقول روزيتا صفرا وسودا وحمرا وبيضا.

وهو اختلاف في جوهر الخليقة .

ولابد أن نقبله بالمحبة الكافية . وبالروح الرياضية الضرورية بلا حقد وبلا حسد . إذا كان لابدلنا أن نبلغ التكامل الخلقي المطلوب.

كان عبد الكريم يفكر . وكان يعاني لأول مرة عذاب النفس في إدراك ذاتها .

1 مارس سنة 2076

اعترف عبد الكريم بما فعله أمام مجلس القوانين , وطلب أن يكون عقابه كريماً ومتناسبا ً مع مكانته العلمية .

قال إنه يريد أن يتعذّب عذابا ً يفيد الناس حتي لايكون عقابه مجرد انتقام .

وقال إنه قام بتصميم صاروخ يسافر إلي كوكب المشتري بدون أن يحمل مثونة . مستخدماً بذلك نظرية التبريد الشديد لدرجة الصفر المطلق . وهي الدرجة التي تتوقف فيها جميع عمليات الجسم الحيوية فلا يعود يحتاج إلي غذلء أو هواء,

وبالتدفئة التدريجية يمكن إعادة الحياة إلي الجسم عند وصول الصاروخ إلي المشتري بعد ستة شهور من السفر في الفضاء وقال عبد الكريم إن الوصول إلي المشتري أصبح ضرورياٌّ بعد أن اتضح أن البروتوبلازمة الحية الجديدة التي صنعها الطبيب الاسترالي (لاج ) في المعمل . تعيش وتتناسل في بيئة مفضلة من محلول النشادر وجو ثاني أكسيد الكربون وفي درجة البرودة القصوي .وهي نفس الظروف المعيشية في كوكب المشتري , حيث الكوكب كله من غاز ثاني أكسيد الكربون والنشادر السائلين .

وأنه لو وضع هذه البذرة الجديدة في المشتري . فسوف يضعها في أرضها وبيئتها .

وقال في ختام اعترافه إن أقل ما يقدمه مقابل ضياع حياة الدكتور شاهين هو أن ينقل الحياة للكوكب الميت الذي خلا من كل حياة (جويتر )

وطلب من أكاديمية العلم أن تمنحه شرف هذه التضحية في ان يكون أول من يحمل مشقة هذه الرحلة . وأول من يضع بذرة الحياة علي وجه جوبتر .

وقد ولفق أوكومبا علي طلبه .

ولكن ما حدث من اكتشافات الدكتور شاهين كان قد غير عقول الناس . ولم يعد أحد يعبأ بالصواريخ والقذائف والأقمار . كتبت جريدة القاهرة تحت عنوان الحالة الثانية للمادة

" ان هذه الصواريخ أصبحت كلعب الأطفال إلي جانب الكشف الهائل الذي كشفه الدكتور شاهين عن إمكان تحلل الجسد إلي المكافئ الموجي له . وعن إمكان حياة هذا المكافئ الموجي حياة العقل المجرد والإدارة الحرة حيث يمكن أن يسارف الإنسان بهذه الحالة الثانية للمادة عبر متاهات الفضاء ليصل إلي الكواكب في دقائق وثوان دون أن يخشي برودة أو حرارة ودون أن يحتاج إلي غذاء يأكله أو هواء يتنفسه .

وكتبت جريدة العلم الجديد تحت عنوان التسارع والحالة الثالثة للمادة تقول : " إن كشف الدكتور شاهين لظاهرة التسارع قد حطم كل مقولات العلم القديم . فالضوء لم يعد سقف المعرفة ,وسرعة الضوء لم تعد الحد الأقصي لجميع السرع . وبـأمكان الإدارة الحرة في صورتها الموجية أن تحقق التسارع الأقصي الذي يحملها عبر حافة الضوء ويتجاوز بها سرعته التقيلدية (186000 ميل / ثانية ) لتتخلص نهائيا من حدود الزمان والمكان وتصل إلي الحالة الثالثة للمادة , وتحقق بذلك انعتاقها الكلي وحريتها المطلقة و وتبلغ اللازمان واللامكان والخلود .

وبدأ الرأي العام يضع العلماء أمام ضرورة العثور علي سر اختراع الدكتور شاهين .

وانقطع علماء معهد بوليفيا في محاولة محمومة لتقصي هذا السر بالحدس والتخمين والتجربة والاستجواب الدقيق لكل من عرف أو شاهد الدكتور الراحل وهو يقوم بتجربته .

ولكن الليالي الطويلة من السهر والتفكير والتجارب المضنية انتهت إلي لا شئ .

لقد انسدل ستار علي الحقيقة .

ومات السر مع صاحبه .

ولم يشأ صاحبه لحكمة في نفسه أن يبوح به قبل أن يرحل إلي عالمه الآخر . لقد آثر أن يترك الجميع في ذهول , وقد تقازمت أمامهم عظائم الاختراعات فأصبحت صواريخ النيوترون التي تسير بنصف سرعة الضوء مثل عربات الكارو المحملة بالدبش تجرها خيول منهكة .مجرد سلاحف لاهثة بطيئة .

أراد ذلك العالم أن يقضي علي غرور العصر وكبريائه ويفتح القلوب علي إحساس علمي صادق بالسماحة والتواضع .

وكانت المراصد كل يوم تسجل مسار قنبلة النيوترون المرتحلة إلي فينوس , وكانت مازالت هناك شهور باقية قبل أن تصل القنبلة إلي غايتها .

