لم يكن الدكتور يصدق أنه سجين .

9 0 00

نعم .سجين .

وفي زنزانة جدرانها من المسلح , ونوافذها من الحديد تماما كسجون القرن العشرين .

يحدث هذا في عصر النور والحرية والعلم .

مستحيل .هذا حلم . كابوس

ولكنه ما زال يذكر صوت أوكومبا وهو ينزل علي رأسه كالمطارق.

- سوف أعتقله .إنه مخلوق خطر . إنه أخطر من كل الطواعين التي عرفتها البشرية .

هل أصبح طاعونا يخشي منه كل هذه الخشية ؟

يالها من نهاية الدكتور شاهين الحائز علي أعلي الدرجات الشرفية , جائزة السلام ونيشان أمحوتب في العلوم . ودكتوراه بوليفيا . حاول شاهين أن يفكر بموضوعية وبهدوء وبحياد أكثر , وهمس في نفسه :

- ربما كان أوكومبا علي صواب . نعم فماذا يحدث لو أن كل من في الارض تحولوا إلي أمواج . وخلت الأرض من الحياة البشرية وانقرض من عليها جنس الإنسان . وربما أخذ معه الحيوان أيضا ز إنه الخراب الخراب . وهي مقامرة قد تكون خاسرة , فقد يكون الإنسان في حالته الموجية غير فعال كما هو في حالته الجسمية الكثيفة . قد ينتقل إلي حالة لا وعي فيها ولا إحساس ولا إدراك ولا إرادة فيصبح شبحا ظلا لا حول له ولا قوة .

وهوي بيديه علي حديد الباب صارخا :

- ولكن لا بد أن يحرب أحد .لابد من وسيلة نتأكد بها . إن العلم هو أن نعرف . وأنا أحق الناس بالتجربة . لابد أن يطلق سراحي لأجرب . هذه جريمة . هذه خيانة لروح العلم .

وظل يدق القضبان الحديدة برأسه وبيديه حتي نزفت جراح جبهته وأنهار في مكانه متعبا وأغمض عينيه .

وحينما فتحهابعد فتره , رأي عبد الكريم واقفا عند رأسه .

ومعه سله بها لحم وخضروات .

وقال عبد الكريم :

- إن روزيتا مريضة في المستشفي من جراء الصدمة ثم مال هامسا علي أذن شاهين :

- سوف تجد في السلة في داخل الخبز النوتة التي طلبتها والقلم أيضا . أكتب لي المعادلات المطلوبة , وشفرة الجهاز , وسوف أقوم بنفسي بإجراء التجارب وإذاعة النظرية في جميع الأوساط العلمية .

وفكر شاهين بسرعة , إنه يعرف أخلاق زميله وضعفه أمام إغراء الشهرة , ويعرف فيه أيضا نزواته الشريرة . ومن يدريه أنه لن يستخدم الجهاز لغير الأغراض التي قصد بها . إنها مغامرة قد تكلف ناسا أبرياء حياتهم وأعمارهم .وتردد شاهين لحظة , ثم قال وهو يأخذ الطعام من السلة ويعيد إلي عبد الكريم النوته والقلم :

- لا .لن أكتب شيئا . ربما كان من الأفضل للعالم أن يموت السر معي كما قال أوكومبا .

ثم أردف في عصبية:

- إما أن أقوم أنا بنفسي بالتجربة , أو أموت والسر معي . إنها مسئولية رهيبة لا يؤتمن عليها أحد .

وظهرت خيبة الأمل علي وجه عبد الكريم . وأضاف هامسا:

- كما تريد .إنما أردت أن اخدمك .

ونظر إليه شاهين في توسل :

- إن كنت تريد أن تخدمني , أطلق سراحي.

وانتفض عبد الكريم هاتفا :

- مستحيل , لقد أصدر مجلس القوانين الحكم بالإعدام علي كل من يطلق سراحك أو يساعدك علي الفرار.

- حقا !! أعيد حكم الاعدام إلي قائمة الأحكام بعد إلغائه طوال هذه السنين ؟ هذا احتفال طريف بشخصي الضعيف.

- لا تنس أنك بجهازك تهدد بالإعدام الجنس البشري كله والحياة كلها .

- عندك حق . لأول مرة يستخدم حكم الإعدام في مكانه .

وأطرق شاهين قليلا ثم قال في صوت مستسلم :

- حسنا . لقد قبلت مصيري.

في تلك الليلة لم ينم عبد الكريم.

إن فكرة الخلاص من الدكتور شاهين كانت دائما تطارده في نومه ويقظته .

ويالها من فكرة .

أن يتحول الدكتور شاهين إلي أمواج ويتبعثر بدداً في الهواء.

