الفصل 4

10 0 00

أرادت نورية أن يكون لها ولد آخر، تعتني به، وتربيه كما تريد، لأن ابنها لايستجيب لها، ولايسمع كلامها. وحين أخبرت الحاجة صبرية بما تفكر به، ثارت وجن جنونها، وقالت لنورية:

ـ لاشكّ أنت تفكرين بالقضاء على وحيدك، ألم تسمعي أخو زهيّة يقول بأن زاعماً يجب أن يكون وحيداً وبلا أخوة كي تستمر حياته.

دعت نورية على الشيخ بالعمى والطاعون. فنهرتها الحاجة صبرية كي تسكت.

حسم الأمر، وانتهى موضوع التفكير بانجاب ولد جديد وظلت نورية تفكر بهذا في سرها، حتى رأت في منامها أخو زهيّة يقودها إلى جحيم، نيرانه يشعلها طفل يحرق بها وجه أخيه، وكان المحروق زاعماً فاستيقظت نورية ترتجف، وأيقظت زوجها، ثم قصت عليه الحلم، وما كاد الصبح يأتي، حتى ذهب عاصم وأخبر أخو زهيّة بحلم زوجته وطلب منه تفسيره، أجابه الشيخ بعبارات لامعنى لها، وقال له:

ـ الطفل زينة، والنساء زينة، فأين أنت بين الزينتين، ربك علمني، وأنا علمتك، فاسمع ماتؤمر به.

وسكت الشيخ لحظة خالها عاصم سنوات، كانت خلالها نجوم تتساقط محرقة البساتين، جاعلة الناس يتراكضون هلعاً، يقفز بعضهم إلى النهر، فتذوب أجسادهم ويتحولون إلى ضفادع وأسماك ويطير آخرين معانقين حجارة سوداء فتلتصق أجسادهم بسقف السماء الأسود، وتسقط عيونهم غرباناً.

عاد الشيخ من سكوته، مسح لحيته وقال لعاصم:

ـ أخبرتني طيور ولدك بأنك مخير بين زوجتك وبين ابنك، فاختر ولاتكن متردداً.

سمع عاصم كلمات أخو زهيّة، فقفز من مكانه وتوجه إلى بيته، وفور رؤيته وجه زوجته جن جنونه، وأنهال عليها ضرباً حتى سقطت على الأرض وكانت حاملاً فأجهضت، حملتها العمة العانس إلى غرفتها و وضعتها على سريرها حيث رقدت شهوراً، ولم يعد زاعم يضحك أو يلعب، وحتى أنه انقطع عن زيارة شيخه.

أحضروا أخو زهيّة ليرى نورية ويشفيها، لكنه خرج من الغرفة يقول:

ـ دعوها، إن الملائكة تحيط بسريرها، ولن يصيبها مكروه.

انقلبت أحوال عاصم، وانصرف عن عمله إلى زوجته يلازم فراشها ويسهر على رعايتها، وظل صوت بكاء زاعم يتردد في أرجاء البيت، لم تكن نورية تتألم، ولم يبد عليها بأنها مريضة، كانت تفتح عينيها، كل يوم مرة، فترى المشهد نفسه: وحيدها يبكي إلى جانبها وزوجها يدخن و هو يذرع الغرفة جيئة وذهاباً.

لم يطعمها أحد شيئاً، وقد أخبرهم أخو زهيّة أن ملاكاً يجيء كل يوم، فيطعمها أطايب الطعام، ويسقيها الماء المبارك، صبيحة أحد الأيام الحارة في آب، كان عاصم يغفو إلى جانب زوجته التي نهضت من سريرها دون أن يشعر بها، ولم تكن الحاجة صبرية والعمة العانس قد استيقظتا بعد. فتحت نورية باب الغرفة، وسارت باتجاه غرفة صغيرها ، وكانت تحمل بيدها سنبلة قمح وحبة تمر، دخلت غرفة زاعم الذي لم يبلغ السابعة، فرأته يتلو سورة الكهف. انتظرت حتى فرغ من التلاوة دون أن تحرك ساكناً، وحين رآها زاعم قفز من مكانه إلى صدرها وتناول ثديها وصار يرضع بنهم، كانت يداه تتمسكان بخصلات شعرها، وعيناه الدائريتان تجوبان وجهها الأبيض الجميل أنهى زاعم رضاعته، وجلس على الأرض ينظر إلى عيني أمه السوداوين البراقتين.

