القاهرة صباح السبت أول يناير عام 2067

9 0 00

في صاروخ متجه من القاهرة الي لندن في مقعدين متقابلين جلس الدكتور شاهين والمهندس عبد الكريم , كل واحد منهما يبدو كأنه نسخة في الاخر , وكأنهما تؤمان مع أن أولهما مصري والثاني عراقي . وكذلك كان كل ركاب الصاروخ نسخا متشابهة من صورة واحدة وكأنهم إخوة أشقاء مع ان كل واحد من جنسية مختلفة , خليط من إنجليزي وفرنسين وأمريكان وروس وصينين ويابانين وهنود وأندونسين وسنغالين وإسكيمو . نعرف ذلك من الأسماء لأن أحد لا يحمل بسبورت عليه إشارة بجنسيته أو بلده , كل ما تحويه بطاقة السفر من معلومات هي الاسم والسن وفصيلة الدم ورقم البروتين والمكافئ المغنطيسي والمعادل الكهربائي والحمولة العصبية . مرد شفرة جبرية ورموز وأرقام هي كل الدلالة علي شخصيته

التفت الدكتور شاهين من نافذة الصاروخ إلي السحاب الذي يتطاير كقطن منوف وقال متثائبا :

مضت ثلاث ثوان وربع علي قيام الصاروخ لقد بدأت أشعر بالملل.

ومصمص بشفتيه

لا افهم كيف كان أجدادنا يحتملون ساعات من السفر في طائرة تسير بمحرك سلحفاة لكعة تقطع الكيلو متر في دقيقة . تصور الفظاعة

كانت علي ايامهم هي الاكسبريس الطائرة .

وكل مائة ألف كيلو متر تنزل لتملا خزانتها بالبنزين بنزين تصور طائرة تملأ خزاناتها بنزينا ( وقهقه ضاحكا )

البنزين الذي لا يعجبك كان هو الذهب السائل في تلك الأيام من يملك البنزين كان يملك العالم البدوي الفقير الذي يعثر علي بئر بترول كان يتحول بقدرة قادر

إلي مليونير . كانوا تلك الايام يحفرون الأرض بأظافرهم لاستدار هذا الطفح والعطن بأي سبيل .

لو أنهم يبعثوا الان من قبورهم ليروا هذا الذهب الأسود الذي عبدوه ملقي في مزبلة واحدة مع الفحم والحطب والقوالح .

من حسن الحظ أن أحد لا يبعث من قبره.

وبعد ثانية أخري كان الاثنان يسيران في ريجنت ستريت بلندن والجو صحو والشمس ساطعة لاأثر لذلك الجو الرمادي الذي عرفت به لندن علي مر العصور . فقد ثم كييف جوها

قال الدكتور شاهين وهو يدخل في نفق ضيق ثم يستقل قطارا ثعبانيا أملس بلا عجلات :

ميعاد محاضراتي في الجامعة بعد دقيقة وعشر ثوان أرجو ألا يسرقنا الوقت .

أطمئن هذه الزاحفات التي تسير بالمغناطيسية الارضية سريعة جدا وستصل قبل ميعادك .

وجذب الباب خلفه.

ومالبث أن ارتفع صفير خافت وانزلقت المركبة الدودية في النفق كأنها قذيفة . وألقي الدكتور اهين رأسه علي المقعد وأغمض عينيه في إغفاءة قصيرة .

والحقيقة أن الجو كان يغري بالاسترخاء والنعاس . كانت المركبة متوازنة جدا لا تكاد تهتز شعرة برغم سرعتها وكانت المقصورة مكيفة الضغط والهواء والرطوبة وفي الهواء عطر شانيل خفيف منعش وأنغام موسيقي خافته تنساب من بوق عند رأس المقعد

ميزة هذا المركبة أنها خلصتنا من عطلة المرور والإشارات فلا يوجد عابر سبيل في النفق الاسطواني غيرها .

ونظر عبد الكريم إلي ساعة يده ثم هز زميله النعسان برفق : لقد وصلنا الي الجامعة .

وكانت الزاحفة قد توقفت تماما . وبدأت المقاعد تتحرك في حركة رأسية كأنها مصاعد أتوماتيكية يصعد الواحد تلو الاخر إلي سطح الأرض حيث ينزل الراكب بسرعة ويتجه إلي سبيله.

ومد الدكتور شاهين يده الي زميله مودعا

نلتقي بعد ساعه في الكافتريا .

وانطلق مسرعا الي قاعه المحاضرات.

كان هناك أكثر من ألف طالب.

وكان ما يلفت النظر ذلك التشابة الشديد بين وجوههم وكانهم إخوة أشقاء( نفس الملاحظة التي لاحظناها في الصاروخ )

وبسط الدكتور شاهين خريطه كبيرة من النايلون الملون علي فانوس وهو يقول:

كانت هذه خريطة العالم منذ مائة سنة هذه الخطوط التي ترونها كانت فواصل وحدودا إقليمية تقسم العالم الي دول ودويلات . وفي الحقيقة كان العالم ينقسم الي قسمين كبيرين: دول ذات سيادة تريد أن تسود أكثر . ودول نامية متخلفة تكافح لتعيش ولا تعرف كيف تعيش وكان الصراع يدور بين الاثنين كما كان يدور بين الدول تنازعا علي القوة والسلطة .