وأن يفعل ذلك الدكتور شاهين بنفسه فيوفر عليه مؤؤنة ارتكاب جريمة .

وبذلك يخلو له الجو مع روزيتا ولا تجد روزيتا سواه أمامها . إنه الوريث الشرعي لأستاذه في قلبها . وستصبح من حقه . يالها من سعادة . ان يضمها بين ذراعيه .ويقبلها ويتحد بكل خلية من خلاياها .

كانت أوصاله ترتجف لذة وهو يتخيل هذه الصور . وكان بغمض عينيه في نشوة يتمني ألا يصحو منها . وقال لنفسه :

- نعم ولماذا لا أطلق سراحه لينتحر ويريحنا . إن الإعدام سوف يكون جزاء من يفعلها ,ولكن لا أحد سوف يعلن أني أنا الذي فعلتها .

وغرق في التفكير لحظة ثم عاد يهمس:

- نعم هناك ألف وسيلة وألف تدبير يمكن أن يبعدني عن مواطن الريبة .

وأراح يده علي جبهته قائلا لنفسه :

- ألأيس كذلك ياعبد الكريم ؟

وابتسم ابتسامة شاحبة .

كان الممر الطويل ذو الأنوار الخافتة الذي يؤدي إلي عنبر 10 في مستشفي ( السلام ) ملهما لعبد الكريم . وكانت الأفكار تتهافت عليه . وهو يسير ببطء وخفة يحلم بوجه روزيتا .

وأما الغرفة 3 ب في عنبر 10 وقف يدق الباب برقة . ثم دخل إلي حيث سرير روزيتا . وركع إلي جوارها . وأمسك يدها يقبلها .

وكانت أضعف من أن تشد يدها منه .

قال لها في انفعال :

- روزيتا يجب أن تفكري في مصيرك بحكمة أكثر . انت متزوجة من مجنون . من قاتل أبشع من كل القتلة المحترفين . قاتل يريد أن يقضي علي الحياة ويستاصل شأفتها . انت تعذبين نفسك بدون مبرر . إنه لا يستحق دمعة واحدة من دموعك .

- كفي كفي . انت آخر من يقول هذا الكلام فأنت تعرفه وتعرف قلبه, إنه رجل علْم ,إنه يريد أن يعرف الحقيقة . وهذا كل مافي الأمر . إن الحقيقة غايته . الحقيقة عشيقته . إنه لا يريد أن يقتل أحدا . لايردي أن يقتل إلا نفسه .

وأنخرطت في بكاء مر.

وقال عبد الكريم في غل :

- هل تصدقين بعد هذا أنه يحبك وهو يبادر بهجرك بهذه العلمية كما يقول

أنا أعرف أنه لا يحبني وأنه يحب الحقيقة ويعشقها أكثر مما يعشقني وهذه ليست المشكلة

إذن أين تكون المشكلة ؟

المشكلة أني أنا التي أحبه ولاأستطيع أن أعيش بدونه أنت لاتفهم أن الحب مازال هو الشعور البدائي الباقي بلا منطق فها أنت تحبني وأنا لاأحبك ومع ذلك فشعورك هذا لايقلل حبك لي أبدا بل يزيده

نعم

قالها عبد الكريم في مرارة

لقد وضعت يدك علي الجرح لا أمل إن الحب بلا عينين وبلا أذنين وبلا عقل إنه قدر قدر

ونزلت من عينيه دمعة عصية

أمسكت روزيتا يده في إشفاق

ساعدني أرجوك إنك تعرف عذابي لأنك تعيش في عذاب مثله أريدك أن تثنعه ليس بالعاطفة فهو أقوى من عاطفته أقنعه بالعقل والعمل أن يطرد هذه النظرية من مخه ويؤجلها إلي حين يبلغ أقصى شيخوخته فيجريها على نفسه كما يشاء أقنعه بأن يكتب تعهداً بهذا إلي أكاديمية العلوم وإلي المجلس الأعلى للقوانين لو فعل هذا فإنهم سوف يطلقون سراحه على الفور إنهم يعرفون جميعا أنه رجل يفي بكلمته , وأنه لا يكذب وعده أبدا

أرجوك عدني

وقبل يدها وهو يغمغم

أعدك

ولكن كيف؟

كيف يساعدها ويضع خاتم الموت علي قلبه؟

إنه يحيبها يعبدها وهذا هو أمله الوحيد

كيف يخنق هذا الأمل؟ ولحساب من؟ لحساب غريمه ليعيش حتى الشيخوخة ويصل إلي أرذل العمر ثم يصير بعد ذلك أمواجا كما يشاء وربما طارت معه أيضا

