الفصل 5

11 0 00

استمر الحزن أربعين يوماً بنهاراتها ولياليها، كان زاعم خلالها حبيس غرفته، رهين الصراخ والسواد.

في اليوم الأربعين، أنار الغرفة نور شديد بعث فيها دفئاً، وارتفعت قامة أخو زهيّة يبتسم ابتسامته المطمئنة، عانقه زاعم واسند رأسه إلى صدره وصار يبكي، قال أخو زهيّة:

ـ وما أدرك أباك غير حق، أدرك الجميع من قبله، إلاّ من خصهم الله بالخلود. فلاتحزن وابحث عن روحك الخائفة المرتعشة. علمتك كيف تقرأ عالمك، فتعلم كيف تكتبه.

ثم غادر أخو زهيّة دون أن يسمع كلمة من زاعم، الذي شعر بالطمأنينة وارتاحت نفسه.

نظر من الكوة إلى السماء، كانت النجوم تخط خطوطها الضوئية البديعة، وتتقاطر حاملة أسرارها، عربات تخبئ دهشة في عقل المراقب الطفل، الذي بدأ جسده يقشعر وطغت عليه حالة من اللاوعي، فرأى أجداده يصعدون إلى تلك العربات ويقذفون التنين الممتد فوق النجوم بالماء، فيهطل المطر الناري على الأرض ويحيل الحجارة نجوماً تتصاعد ضمن مجرة تمتد حتى تشمل الأرض بأشجارها وبيوتها وجبالها لكن البحور التي كانت تظهر فجأة وتختفي بين النجوم، جعلت الغلام يقفز مانحاً يديه حرية التقاط النجمات الصغيرات ورميها مباشرة إلى الماء حصى يصنع دوائر تتسع وتتسع ثم تختفي...

حين أخبر أخو زهيّة بما رأى، قال له:

ـ رجّ عقلك، الفضاء يتسع لك، وتحيط الملائكة بأغصان معرفتك رجّ عقلك، خلصه من جدب الأرض وجفافها، حينها ستصل إلى رحمته، دون وسيط بينه وبينك.

الحركة الثانية:

في المدرسة ازداد التصاق زاعم بمقعده، وضاقت المسافة بينه وبين الكلمة التي صار يلتهمها، كان يروي لأقرانه حكاياه، فيقودهم معه إلى عوالمه، ويغرقهم في بحور لم يألفوها، ولم يعتادوا سماع أصوات حيتانها.

تجمع حوله أساتذته، واندفعوا إليه، يحرضهم كلامه للولوج أكثر فأكثر إلى قصصه، واكتشاف حيوات سابقة، حيوات أشخاص جابوا الأرض، واجتازوا اللجج المخيفة، غير هيابين أو مرتعدين. لم يكن يتعلم بل كانوا جميعاً يتعلمون منه، صامتين يصغون إلى أحاديثه التي ماحدثهم آباؤهم بمثلها.

كان يعود من مدرسته كل يوم، ويسير إلى غرفة أخو زهيّة تدفعه نفسه دفعاً فلا يستطيع التوقف.

عمّ الخير البوكمال، فكثرت أمطارها، وقل عجاجها وقيظها صارت نخلاتها تبدو للناظر من بعيد مآذن تتلى فيها صلوات الشكر لله، واحتوت المدينة الوافدين إليها فتغيّرت معالمها، وازداد عدد بيوتها، وانتشرت أخبار زاعم في كل المدينة، وصار الناس يتناقلون قصصه الغريبة التي يرويها، فيضيفون عليها ماتيسر لهم، يقولون مثلاً: كان زاعم جالساً مع أخو زهيّة، فأمطرتهم السماء، وبلل المطر رأسيهما، فبقيا أياماً طويلة لايشربان الماء ولايأكلان الزاد، لأن بركة الله تحيطهما.

كان زاعم مولعاً بصيد السمك، يحمل دلوه وصنارته، ويسير إلى النهر تحركه شهوته لمراقبة الماء المنساب منذ ملايين السنين، والاستماع إلى هذا الخرير الأبدي.

كان يجلس على سفينة آبائه، ويمد خيط سنارته إلى الماء فلايعود إلى البيت إلا وقد ملأ دلوه بالأسماك.

في إحدى المساءات جاءه أخو زهيّة وأخبره بأنه مغادر ولن يعود إلا بعد سنة، فانفصل زاعم عن شيخه وتلبسه عقل غريب. لقد كان جلوسه مع الشيخ يجعل حضور العقل أمراً استثنائياً بل إن الشيخ كان يطلب منه قبل كل شيء أن يضيع ولايفكر بشيء، وحينما يبدأ الشيخ بالنقر على الدف كان يهز كيانات مختلطة يأتي بعالم أشد شفافية، إيقاعه ينتظم مع استمرار النقر على الدف والتنشيد، وجهه الأحمر الممتلئ يزداد انسيابية وتصير ملامحه هادئة جداً، يذهب الغلام معه، يغيبه تماماً، فلا يستطيع الرجوع، إلا منطفئاً، وكان الشيخ بعد هذا يحمل جرته التي لاينفد ماؤها، ويسقي الغلام حتى يرتوي.

أما العودة إلى البيت فكانت أشد إيلاماً للبدن من مفارقةالروح لأنها كانت تعني الانفصال، ولو مؤقتاً، عن كوخ تتراقص فيه ألوان قوس قزح محتفية بجلال الخالق، باعثة الدفء والرعشة في الخلايا الملتصقة بأرض مهما امتّد بقاؤها، فإن الفناء مصيرها.