أين وقفنا في كلامنا المحاضرة السابقة؟

لقد تكلمنا عن روسيا والصين وأمريكا . والعلاقات المعقدة بين سياسات الثلاث . وأختصر القصة اليوم فأقول : إن الحرب العالمية الثالثة قامت في الثامن من أغسطس سنة 1999 بين أمريكا وروسيا وما لبثت أن تحولت إلي التحام ذري . ووقفت الصين علي الحياد وقالت : إنها لا تستطيع أن تشترك في جريمة إفناء الجنس البشري . وقالت : أنها ستحاول أن تكون رسول سلام وهو موقف مثير للتساؤل وبالتفسيرات القديمة التي تعلمناها والتي كانت تقول لنا : إن صراع الطبقات كان دائما القوة المؤثرة التي شكلت التاريخ . يبدو هذا الصراع بين الصين وروسيا معادلة صعبة غير مفهومة . فلا شك أنه قوة مباشرة شكلت تاريخنا الحالي . ومع ذلك فهو لم يكن أبدا صراعا طبقيا (بروليتاريا وبروليتاريا أين الطبقات ؟) وربما كان أبدا صراعا عنصريا . ربما كان في طياته صراعا نفسيا يعكس شيئا في نفوس الشعبين .

علي أي حال يبدو أن العامل الاقتصادي كان في مرحلة التاريخ القديم من القوة والغلبة بحيث إنه كان يسير التاريخ فعلا. وكانت العقائد والفنون وحتي الحالات النفسية للأفراد والجامعات تبدو كأنها مجرد ردود أفعال للحالة الاقتصادية . ولكن في مرحلة تاليه تغيرت الأمور بسرعة . ورأينا التاريخ تقرره أشياء في نفوس الناس وليس مجرد تصارع بين طبقاتهم . والظاهر أن الطبيعة البشرية مركبة ومعقدة أكثر مما تصور الفلاسفة القدماء . وأن تفسير الواحدي للإنسان والتاريخ جميل ولكن فيه تبسيطا بخلأ بالحقيقة . ونحن نقول الآن : إن هناك أشياء في نفوسنا نتعارك من أجلها . كما أن هناك أشياء في نفوسنا نتعارك من أجلها . كما أن هناك أشياء في الخارج نتعارك عليها . وأن العامل النفسي يشكلان معا كل موقف تتخذه ولو أننا قلنا هذا الكلام منذ مائة عام أيام أجدادنا دراويش الماركسية ( أئمة المادية الجدلية في ذلك الوقت ) لحاسبونا حساب الملكين . لكن هناك اشياء كثيرة تغيرت في الدنيا , وغيرت معها عقول الناس بأسرع مما توقع جميع المفكرين .

ونعود إلي كلامنا لنحكي بقيه المأساة.

الحرب ذاتها لم تستمر أكثر من أيام معدودة .

في الثامن من أغسطس سنة 1999 اشتعلت وفي الحادي عشر من الشهر نفسه . وضعت أوزارها بعد خراب مدن وموت ملايين . وبعد هبوب عواصف وزوابع . وهطول سيول وحدوث فيضانات , جعلت الاستمرار في أي شئ مستحيلا . فقد اضطرب حزام الايونوسفير حول الكرة الأرضية نتيجة الإشعاعا تالفجائية المتولدة من التفجير الذري . وأدي إلي زوابع كهربائية مغناطيسية أشعلت الأرض كلها , كادت الأرض كما قال الفلكي (زولينجر) تخرج عن مدارها .

ومر شهر من الهول .

كانت السماء تعوي وتعتصر نفسها في سيل يكسح ويمسح الأخضر واليابس والصواعق تنقض كحراب من نار ز فتطعن وتطعن , وتشعل الحرائق وتهلك غابات بأسرها وتسويها بالارض , ثم فجأة بدأ الهدوء هدوء كالموت

وقالوا حينئذ شكرا لهذه السيول . فقد أذابت معها كل الإشاعات الضارة وخلصتنا منها . ولكن هناك شئ يختمر في هدوء ملعون في هذه العجينة الرخوة من الطين والماء والدم والروث والجثث والعفن والدود والرمم ومخلفات الإشعاع شئ ملعون بدأ يفصح عن نفسه ببطء فبدأت تظهر حالات غريبة.

مرض اشبه بالطاعون . ولكنه ليس بطاعون , ظهر في حالات متفرقة ثم بدأ يكنس الناس كأنهم ذباب يتساقطون أمام رذاذ غير مرئي يشمونه فينتفخون ويتورومون ثم ينفجرون كأكياس نتنه , تنشر ذلك الرذاذ غير المرئي من جديد .

ظاهرة غريبة صاحبت هذا المرض , لقد ساوي في دقة غريبة بين كل الناس .