مستحيل

لقد صدقت حينما قالت إن الحب هو العاطفة البدائية الوحيدة التى لاترى ولا تسمع ولاتعقل وأن قلوبنا مازالت على وحشتها وهمجيتها الأولى ولكنه اعترف لنفسه بالحيرة في أمر عريمه

وظل يسأل نفسه طول الوقت:

كيف استطاع أن يرتفع فوق عواطفه؟

إنه بارد كالثلج دائما يفكر في حياد وموضوعية وكأنه عقل بحت بلا أهواء ورلا ميول ولم يجد بدا من أن يقول لنفسه إنه رجل علم حقيقي نعم إنه رجل علم حقيقي

فالها في حسد ومرارة وحقد لا في إعجاب ومحبة

وحينما دخل عبد الكريم زنزانة الدكتور شاهين بعد ذلك كان قد أعد كل شئ بدقة وإحكام

كان يحمل معه في سلة الطهام مغناطيسا صغيرا نرانزستور قوته نصف مليون جاوس وأدوات تنكرية دقيقة تتألف من غرشاه ومحلول بلاستيكي خاص يصنع للوجه جلدا مزيفا يشكله صاحبه كما يشاء

وضع المغناطيس في يد شاهين هامسا:

- بهذا المغناطيس سوف تتمكن من جذب حلقة المفاتيح من جيب الحارس علي بعد عشرين مترا .

وحينما رفع شاهين بصره متسائلا . أردف عبد الكريم :

- اطمئن . سوف يكون الحارس نائما بعد وجبة مناسبة من (الديمورين )

- وأنت ؟

- أنا سوف آكل مع الحراس . سوف يجري علي ما سوف يجري عليهم فأغط معهم في النوم وبذلك أصبح ضحية مثلهم ولا تتجه إلي الشبهات .

- ولكن (الديمورين ) مادة قاتلة إذا زادت عن قدر معلوم .

- اطمئن إلي دقتي في الحساب . سوف أضع القدرة الكافي الذي يجعلنا نوشك علي الموت ولكن لا نموت . يجب أن يلحقني ضرر جسيم حتي أصبح بمنجاة من أي شبهة .

- ولكن .

- اطمئن . لن يزيد الأمر علي علاج شهر في مستشفي , ثم أعود إلي صحتي .

وتردد شاهين لحظة ثم أعاد المغنطيس إلي صديقة .

- لا . لم أقبل منك هذه التضحية ؟

وقال عبد الكريم في ثبات :

إما أن أضحي أنا هذه التضحية الصغيرة . أو تضحي أنت بعلمك كله علي مذبح الجهل والسلطة لا تنس أنك مهدد بان تدفن مع سرك . وربما دفن معك تاريخ من التقدم والحرية والسعادة لبني الإنسان . ولا تنس أيضا أنك سوف تقوم بتضحية أكبر تضحية هي أشبه بالانتحار . ولابد أن أحمل أنا أيضا نصيبي منها .إنه أضعف الإيمان .

إن العلم لم يتقدم بدون ثمن .أنت تعرف أنهم جلدوا غاليليو وحرقوا برونو . ولابد لنا أن ندفع ضرائبنا .

- صدقت لابد لنا أن ندفع ضرائبنا .

وأخذ الدكتور شاهين المغناطيس مستسلما في حزن وقال عبد الكريم :

- وبهذه الأدوات التنكرية سوف تدخل معمل بوليفيا كأي طالب عادي .

وقال شاهين مبتسما :

- إنها ستكون تجربة من نوع جديد بالنسبة لي . لقد كنت أحب قراءة جيمس بوند وانا صغير .

وعلق عبد الكريم ضاحكا :

- سوف تكون مناسبة طريفة لتنمية هذه الميول القديمة .وضحك شاهين ساهما . ثم مد يده إلي صديقه في تأثر .

- إني لن أنسي لك هذه التضحية . وتعانق الرجلان .

كان الحراس الثلاثة يأكلون في تلذذ ويعلق رئيسهم ضاحكا موجها الكلام لعبد الكريم :

- هذا لحم شهي جدا . إني لم آكل مثله منذ سنين .

- أجاب عبد الكريم :

- لقد كلفت رئيس الطهاة بإعداد خصيصا .

قال رئيس الحراس:

لا شك أنهم يتهمون كثيرا بهذا السجن .

قال حارس ثان :

- أنا لا أفهم لماذا سجنوه .

قال الحارس الثالث :

- إنه إنسان شديد الطيبة .

قال رئيس الحراس:

- إنهم يشيعون أنه اخترع قنبلة بدون صوت . تقتل كل الناس وتفني الحياة من علي الأرض.

حارس آخر :

- قنبلة بدون صوت !

