كان البيت يعج بالأقارب، وكان الحاج عمر يتنقل بينهم رافعاً ذراعيه إلى الأعلى، طالباً منهم الدعاء.
أطلت الحاجة أم اسماعيل القابلة، وقالت: ماء ساخن ركضت ابنة الحاج عمر العانس التي تجاوزت الخامسة والثلاثين نحو المطبخ، أحضرت الماء الساخن ودخلت الغرفة كان الضجيج يملأ المكان، فبعد يومين من المخاض والألم أذن الله أن تلد نورية زوجة عاصم بن عمر العاني. استمر حملها عاماً كاملاً، وظن الجميع بأنها ستموت لكن الله أمدها بالصبر فظلت تحمل جنينها فرحة، منتظرة عودة زوجها من سفره. قطع أهلها النذور وذبحوا الخراف والعجول لوجه الله، ونذرت الحاجة صبرية أم عاصم أن تصوم شهرين متواصلين أما الحاج عمر فقد حلف أن يطعم مئة فقير لمدة شهر في بيته.
اقتربت ساعة الفجر، ومازالت نورية تطلق ، ومازالت الابنة العانس تطوف حول سريرها حاملة وعاء البخور.
غالب النعاس الحاجة صبرية فنامت وهي تتلو آيات من سورة النور، خرج الحاج عمر من غرفته، وكان التوتر والقلق باديين عليه، مشى عبر باحة الدار ونادى أبا مسلم، ثم طلب منه أن يذهب فلايعود إلا ومعه الشيخ.
انطلق أبو مسلم، غير مبال بالوحل الذي علق بحذائه، وحين وصل إلى غرفة الشيخ وجده واقفاً ببابها، وقبل أن يتكلم أبو مسلم قال الشيخ: سنذهب، يا أبا مسلم.
دخلا بيت العاني، فانبعثت روائح العطور من الشيخ وعطرت أجواء المكان، تحلق حوله الموجودون في باحة البيت، وطلبوا منه الدعاء لنورية المسكينة كي ترتاح من الألم.
خرج الحاج عمر من غرفته، وعانق الشيخ ثم أدخله معه، بعد قليل، والجميع ينتظرون، أطل الحاج عمر حاملاً بيده كأساً فيها شراب، لونه أحمر، رائحته زكية. ونادى القابلة أم اسماعيل، وناولها الكأس، وقال لها:
ـ سمي بالله، واسقها، وإن شاء الله، تلد بالسلامة.
لم تغب أم اسماعيل في غرفة نورية سوى دقائق، حتى انطلقت الزغاريد فانفرجت أسارير الموجودين في البيت، وتغيرت ألوان وجوههم، ثم علا صوت مكبر الجامع يدعو الناس إلى صلاة الفجر.
غادر الحاج عمر العاني تملؤه الفرحة مع الشيخ أخو زهيّة للصلاة، وايقظت الابنة العانس أمها الحاجة صبرية، وبشرتها بالطفل الذي يشبه الملاك، والذي ابتسم، سبحان الله، فور ولادته.
دخلت الحاجة صبرية غرفة نورية، فوجدتها نائمة يعلو وجهها إرهاق ليال من المخاض والألم، والطفل مستلقياً إلى جانبها. بسملت الحاجة صبرية وحملت الطفل ثم قرأت قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
ثم التفتت إلى ابنتها العانس، وقالت:
ـ ألم يكبّر له جده في أذنه؟
كانت الابنة العانس تمسح العرق الذي كان يتصبب من وجه نورية. قالت لأمها:
ـ راح ليصلي، وحين يرجع سيكبر في أذنه.
شعرت الحاجة صبرية بالانقباض، لكنها هزت رأسها:
ـ إيه، الله يكون معك ياحجي عمر، ماتترك الصلاة أبداً...
كان الحاج عمر العاني خيّراً ودوداً. من أثرياء المدينة وهو الصديق المقرب لأخو زهيّة، فقد اعتادا منذ فترة طويلة أن يقضيا الليل في قراءة القرآن، والحديث عما يحمله أخو زهيّة من أخبار أسفاره ورحلاته، ثم يعودان كل ليلة مع آذان الفجر إلى الجامع، فيصليان، وينصرف كل منهما في حال سبيله كأنه لايعرف الآخر.
حين بدأت أشعة الشمس تدخل من نوافذ الغرف عاد الحاج عمر ومعه أخو زهيّة إلى البيت فطلب الحاج عمر من ابنته العانس احضار الطفل إلى غرفته.