لم يترك مدينة ولم يدع قرية ولم يعف دولة من أقصي القطب الشمالي لاقصي القطب الجنوبي , عبر خط الاستواء ومن اقصي الشرق لأقصي الغرب . عبر جميع خطوط جرنتش , ومن طالب السوربون إلي الزنجي البدائي , لا يوقفه برد ولا يصده صقيع ولا يرده لهيب.

ولأول مرة ادرك طالب السوربون أنه لا يفترق كثيرا في عمله عن الزنجي البدائي , وأدرك الأمريكي أنة ليس أغني من الروسي وأدرك الروسي أنه ليس أكثر صوابا من الصيني , وأدرك المستعمر في كل مكان أنه ليس أكثر صوابا من الصيني , وأدرك المستعمر في كل مكان أنه ليس أحق ببلده من صاحبه , وأدرك المسيحي أنه لن يختص يالجنة دون البوذي , وأدرك القاضي أنه ليس أكثر عدالة من المجرم الذي يحكم عليه .

الجميع يتجرعون العلقم . الجميع يهلكون , الجميع لهم الجحيم , وفي توبة حقيقية , وندم مجنون واعتذار دام ارتمي الجميع في أحضان بعضهم البعض يقبلون بعضهم البعض وهم يموتون . منظر لا يمكن أن يبرح ذاكرة هؤلاء الذين شاهدوه.

وفي انطلاقة متوحدة صافية أخوية , انطلق العلماء من جميع الأجناس ومن جميع النحل والملل يشتركون في بحث مخلص مشتعل لمعرفة الداء والتماس طريقة للنجاة

وبدأت آهات المحبة وحشرجات التصافي والود , وعهود الوفاة الصادق تتردد في الظلام الموات .

ولأول مرة في عمر الكرة الأرضية الذي يبلغ ستة آلاف مليون عام . أشرق صباح الأحد من يناير عام 2000 علي العالم , وقد توحد بالفعل في دولة واحدة وقد اختفت الحدود الجغرافية بين البلدان , وتوحدت الحكومات في مجلس عالمي , وميزانية واحدة مرصودة جميعا لهدف واحد هو البحوث العلمية في سبيل القضاء علي الموت الزاحف الذي يهدد بالفناء الحقيقي حياة الإنسان في كل مكان كل القوات العسكرية حٌلت . وأصبحت جيوش عمل مجندة في سبيل خدمة العلماء , وكل قوي البوليس والتخابر والتجسس تحولت إلي قوي للتجسس علي الميكروب واعتقال الوباء والسجون فتحت أبوابها ليشترك نزلاؤها في العمل المحموم في سبيل الحياة والعقول تكتلت كلها في جهة واحدة تهاجم الموت في جميع معاقله.

ولكن الموت ظل يطعن في الظلام .

وفي كل مرة يهرب القاتل الخفي , وينقذ من جميع المرشحات فلا يبقي له أثر تحت الميكروسكوبات الإليكترونية , وأمام مجسات الفحص الكيميائية الدقيقة .

كان واضحا أنه كائن بالغ الدقة و متناهي الصغر . وأنه من فصيلة الفيروس.

وما كادت نهاية يناير عام 2003 تأتي حتي كان العالم الهندي ( راجامنون ) قد حقق أول خطوة في المعجزة , فأستطاع أن يزرع هذا الفيروس اللئيم في أجنة الثعابين

واكتشف (راجامنون ) أن هذا الفيروس هو في الحقيقة جزئ واحد من بروتين DNA البروتين النووي المعروف في نواة الخلية الطبيعية ولكن في شكل متطور من أشكاله .

وأن هذا الفيروس يستطيع إذا اختراق الخلية الحية في الغشاء المخاطي للأنف أو القصبات الهوائية أن يحول الجسم إلي معمل مكرس لخدمته وتكاثره , وبهذا يتحول الجسم إلي أورام طاعونية هائلة تنفجر ليخرج منها ملايين الفيروس لتنتشر في الهواء وتنشر الموت من جديد . والجسم لا يستطيع أن يميز بين الأوامر الصادرة إليه من الفيروس , وبين الأوامر الطبيعية التي تصدر إليه من خلايا الجسم الطبيعية , وبهذا يقضي الجسم علي نفسه بنفسه دون أن يدري.

إنه فيروس أشبه بقائد الكتيبة يلبس لبس قائد الكتيبة ويتنكر في هيئته . ولكنه في الحقيقة قائد من قواد العدو ولا يستطيع الجند أن يكتشفوا حقيقته . وتكون النتيجة أن يأتمروا بأوامره التي يكون فيها هلاكهم .

واكتشف راجامنون أن هذا الفيوس قد تم تخليقة نتيجة فعل الإشعاع الذري في مزيج الدم والطين والعفن . وفي اليوم العاشر من فبراير في العام نفسه استطاع الطبيب الصيني هسيانج وي بتمرير الفيروس وزرعه في بيض الثعابين تحت ظروف خاصة من الحرارة والحموضة أن يستخرج منه لقاحا واقيا مثل لقاح الجدري (كما يحدث في زرع فيروس الجدري في البقر ) وأثبت اللقاح الناتج أنه يولد حصانة دائمة ضد المرض وهكذا امكن وقف الموت الزاحف . وبعد أن كان قد التهم أكثر من نصف التعداد البشري ( ألف وخمسمائة مليون وفاة في ثلاث سنوات ) وخرج العالم من المحنه وقد نجا من فناء أكيد .