انحنت نورية وناولته سنبلة القمح وحبة التمر، وقبلته، ثم انصرفت دون أن تتكلم أية كلمة.

فتح زاعم شباك الغرفة ورمى ما أعطته إيّاه أمه لعصفور كان يحط قرب الشباك، التقط العصفور سنبلة القمح وحبة التمر وطار بعيداً.

بعد قليل عاد العصفور حاملاً لزاعم قطعة من الخبز وشيئاً من الدبس أكلها زاعم ومسح فمه ثم قال:

ـ الحمد لله الذي أطعمني...

أصابته قشعريرة، وصار يتخبط، تتناوله رياح تقذفه إلى رياح فلا يستقر على مكان، حتى ساد هدوء، فاختبأ تحت سريره، وغفا:

أحلامه خيول تقطع أودية وجبالاً، وسفن ضخمة تجتاز محيطات جبارة.

الحركة الثانية:

حين أستيقظ زاعم من اغفاءته كانت عربات تجرها أحصنة مجنحة تجوب فضاء غرفته، في العربات أشخاص وجوههم وردية يحملون سيوفاً مضمخة بدم أحمر قانئ. قفز من إحدى العربات شخص عيناه حجريتان، ويداه فولاذ، انقض على زاعم وصار يطارده. فتح زاعم باب الغرفة، كانت شمس آب اللهاب جاثمة على عرشها، تمدّ أشعتها الحارقة. انطلق زاعم تتقاذفه أسئلة غريبة، تجتاز رأسه طارحة نفسها عليه: من أنت أيها الطفل؟ لماذا تدق بوابات المعرفة، بيديك الصغيرتين؟

كانت غرفة الشيخ حين دخلها: مليئة بالفراشات الملونة تعطرها رائحة أزهار زكية.

جلس زاعم في زاويته المعتادة، وارتفع صوت ثغائه:

ياشيخي... هربت الفراشات وانبعث دخان أسود، حجب رؤيته، وصارت جدران الغرفة تهتز تحت وطأة ثقل شديد يضغطها من كل جوانبها. فجأة ، برز الشيخ من الدخان ملوحاً بعصاه المباركة، واحتضن زاعماً محاولاً أن يبعث في نفسه الهدوء والطمأنينة، قال زاعم وكانت كلماته متشنجة:

- يريدون قتلي، يحاربونني، لأنهم لا يعلمون من أنا. ربت أخو زهيّة على كتفه وابتسم، ثم قال:

- اهدأ يابني، واذكر اسم ربك، فإني أرى، في البعيد، أطيافهم تدعو للزيارة، فانهض ورافقني، سنغوص عابرين محيطات مئات السنين التي عبروها، وغاصوا في أسرارها. أمسك زاعم عصا الشيخ المباركة، فدارت الأرض دورتين سريعتين، وأشرقت شمس حمراء، أشعتها زرقاء، وظهرت بحور تمخر عبابها سفن ضخمة، وتتقافز في قيعانها حيتان مخيفة رأى زاعم نفسه يغوص في أحد البحور حتى يصل إلى عمق الأعماق ترافقه أسراب من الأسماك الجميلة، ويسبق موكبه حوت لونه أبيض، وعيناه براقتان، ظلوا يغوصون، وكانت الأسماك الصغيرة تغادر الموكب هاربة من أخطبوط صار يهاجمها، حين بلغوا القاع لاح أمامهم جبل عظيم. بقي زاعم وحيداً، مشى باتجاه الجبل، كانت صخوره سوداء، يعلوه أخطبوط كبير ينفث من منخريه حبراً أسفل الجبل ثمة كهف صغير تقف على بابه نجوم البحر.

تقدم زاعم ودخل الكهف، كانت قناديل البحر تضيئه يحركها تيار هادئ في نهاية الكهف مرآة مكللة بالدرر والأصداف.

وقف زاعم أمام المرآة، فرأى صورة أخو زهيّة يبتسم ويقول له:

- كن معه، يحفظ معرفتك له. فلا تخالفه ، فتخسره.