ودخل الكل في جدل علمي , وكالعادة أنستهم التفاصيل حقيقة كبري أطلقها الدكتور شاهين .أن الله موجود . هل نسوا أو تناسوا أو اعمتهم الحياة المادية التي غرقوا فيها من جديد . كتبت جريدة (المادية الجدلية ) إن ما قاله الدكتور شاهين بعد انتكاسة مخجلة لفكر العلمي وقالت في مقالها : إن الدكتور شاهين فقد عقله وأصابه الخيال وان كلامه عن الله ترهات صوفية .

وفي 10 مارس سنة 2067

دخل عبد الكريم غرفة التبريد في الصاروخ الذاهب إلي جوبنر بعد أخذ حقنة مخدرة خاصة .

وبدأ التبريد بتبخر الغازات السائلة في مجال مغنطيسي قوي وأخذت حرارة الغرفة في الانخفاض تدريجيا :

صفر 10 تحت الصفر 20 تحت صفر 30 تحت الصفر 40 تحت الصفر 50 تحت الصفر .

كل ما شعر به عبد الكريم هو شعور كالحلم إنه ينام علي ضباب من الثلج المندوف

وإن إحساسه يتبلد شيئا فشيئا .

وبدأ يغط في هذه البلادة أخيرا لم يعد يحب لم يعد يكره لم يعد يتألم لم يعد يفرح !

وعما قليل يدخل في مرحلة (شبه الموت ) حيث ينعدم كل شعور نهائيا . وتنعدم كل مطالب الجسد نهائيا وتنعدم كل مطالب الجسد والروح والقلب .

لا جوع ولا عطش ولاروزيتا ولا الدكتور شاهين لا شئ علي الإطلاق .

70 تحت الصفر 120 تحت الصفر 190 تحت الصفر 215 تحت الصفر 273 تحت الصفر . بلغ الصفر المطلق .أبرد درجة في فضاء الكون الدرجة التي تسكن عندها الذرات ويسكن ألمه .

وفي قارورة صغيرة استقرت بضعة من بروتوبلازمة حية . هي بذرة الحياة الجديدة التي ستوضع في تربة (جوبتر ) لتبدأ مخاض آلام جديدا علي الكوكب النائي وتتبعت الصحف العالمية رحلة الصاروخ بحماس شديد . ونسي الكل كل شئ عن الله وغرقوا في تلك الحمي المادية العلمية من جديد .

20 مارس سنة 2067.

دلت التحليلات للإشارات التي ترسلها الأجهزة الأوتوماتيكية المركبة في جسم عبد الكريم . أن عبد الكريم قد مات بالفعل وانه لن يمكن بعثه . وأكدت المحاولات الأولي لإعادة الدفء إلي جسده إنها محاولات مع جثة انتهي أمرها .

وقال أوكومبا في أسف:

لقد كان يريد أن يموت

وكتبت جريدة الفلك الحديث تقول

إن الأقمار التي تدور حول جوبتر سوف يصبح عددها ثلاثة عشر قمرا أما القمر الثالث عشر فهو كفن عبد الكريم الذي سيصل إلي فلك الكوكب بعد شهور ويستقر دائرا فيه إلي الأبد .

لقد أراد عبد الكريم أن يحمل بذرة الحياة إلي الكوكب فلم يحمل إليه سوي كفنه.

أنا روزيتا فقد كانت تقرأ هذه الاخبار والمقالات والأعمدة الطويلة وعلي شفتيها دائما ابتسامة شاحبة . كانت تشعر بالدهشة . لماذا يفكر الرجل في الكواكب والنجوم ؟

لماذا يرتحل مهاجرا ليكتشف له مسكنا علي بعد ملايين وملايين الأميال , وهو لم يكتشف بعد عشه الصغير علي الأرض .

وهذه الآلات المعقدة والماكينات والمصانع . والمداخن التي تحجب الشمس , تلك الانابيب والمواسير والمحركات التي تكيف الجو وتنزل المطر وتمحو الرطوبة والصانع العظيم الذي صنعها لا يعرف كيف يكيف قلبه ولا يكيف يرطب روحه .

لماذا لا يفكر أحد في ذرة محبة ؟ كما يفكر الكل في كل مكان في ذرات الحديد والنحاس واليورانيوم . كانت تنظر إلي السماء قائلة في عتاب :

- لماذا سكنت السماء يا حبيبي ؟ وقلبي أكثر اتساعا لك .

لماذا لم ندرك بعلمك العظيم أن مجال المحبة أقوي من مجال أي مغنطيس . وأقوي من مجال أي نجم وأي كوكب؟ وأن مجال المحبة هو الذي أعطي لهذه الأشياء المادية مدارتها وحفظها في أفلاكها ؟

وكانت تبكي في صمت وهدوء كلما تطلعت إلي السماء و تهمس يا إلهي خذني إلي حبيبي . أريد أن ألقاه لأحادثه وأهمس في أذنه . فإن هذا العالم العظيم , مكتشف الحقيقة , لم يكتشف أنوار قلب امرأة كانت تعيش بجواره .

وفي لحظات السلوي والعزاء حينما كان الجنين يتحرك في أحشائها كانت تتلمس مواطئ قدميه الصغيرتين بأصبعها هامسة :

- ياسيد الكل , يا ساكن الغيب , يا ساكن ظلمة المستقبل .

متي تخرج لتقول لهم أن ينظروا لحظة إلي داخل نفوسهم بدلا من أن يوجهوا مناظيرهم إلي متاهات الفضاء.

تقول لهم ,إنه من الداخل يخرج كل شئ من الداخل خرجت أنا وربما أيضا خرج كل ذلك الكون العظيم الذي أفقدكم العقل وكانت تسجد وتصلي وتبكي .

كانت الوحيدة في عالم الكفر التي صدقت وآمنت أن الله موجود