وأهم من هذا أنه خرج وقد تطهر . طهرته الآلام العظيمة ووحدته أخوة المصير والعذاب أمام الموت . وحقق له حلم الساسه والفلاسفة الذي عجز أن يحققه السلاح . حلم العالم الواحد والحكومة الواحدة . حيث كل الموارد مكرسة لخدمة الجميع في أخوة حقيقة , وحيث الكل يعمل في محبة قدر طاقته ويأخذ بالمحبة قدر حاجته.

قامت الاشتراكية أخيرا علي أساسها الصحيح . ليس بحتميه الاقتصاد وحدها , وأنما بحتميه الحب , ويتوافر العامل النفسي الذي يجمع القلوب والأيدي عيل العمل المخلص البناء.

وفي سنوات عشر كان العالم الجديد قد بدا يقوم من العدم تكاتفت ملايين الأذرع لتحقق المستحيل .

حولت الطاقة الذرية إلي قنبلة خيرة تنشر النعمة في كل مكان .

تقلب مياه البحر المالحة إلي مياه عذبة . وتروي الصحاري وتحفظ الغذاء بدون تثليج . وتمد الإنسان بسبل مواصلات هائلة السرعة ورخيصة التكاليف . وتقدم للمواطن وقودا سهلا أنظف من البترول وأقوي منه آلاف المرات .

الطلب واستباط فواكه جديدة وخضروات جديدة .

وفي سنة 2025 كانت إشارات المرور قد أصبحت إشارات أتوماتيكية ومعلقة في الهواء , لأن كل المواصلات أصبحت مواصلات هوائية , صواريخ وقذائف وأقمار.

وفي سنة 2036 أمكن ثقب الأرض واستحداث مواصلات تحت أرضية تتحرك تلقائيا بالجاذبية الأرضية .و بدون وقود في أنفاق أسطوانية خاصة تصل بين القارات بأسراع مما تستطيع أي مواصلة هوائية أخري.

وفي سنة 2037 نزلت أول سفينة فضائية علي المريخ . ومعها طاقم كامل من الأطباء والكيميائين وعلماء الكهرباء والذرة والزراعة والصناعة .

وفي سنة 2048 تم تثليج الإنسان وتعليبه وحفظه ثلاثة أشهر كاملة أوقفت فبها جميع عملياته الحيوية , لاتنفس ولانبض ولاتغذذية ولاهضم ولاتمثيل ولا إحساس . بيات شتوي كامل . موت صناعي وذلك بتبريد الجسم إلي درجة الصفر المطلق ( 273 درجة تحت الصقيع ) وهي الدرجة القصوي التي تتوقف عندها حركة الذرة وهي في ذات الوقت أبرد درجة معروفة في فضاء الكون وأمكن بعد ذلك إعادة هذا الانسان المجمد إلي الحياة بتدفئته التدريجية إلي حرارته المعتلدة , وبدون أن يفقد كثيرا من خصائصه الحيوية فيما عدا فقد محدود في ذاكرته.

وقد اعتبر هذا الحدث العلمي أكبر انتصار سجله الإنسان في سفريات الفضاء , لنه يستطيع بذلك التغلب علي مشكلة شحن مقادير هائلة من الطعام وغاز الأكسجين . ويستغني عنها بأن يتجمد في بيات شتوي طوال الرحلة لا يأكل ولا يشرب ولا يتنفس.

كما أن التبريد الشديد حل مشكلة أكثر الأمراض المستعصية وأصبح موضة جديدة عند العشاق بدلا من الانتحار يدخل الواحد منهم ثلاجة لمدة شهر ثم يخرج الي الحياة وقد نسي ما حدث من خيانة حبيبته وخداعها ( ضحك من الطلبة ) وهنا ارتفع صوت ناعم يقاطع المحاضر:

- هل تعتقد يا دكتور أن هناك عشاقا في هذا العصر ؟

- نعم يار وزيتا للأسف هذا هو الشئ الوحيد الذي لم يتطور فقد تطورنا في عقولنا وأخلاقنا وحياتنا المدنية . ولكننا لم نتطور كثيرا في مشاعرنا نحوكم.

وهنا قالت روزيتا أحمدولنا في نبرة مشحونة بالعاطفة :

- استاذ شاهين هل تسمح لي بتصريح

- تفضلي

قالت روزيتا بصوت حاولت بقدر استطاعتها أن تخفي اضطرابه:

- استاذ شاهين أنا أحبك .

وتضرج وجه الدكتور شاهين بحمرة دموية وتردد قليلا وهو يقول:

كذلك . كذلك . كذلك

ترددت الهتافات في كافة أنحاء المدرج.