رئيس الحراس:

- وبدون ضوء

حارس آخر سائلا :

- تنفجر في الارض؟

رئيس الحراس:

- لا تنفجر . ولا تحدث أي أضرار بالمباني ولا تهدم أي شئ... و

- إذن ماذا تفعل ؟

- تجعل الناس يذوبون ويتحولون إلي هواء.

- يا ساتر ... أعوذ بالله .

- ولكن لا يبدو عليه أنه شرير بهذه الدرجة .

- إنه علي العكس يبدو كطفل .

- أنا لا أصدق .

- أنها الإشاعات . ولكن الحقيقة لا يعلمها إلا رئيس الأكاديمية والمجلس الأعلي للقوانين .

- أنا لا أفهم كيف أن قنبلة لا تنفجر ولا يخرج لها صوت ولا ينبعث منها لهب ولا دخان . ومع ذلك تقتل الناس.

- كل الناس .

- هذا شئ لا يصدق .

- إني أشعر أحيانا أنه مظلوم.

هذا ليس من شأننا علي أي حال إن الظلم سوف يقع علي من ظلم . اما نحن فليس سوي منفذين لأوامر . نحن حراس ولسنا قضاة .

وبدأ رئيس الحراس يتثاءب , وأعقبه الحراس الثلاثة الآخرون وبعدهم عبد الكريم .

ثم بدأت رءوس الأربعة تثقل ويخرج منهم الكلام متقطعا , بلا معني , ولا ترابط , ثم سكت الأربعة .

وخيم الصمت تماما علي الجميع ماعدا أنفاسا تتردد بطيئة عميقة..

ولو أن أحدا وقف يشهد ما حدث بعد ذلك لعجب كيف أن حلقة المفاتيح خرجت من جيب رئيس الحراس من تلقاء نفسها ثم طارت في الهواء ثم انحرفت في مسارها داخلة زنزانة السجين . مثل هذه الأشياء يفهمها جيدا عالم الطبيعة . يعرف ماذا يعني مغنطيس قوته نصف مليون جاوس..

أما الشخص العادي فسوف يقغر فمه دهشا .

ولم يضع شاهين لحظة .

فقد فتح باب زنزانته . وأنطلق خارجا .

ونظرة واحدة إلي وجهه لم تكن لنقول أبدا إنه ذلك العالم العظيم الدكتور (شاهين تاكفور) عالم الطبيعة المغنطيسية .فقد كان يبدو شابا مورد الوجنتين في الثامنة عشرة من العمر مثل أي طالب من طلبة جامعة بوليفيا الذين يترددون علي معامل التمرين . ودخل الطالب إلي قاعة المغنطيسية .

ونشعر أنه حسن الحظ جدا .فالوقت وقت غذاء , والمعمل خال تقريبا إلا من عدد قليل من المحضرين .

وبدأ يعمل في سرعة ودقة .

بدأ في توصيل دائرة كهربائية شديدة التعقيد , ثم بدأ في تشغيل الموالدات العالية الجهد .

وراعي في لحام جميع الموصلات أن تنصهر بالحرارة عند درجة معينة بعد انتهاء التجربة وتفقد معالمها فلا يعرف أحد كيف كانت هذه التوصيلات وكيف كانت هندسة الدائرة بالضبط . وبهذا لا يترك أثراً يدل علي اختراعه.

وقبل أن يلمس آخر وصلة . بادر بكتابة هذه السطور القليلة ووضعها في مكان ظاهر قرب الجهاز .

يستطيع من يضبط جهازة علي الطول الموجي للجذر التربيعي للرقم 979.333 ميكروسيكل أن يراني أنا الدكتور شاهين تاكفور فهذه الموجة بهذا الطول المعين المذكور هي نفسي أنا الدكتور شاهين في رحلتي الأولي في الفضاء . وفي أول محاولة بشرية لتخطي حدود الجسد . والخروج من الأرض . والارتحال علي شكل موجة إلي فضاء السدم والمجرات عند أطراف اللانهاية .سوف أكون أول عين تري باطن الشمس , وسطح المشتري , وأعماق زحل , وسوف أكون أول من ينقل لكم الرؤي من عالم الأمواج .

وداعا يا رفاق

سامحيني يا روزيتا .

وإلي لقاء أبدي في عالم الظلال

أمضاء ( شاهين تاكفور)

كتب هذه السطور . ثم لمس آخر وصلة في الجهاز , فتهجت صمامات التحويل , وسمعت صرخة في أقصي المعمل . صاح أحد المحضرين وهو يشير إلي زميل يقف بجواره :

- يا إلهى انظر . هناك رجل يختفي تدريجيا كالشبح . ويذوب.