فكيف يبعده عنه عاماً؟ كيف يخرجه منه، وينثره كأنهما ليسا كياناً واحداً؟ ظل زاعم واجماً بلا شيخه، مصاباً بالذهول، هي حالة تمزق تصيب عقلاً مازال معلقاً بين بين، فلماذا يتركه؟

ولماذا يريد أن يجعله يصارع أسئلته وحيداً؟

الحركة الثالثة:

اختفى الشيخ من البوكمال تماماً، ولم يعد يسمع صوت عصاه تدق الأرض أثناء مروره، وقد حاول بعض الناس زيارته لكنهم لم يستطيعوا الدخول إلى غرفته لأن هواء غريباً أغلق بابها فجعلها محصنة لايدخلها أحد ولايرى مابداخلها أحد.

صار زاعم أشد عزلة، وانصرف عن كل شيء إلى كتب كانت مكدسة في البيت يقرؤها، ويراقب النجوم في الليالي، وكان يغادر البيت ساعات، ولايخبر أحداً بمكانه.

مرت سنة ثقيلة على المدينة، تمنى خلالها الناس أن يأتي أخو زهيّة، لحظات فيرى ما يحدث في غيابه: غبار ثقيل على الأسطحة، ورياح عاتية تباغت الناس في لياليهم، شتاء جاف بارد أحرق الأشجار فانقطعت ثمارها، وجاع الناس. كانت هذه سنة الجوع الثانية، ويذكر بعض الناس أن آباءهم حدثوهم أن سنة الجوع الأولى جاءت حين كان أخو زهيّة غائباً عن المدينة، أيام راحل العاني رحمه الله، وقال بعضهم: حين عاد الشيخ، أرسل راحلاً إلى الآستانة ليحضر الطعام.

في ظهيرة أحد أيام أيلول، نهض زاعم فزعاً من قيلولته، كان أخو زهيّة يحيط به ويقبله، سرى الدفء بين الشيخ وبين الغلام وعلا صوتهما يقرآن معاً آية الكرسي، لم تكن نافذة الغرفة مفتوحة، لكن أخو زهيّة دخل مخترقاً الجدران كأنه الطيف، وكأنه الحلم العذب المنتظر بفارغ الصبر.

بدأت الغيوم تملأ فضاء الغرفة، تحيط بكل غيمة هالة من ضوء غريبة خاطفة للبصر، تمنح الناظر إليها شعوراً بالطمأنينة، انتشرت الفرحة في قلبي المتعانقين، ومرت لحظات كأنها انسياب جدول صاف، تحول زاعم إلى حالة من التساؤلات القلقة، تغطي حجم حنينه لزائره الطيفي المنتظر ذي البركات والشفاعات، معلم المعرفة:

ـ أين كنت؟، جعلتني أتثاءب باسمك، وأقضي الليالي مستحضراً كلماتك. أين كنت؟ مامرت غمامة في سمائي، إلاّ رأيتك في بياضها، فرجوتها أن تمطر، فتمنحك لي، ولو قطرة، قطرة واحدة، للحظة واحدة، كانت كافية لتجعلني أعود فأحبو على الأرض، باحثاً بين الحشائش، وبين ذرات الرمل عن صوتك الدافئ. بهت الشيخ، وهز الغلام هزاً عنيفاً، كان الغلام يرتجف، وكانت يداه قد تحولتا إلى قبضتين جبارتين تمسكان يدي أخو زهيّة الهزيلتين، تردد صدى بكائهما في الغرفة الملتهبة قيظاً، لكن الشيخ تمالك نفسه، وكفكف دموعه ثم قال:

ـ يابنيّ، قد أنطقك الله، فيسّر لك لغة شيوخ تقاة وعلماء، فما أنت الآن سوى آية من الكلمات الربانية، فامض في معرفتك، وابحث عن خلاصك من طمي الأرض لتصل إلى عمق المعرفة الإلهية في جوف المحيطات العظيمة، وأهرب من شمس تحرق بضوئها صفاء سريرتك وجهل ذاتك، كن مع الله يكن الله معك.

وأما أنا فكنت عنده يهدهدني جواره، وتطفئ نيرانَ قلبي رحمته، قد شابت روحي بابتعادي عنه، وقد غفوت في أعماق يمكث فيها أسلاف لي يبحثون عني، واستأذنتهم لأجلك، وها أنذا عدت إلى البيت.

التصق جسداهما، وفاضت عليهما أنسام عليلة، وتلاحقت صور الذين راحوا، يشيرون إلى الفتى العاني، وجوههم الباسمة تثيره، تجعله يلتصق أكثر فأكثر بصدر الشيخ الذي كان يسلم على صورهم، ويتلو آيات من القرآن، صار يتعرق وهو يمسح جبين زاعم، ثم انطلق صوته يردد مرتجفاً:

ـ أبرأ جسدي، جل جلاله، وعافاني، نفض عني هموم عمر عشته بين جسوم لاتشعر، وجدتك ياضالتي، فارتحت من ضياعي، ووجدتني بعد أن كنت مضيعاً. اختارك الله، واختاروك، فاخترتك كي تكمل مابدأته، هذه الأرض، غايتي، وما جئت إلا لأخلصها، وما جئت إلا لتفعل الفعل نفسه.

اختفت كلمات أخو زهيّة، وصار يتلاشى، تحول إلى مياه، ثم إلى طيور، فسكنت زاعماً رعشة جعلته يغفو، تتلاحق في مخيلته صور الذين راحوا، ينادونه ليتبعهم.

***