- حسنا نعود إلي كلامنا سنة 2061

وهمست روزيتا وهي تنظر إليه في هيام وتحدث نفسها بنبرة خافتة ( وسنة 2061 يا حبيبي)

- وفي سنة 2061 خطا الإنسان أكبر خطوة في سبيل فض طلاسم الطاقة , فقد تمكنت عالمة الطبيعة الأندونسيسة (تيماوا ) من تحطيم النيوترون وهي قلب النواة في الذرة ومستكن أسرارها . وكانت الطاقة الناتجة من العظم لدرجة أن الجزيرة التي أجريت عليها التجربة اختفت في المحيط مع أن كمية المادة التي فجرتها (تيماوا ) كانت أصغر من رأس دبوس , ومعني هذا بالحساب البسيط أن نصف قرص أسبرين إذا تم تفجير ما فيه من نيوترونات يكمن أن يشق الكرة الأرضية كما نشق نحن برتقالة علي الغذاء أو يمزقها إلي عدة اقمار صغيرة تدور في الفضاء. وكانت المشكلة بعد هذا الاكتشاف هي كيفية التحكم في هذه الطاقة واستئناسها . كيف نستعملها في دفع صاروخ أو إدارة محرك أو تسخين فرن .

فشلت كل التجارب في ترويض هذا المارد الجديد .

كان في كل مرة ينفجر لحسابه الخاص لا لحسابنا ويترك خلفه حفرة في حجم صحراء الأريزونا .

واقترح العالم التركي( عصمت آغا ) توجيه قذيفة من هذا الديناميت الجديد لنسف الغلاف الجوي لكوكب الزهرة حتي يمكن رؤية سطح الكوكب الغامض الذي اختلفت فيه الاقوال ومازال هذا الاقتراح قيد البحث .

وفي سنة 2062 اكتشف الكيميائي المصري ( ع . بدران ) أقراص السعادول اليت استنبط مادتها من أعشاب مخدرة تنموا في الواحات ويعتبر السعادول المخدر المثالي لهذا العصر والعلاج الفعال للقلق والكآبة والتوتر النفسي والخمول, ورفيق الجيب الدائم لجلب السعادة والتفاؤل , وهناك توصيات بإدخاله في صناعه اللبان والشيكولاته والفطائر ومزجه بكميات قليلة في الخبز العادي .

والدكتور ع . بدران اخترع لنا أيضا الكلية الترانزيستور والرئة الترانزيستور والقلب الترانسيتور لتحل محل القلب الصناعي والرئه الصناعية وكانت كل واحدة تملا غرفة من الحجم الكبير .

وآخر اختراعاته الكيميائية كان (ضاحكا ) قميص نوم حريمي يمكن أن يلبس ويؤكل

صوت من آخر المدرج _قديمة ده اسمه قمر الدين ( ضحك وتهريج )

- وأهم حدث هذا العام كان الكشف الأثري الذي حققته الباحثة العراقية (فيروزة ) في قاع الأطلنطي حينما عثرت لأول مرة علي قارة الأتلانتيس الضائعة وكشفت آثار حضارهتا القديمة ودلت الحقائق تحت القاع عل ان أجدادنا سكان الأتلانتيس عرفوا الكهرباء والذرة والصناعة الحديثة والعمارات المتعددة الطوابق كما أنهم مارسوا العبادات . وكانت لهم معابد وأبنية شبيهة بالمسلات والأهرامات .

وتقول الدكتورة أنهم عرفوا الروج أيضا ( ضحك )

وهناك لوح إردوازي من هذا العهد عليه ما يشبه كاريكاتير عن رجل وحماته ( ضحك ) ومعني هذا أنه كانت علي هذا الارض ومنذ أكثر نت خمسمائة ألف سنة حضارة تشبة حضارتنا وربما أرقي منها . ثم اندثرت تماما.

صوت من الصفوف الأمامية يقاطع :

- أليس هذا دليل علي كون كله فوضي . أن يندثر كل شئ من أرقي الحضارات إلي أهوان الأفراد شأنا . إلا يبدو الأمر كله هزلا في هزل . ولماذا تصدع رءوسنا بكل هذه العلوم ما دامت النهاية عبثا في عبث . أريد أن أفهم

- ما الحكمة في الليل والنهار ؟

- إننا علي الأقل سيطرنا علي الليل وأحلناه نهارا بالكهرباء والأضواء الإلكترونية .

- لا أنا أقصد الليل الفلكي الطويل .

- حينما تنطفئ الشمس . اعتقد أننا سنكون قد انتقلنا تماما من هذه الأرض ونقلنا عزالنا إلي كوكب آخر .

- لا أنا أقصد الليل الفلكي الطويل المقبل علينا . الم تقرأ آخر بيانات المراصد الفلكية وكيف أن الكون بدا ينكمش بعد أن استمر يتمدد 13 ألف مليون مليون سنة .

وأن النجوم تقترب من بعضها الآن بسرعة هائلة . وبعد وقت طال أو قصر سوف تتصادم هذه النجوم وتنهدم عمارة الكون وتتقلص وتنصهر وتذوب وتتحول إلي عجينة متضاغطة مثل قبضة اليد من المادة الأولية التي بدا بها الخلق .