حين وضعته في حضن أبيها، فتح الطفل عينيه وابتسم لجده، فأمر الحاج عمر ابنته بالانصراف، خرجت الابنة العانس وأغلقت الباب. رفعه إلى الأعلى وصلى على النبي وآله، ثم أسلمه لأخو زهيّة الذي كان واقفاً، فتناوله ودار به في الغرفة ثم وضعه على الأرض ودار حوله دورتين، وارتفع صوته يؤذن: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، فبدا على وجه الطفل الهدوء.
جلس أخو زهيّة على الأرض بجانبه، وكبر في أذنيه، ثم أخرج من جيبه حجاباً وعلقه على صدره، ونهض، قال:
ـ ياحجي، سيرتاح في نومه، ولكن عليك أن تسميه حالاً.
أسماه جده زاعماً على اسم جده الاكبر زاعم العاني رحمه الله.
الحركة الثانية:
عاد عاصم العاني ليلاً، ترافق سيره أصوات نباح الكلاب الحارسة، وعواء الذئاب من البرية القريبة، استعان بالله وصار يدندن ليطرد قلقاً توغل في صدره.
لم يعد البيت قريباً كما كان دائماً، حثّ عاصم خطاه وتعثر، لسعة برد تخز عظامه، وأحماله على ظهره تثقل كاهله، طارده ظله وصار يسابقه، حتى دخلت يده في جيب بنطاله، لتخرج المفتاح.
فتح الباب، فأنعشت نفسه رائحةُ شجرة النارنج، واستقبلته باحة الدار المضاءة بضوء القمر، كان الجميع نياماً.
قطع باحة الدار بهدوء، متجنباً إيقاظ نيام يحلمون، ربما بعودته إليهم، بعد سنة من الغياب دخل إلى غرفته. كانت نورية مستلقية على ظهرها، فخذاها البضّان يبينان من تحت اللحاف، لم يحاول إيقاظها، لأن عينيها كانتا تنمان عن حلم جميل.
لم يكن يظن بأنه سيتزوج مثل باقي الناس، وخصوصاً، حين قرأ المنفلوطي وهيكل، وأسرَتهُ طريقة الحب تلك، فلامست رومنسيته المخبأة. حزم أمره وقرر أن يقع في الحبّ، وأن يعيش قصة تحكى، يضحي لأجل حبه بالغالي والنفيس، لكنه فشل.
وحين ازداد إلحاح أهله ليتزوج، وافق على طلبهم، فخيروه بين أختين من بنات يحيى الصافي صياد السمك، وصديق الحاج عمر
قالت أمه:
ـ ياولدي نورية جميلة مثل القمر، وآمنة صغيرة وبيضاء.
قال لها:
ـ ياأمي، أنا لم أرها، فكيف أتزوجها؟
نهره أبوه، وقال له:
ـ تراها؟ استغفر الله، خلص، تتزوج نورية، والله يوفقك.
بإمكانه أن يتلمس مامضى، هذه الفتاة التي لم تتغير، ظلت جميلة محافظة على صباها وأنوثتها، رغم غيابه المتكرر عنها.
اندس إلى جانبها وقبل جبينها، تململت، وانقلبت على جانبها الأيمن، كان وجهها الأبيض هادئاً نقياً.
مدّ عاصم ذراعه ليضعها تحت رأسها، لكن نورية استيقظت فزعة وقالت:
ياساتر يا الله، أشكون هذا؟
نهض عاصم بسرعة وأضاء المصباح، وهو يقول:
ـ لاتخافي، أنا عاصم.
اندفعت نورية نحوه، وعانقته، ثم أشارت بيدها إلى الجهة الثانية من الغرفة، كان الطفل نائماً بهدوء في عبّارته، وقالت:
ـ عندما سافرت كنت حبلى، ومنذ عشرة أيام أنجبت زاعماً، بقيت أحمله في بطني سنة كاملة.
لم يصدق عاصم عينيه، قفز من بين يديها، وحمل الطفل الذي استيقظ، وارتفع صوت بكائه، قبله، ونزلت دمعة من عيني عاصم، وهو يحاول إسكات ابنه:
ـ انظري الولد، كم يشبهني.
ـ نعم، كلهم قالوا بأنه يشبهك.
جلس عاصم على طرف السرير ووضع ابنه على ركبتيه، صار الطفل يبتسم، وكانت نورية تقف قبالة زوجها، فرحة، متلعثمة، لاتدري ماتقول.
**
هامش الفصل الثاني:
1ـ أشكون: مفردة فراتية تعني ماهذا أو ماذا
2ـ العبّارة: سرير الطفل المصنوع من الخشب والذي تهزه الأم لينام الطفل.
***