روزتا : تهمس إلي نفسها وهي تنظر بهيام الي الدكتور شاهين .( أنا التي أذوب , وأذوب لماذا تفكرون في ملايين السنين الكونية وتنسون اعماركم القصيرة . فليذهب الكون إلي الجحيم . مادامت في قلوبنا ذرة حب . لماذا لم يفكر عالم واحد من علماء الطبيعة في ذرة الحب . تحملق في الهواء بنظرة شاردة وعيناها دامعتان .

الدكتور يلحظ شرودها :

- انت لست معنا يا روزيتا .

روزيتا تفيق الي نفسها : بل معكم معكم جدا .

- في من تفكرين ؟

- أفكر في معضلة في علم الطبيعة .

- حقا . أية معضلة ؟

- إننا فكرنا في جميع الذرات . ودرسنا خواص كل ذرة . ماعدا ذرة واحدة مهمة جدا .

- أي ذرة ؟

- ذرة الحب.

- يضحك ) ذرة الحب !

- صدقني انها الذرة الحقيقية التي يتألأف منها الكون .

- علي العموم هي فكرة لتخصص جديد يمكن أن تنفردي به

- (وفي هيام ) صدقني انا متخصصة فيه جدا ( تهريج من البنات والولاد ) . الدكتور يضرب المائدة محاولا أن يعيد النظام يستأنف كلامه بصوت مرتفع .

وفي سنة 2063 اكتشفت الطبيبة المجرية ( أجبنا ) طريقة لزرع الجنين الآدمي خارج الرحم وتربيته في برطمان حتي كامل نموه.

ومنذ تلك اللحظة أصبح أطفال البرطمانات مثل أرانب المعامل مجال خصبا لإجراء التجارب علي المؤثرات الكيماوية والهرمونية والإشعاعية .

وبهذه الطريقة استطاع العالم المصري د. غانم أن يتحكم في عناصر الوراثة . وان يورث الطفل أية صفة جديدة يريدها ويمحو منه أيه صفه وراثية لا يريدها .

وكلكم تعرفون بعد ذلك ما حدث من تدخل المجلس الأعلي للقوانين ومحاولات المشرع ( دي جروفييه ) سن قانون جديد بتحريم هذه التجارب واعتبارها جرائم كبري يمكن أن تصل بالمفهوم الجنائي إلي حد القتل والتشويه العمد وإحداث العاهة بطريق الخطا أو بطريق القصد وأنها في أدني حالاتها تعتبر تدخلا في حرية المواطن وإخضاعا له بالقسر والجبر والإرغام بدون إذنه ومشورته وقهره علي حالات مصيرية لم يخترها .

وكيف أن المناقشة القانونية ما زالت مستمرة إلي الان والتجارب موقوفة .

سأل أحد الطلبة :

وما رأيك أنت يا دكتور؟

وتردد الدكتور لحظة ثم قال:

- رأيي أن تباح هذه التجارب بدون قيد ولا شرط ( ضجة احتاج في المدرج وخصوصا بين الطالبات بينما يمضي الدكتور في كلامه ) فالإنسان هو الذي يجب أن يتولي الوصاية علي الطبيعة وليس العكس فهو العقل الوحيد المدرك الواعي بين كل هذا الظواهر العمياء.

- ولكن كيف يتولي الإنسان الوصاية علي الطبيعة وهو ابنها الطفل وأحد نواتجها؟ الطبيعة عمرها 23 ألف مليون سنة . ونحن تاريخنا لا يزيد علي مليون سنة . وما نعرفه من امر هذه الطبيعة لا بذكر إلي جانب ما نجهله . وإذا كانت الطبيعة عمياء فكيف تفسر التطور وسيره من المكروب إلي الإنسان في اتجاه يدل علي بصيرة وعقل :

- إن ما يبدو لنا من بصيرة الطيعة وهم لأننا لا نري إلا حسناتها .أما أخطاؤها وجرائمها وجناياتها فإنها تندثر أولا بأول إحدي جرائم الطبيعة التي استطعنا أن نعرفها كانت الزواحف المنقرضة عن آخرها . وهذا الغلطة . وغيرها ملايين الغلطات ودمتها الزلازل وغمرتها مياه المحيطات وحجبتها عن العيون التاريخ نوته مزيفة . ودفتر أعمال كاذب فهو لايثبت إلا الصالح والنتيجة أن تظهر لك الطبيعة وكأنها عاقلة وبصيرة ولاتخطئ .

- أنا أفهم أن يحكم الإنسان علي إنسان مثله . علي جيل علي مجتمع . اما أن يحكم علي الطبيعة . علي الكون كله فهو غرور وحمق إن العقل البشري غير مؤهل يمثل هذه الكفايات التي يري بها الكليات والمجردات والبدايات والنهايات . هل رأيت الحقيقة . هل عاينت الجمال أو الحق أو الحرية . أبدا أنت تري جزئيات محدودة فقط وهذه هي التي تستطيع أن تحكم عليها .

- هذه فلسفة كائنية راح زمانها . الإنسان يحكم علي كل شئ ويأخذ موقفا من كل شئ أراد أو لم يرد , انت تحكم علي الكون وترفضه , وتحكم علي الحياة أحيانا وترفضها , والدليل علي ذلك أنك يمكن أن تنتحر.

- وهل يكون هذا فعلا صائبا ؟

- أنا لم انتحر لأقول لا.

- اما أنا فسأنتحر وسأشعل النار في نفسي كما كان يفعل البوذيون إذا استمر الإنسان ي هذه الحماقات , وإذا لم يصدر قانون بتحريم هذه الجرائم ( هرج ومرج في المدرج ).

الأستاذ في هدوء:

- سوف تثبت بفعلك . حريتك المطلقة . وبالتالي سوف تناقض الكلام الذي تقوله .

- ( في ثورة ) المسألة ليست مسألة منطق . المسألة مسألة إنسانية.

يكاد يتحول النقاش إلي اشتباك والطلبة ينقسمون إي حلقات يناقشون بعضهم بحدة . مرة أخري نري الأستاذ يدق بيده علي المائدة :

- هدوء من فضلكم . هذه مسألة بيت فيها مجلس القوانين ويفكر فيها مشرعون . وليست مسألة يبت فيها طالب سنة أولي جامعة .

- ولكنه مصيرنا .

-إنه ليس مصيركم ولكن مصير أجيال لم تولد بعد

طالب يميل علي زميله هامسا : ( الجيل الي جاي حا يبقي الواحد يقول للتاني يا ابن البرطمان ).

( ضحك )

الأستاذ يدق علي المائدة:

- وفي سنة 2063 أيضا وقع حدث ثوري.

تقرر أن يكون اللبن والخبز بالفيتامينت مجانا كالهواء لكل من يحتاجه . وأن تترك محلات الخبز واللبن مفتوحة طوال ساعات الليل والنهار كما تفتح صيدليات الإسعافا , وأقسام الاستقبال بالمستشفيات والمدارس في كل مراحلها مجانا .

كما تقرر أن تكون البدلة الشعبية التي تصلح لكل الفصول مجانا أيضا .

كما أصبحت العروض المسرحية والسينمائية مفتوحة بدون تذاكر . والأسطوانات والكتب مفتوحة للطلب والاستعارة والامتلاك بدون شروط.

وأعلنت الهيئة الصحية العالمية انتهاء هشر أمراض خطرة . هي السل والكوليرا والتيفود والتيفوس والملاؤيا والحمي الصفراء ومرض النوم والبلهارسيا والزهري والسيلان . وشطب هذه الأمراض نهائيا من قائمتها ,كما شطبت الميكرونات الخاصة بها من قايمة علم البكتريولوجي.

وكان هذا أكبر انتصار سجلته البحوث الطبيه منذ بدأت . وفي الجانب الآخر ثبت بالإحصاء للأسف أن عدد حالات الجنون والانتحار قد ارتفع إلي أضعاف ماكان عليه أيام التأخير والرجعية . وكان التفسير الذي قدمه الطبيب النفسي الروسي( ليوبوف)لهذه الظاهرة أن هناك طاقات عنف مكبوته لابد أن تفتح لها مخارج ومصارف طبيعية.

وقد طالب ليوبرف بعودة المصارعة الحرة والملاكمة والمبارزة ونوادي اليوجا والصاعقة . والرحلات الفدائية إلي أعماق الفضاء وألعاب السيرك الخطرة وكوميديات التهريج والاسفاف والنقد البذئ . وقال إن الإنسان لابد أن يخرج قليلا عن حدود الأدب بين وقت وآخر ليحتفظ بتوازنة وصحته النفسية .

طالب بعوينات سوداء يقاطع :

- حالة التعاسة النفسية المنتشرة وغير المتناسبة مع الرخاء واليسر المادي لا تحتاج إلي ( ليوبوف ) ليفسرها . فقد فسرها المسيح منذ أكثر من ألفي عام حينما قال : انه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان .

طالب آخر يمضغ لبانا :

- تذكر انه ليس خبزا عاديا . فهو خبز بالفيتامينات ولبن بالشوكولاته .

الطالب ذو العوينات :

وفسرها القرآن منذ ألف وخمسائة عام حينما وصف حالة الضنك النفسي التي يعيشها الكفار أمثالنا في قول الرب – ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا :

وعاد الاستاذ يدق علي المائدة :

- ربما كان تفسي ليوبرف غير كاف . ولكن المسألة لها وجه آخر غير الذي يقول به المؤمنون أمثالك , وأعتقادي أن سر تعاسة هذا الجيل يكمن في المسئوليات النفسية الهائلة التي يحملها . لقد تسلم هذا الجيل مفتاح الطبيعة وفض مغاليق الحياة . وبدأ يصنع الإنسان في برطمان وبدا يتحكم في صفاته وخلقته . وهي مسئولية بشعة تزلزل أكبر العقول.

طالب ذو لحية يقول بعصبية :

- انا أوافق ليوبوف علي أي حال في أننا في حاجه الي مصارعات وملاكمات بين حين وآخر , كما أننا في حاجه إلي النقد البذئ , هل تسمح لي ان أنقد هذا العصر يا دكتور؟

الاستاذ : من فضلك

الطالب منفجرا : اعتقد أنه احط عصور التاريخ , وانه عصر جاهليه ودعارة .

طالب آخر : علي فكرة ده ماسوني.

طالب آخر : ده من بتوع التكفير والهجرة .

الطالب ذو اللحيه مستمرا في ثورته : انا أبصق عليكم ( يصرخ بأعلي صوته ) انا أبصق عليكم ( بصوت يشبه العواء ) أنا أبصق عليكم كلكم وأشار الدكتور إلي اثنين من حرس الجامعة وهمس لأحدهما : - أحملاه الي عيادة الطبيب واعطياه حقنة سعادول في الوريد فورا .

وانطلق الحارسات وحملا الطالب وهو ما زال يصرخ ويعوي , أنا أبصق عليكم كلكم . انتم حيوانات وثنية .

وخفت الصوت تدريجيا والحارسان ينطلقات بحملها ويختفيان في الممر الطويل .

وانطلق الطلبة في نوبة من الضحك .

- هذا الكلام يؤكد كلام ليوبوف . نحن في حاجة إلي بعض العنف .

طالب آخر: _ إنه يريد أن يقتل , لاأظن ان مجرد العنف سوف يكفيه .

طالب ثالث : اعتقد أنه يريد أن يبصق فقط ( ضحك )

طالب رابع : انا اوافقه علي كل كلمة قالها . نحن فعلا نعيش في احط عصر من عصور التاريخ رغم الثراء والرفاهية .

طالب خامس : لو وجد مثل هذا الرجل طريقة إلي الزعامة والحكم لعدنا إلي أيام الحروب.

وقال الاستاذ في نبرة أسف : لا افهم كيف توجد أمثال هذه العقليات في عصر العلم والنور لا أفهم . يبدو ان الإنسان كائن معقد جدا.

طالب آخر : أو ربما نحن نستحق أن يبصق علينا فعلا .

أجاب الاستاذ :

من الجائز , ولكن ليس هو الذي يبصق علينا علي أي حال .

طالب آخر : أرأيت منظر لحيته

الاستاذ ( في اشفاق) : إنه أولي بالحب علي أي حال وإنه في حاجه الي من يحبه في حاجه الي من يصادقه .

طالب آخر :

- إنه يرفض أي صداقة و يبادر بالعدوان والتهجم علي كل من يتقدم له .

الاستاذ: الذنب ذنبنا نحن القادرون وهو العاجز نحن الذين فشلنا في أن نكسبه ( شاردا ) أحيانا يخيل إلي أن العالم مازال ينقصه الحب .

طالب اخر : ليس السعادول هو الذي سوف يصنع الحب . أستاذي أننا نعيش في غرور كاذب .

- ربما ربما .

(روزيتا أحمدولنا ) تنظر إلي الأستاذ في هيام وتهمس إلي زميلتها : أنظري يا داليا ألا يبدوا شاعرا ألأ يبدو ملائكي الوجه مثل الأنبياء انظري إليه وهو يتكلم عن الحب إلهي كم أحبه . كم أعبده .

داليا – ماهذه النبرة الصوفية عن الأنبياء والإله . ماهذا الكلام الغريب؟

روزيتا – نعم داليا ما دمت أحب فالله موجود.

داليا – انت تهذين إن الحب جعلك تخرفين تماما .

- داليا

ونظر الأستاذ إلي روزيتا : هذه ثاني مرة أضبطك تهومين فيها بعقلك خارج الدرس. كفي شرودا يا روزيتا أرجوك .

روزيتا : (في حنان ):

أنا التي أرجوك ( تصفير في الصفوف الأخيرة من المدرج )

وعاد الأستاذ يدق المائدة بيده وقد احمر خجلا:

- وفي عام 2067.

روزيتا : يا إلهي . وهل حدث شئ في عام 2067؟ إنه لم يكد يبدأ

الأستاذ :

- نعم حدث حدث هائل منذ ثلاث ساعات فقط أمكن تخليق البرتوبلازمه الحية في المعمل من مواد ميتة .

روزيتا : - أوه هذا حدث تافه أعتقد أن هناك حدثا أكبر سوف يقع في دقائق.

الأستاذ : - ما هو ؟

روزيتا : يا حبيبي إننا نستطيع أن نقدم هذا الحدث للدنيا أنا وانت (في صوت ولهان بذوب رقة ) نتزوج ما رأيك ؟ أنا أخطبك .

الاستاذ : ( في ارتباك واضح وقد تضرح وجهه بحمرة قرمزية )

وانا . وانا أوافق.

( تصفيق وتهريج وتصفير ودق بالأرجل وزغاريد في طول المدرج وعرضه )

تقف روزيتا وترسل ققبلة في الهواء إلي أركان المدرج الأربعة.

روزيتا : وهناك حدث آخر أهم .فقد أصبحت أبا يا حبيبي. نعم لقد تأكدت فأنا حامل . وعن قريب سوف يأتي إلي الدنيا طفل جديد بدون برطمان .

رقص في أرجاء المدرج .

والطلبة يحملون الأستاذ علي أتافهم .

وعلي الباب يقف عبد الكريم ناظرا إلي صديقه في دهشة .