ظهرت صور كثيرة على المرآة، صور نساء سبايا، ورجال حليقي الرؤوس يجرون أفيالاً، وزنزج يباعون، ورسل تظهر دياناتهم زتندثر. وفجأة، توقف تلاحق الصور، وظهرت صورة زاعم العاني الأول، كان قوي البنية ، عريض الكتفين، يتنقل بين الأشجار حاملاً فأسه يهوي بها على الجذوع بضربات منتظمة جبارة، تتهاوى بسببها الأشجار، فيرمي فأسه جانباً ويحمل الشجرة على كتفيه ويسير حتى يبلغ الضفة، فيضع حمله على الأرض ويعود ليقطع شجرة أخرى. جمع ثلاثين شجرة وصار يقطعها فيصنع منها ألواحاً، مختلفة أطوالها ويضمها إلى بعضها بمسامير صلبة، ثم يربطها بحبال متينة.

استمر عمله شهراً ونصف الشهر، وحين انتهى، كانت سفينة كبيرة تطفو على وجه الفرات.

جاء أهله، فأمرهم أن يجمعوا زوجين من كل نوع من الحيوانات ويضعوها على ظهر السفينة، كان أخو زهيّة يقف بين الناس يوجههم، ويرشدهم إلى مخابئ الطيور. بعد أن أنجز أهل زاعم عملهم، سار فساروا وراءه، حتى وصلوا إلى قريتهم ـ عانة ـ دعا زاعم الناس ليصعدوا إلى سفينته هاربين من فيضان الفرات العظيم الذي يقول أخو زهيّة بأنه سيبتلع كل شيء. لبى أهل عانة دعوة زاعم، وساروا معه يحمدون الله الذي أمدهم برجل يخاف عليهم، ويساعدهم.

وقبل أن يصعدوا إلى ظهر السفينة، قفز هدهد صغير أمام الجموع المحتشدة، وقال:

ـ أيها البشريون، لاتصدقوا هذا الرجل إنه يريد إيهامكم وتضليلكم، لأن السفينة هذه ضعيفة، ولاتشبه سفينة نبي الله نوح، لقد كنت مع نوح عليه السلام حين بنى سفينته كانت قوية جداً، فلا تركبوا مع زاعم العاني، لأنكم ستغرقون، وتموتون جميعاً، ابقوا هنا، وسنصعد الجبل، فنحتمي من الطوفان. توغل الشك إلى صدور الناس، وصاروا ينظر بعضهم إلى بعض ثم انفضوا من حول زاعم وأهله، وتركوهم يركبون سفينتهم والخوف يسكنهم.

أبحرت سفينة زاعم حاملة أهله وأحبابه، وقد أشار عليهم أخو زهيّة أن يبحروا عكس التيار، حتى يبلغوا أرضهم الموعودة.

لم تدم رحلتهم طويلاً، إذ قابلتهم ضفة خاوية تزينها نخلات، فرفع أخو زهيّة عصاه وقال:

ـ ابشروا، أيها الناس، هذه أرضكم التي كنتم بها توعدون.

نزل زاعم العاني ومن معه، وأنشأوا مدينتهم، ونظراً لانشغال زاعم بالصيد والبناء، فقد اختار الناس أكبرهم ليكون مختاراً عليهم، كان أبو كمال العاني أكبر الموجودين، وأرفعهم شأناً وقد عُرفت المدينة باسمه فيما بعد.

حل الرخاء في المدينة، فتزوج زاعم من حورية ابنة عمه المختار (أبو كمال)، فأنجبت له طفلاً فرح به الجميع، وأسماه أبوه راحلاً.

وكانت لهذا الطفل صفة ليست موجودة في بشري سواه، إذ أنه كان يتنفس بسهولة تحت الماء كما لو أنه سمكة. تولى أخو زهيّة تعليم راحل، حتى بلغ الرابعة عشرة من عمره، فركب سفينة أبيه وقرر الرحيل، جاب البلاد والأمصار ولم ينزل إلى البر إلا نادراً.

كانت سفينته تمخر عباب البحر، وتقطع المحيطات، فجمع اللآلئ والدرر الثمينة واصطاد الحيتان، وقد تزوج إحدى حوريات البحر، لكنها هربت منه حين أحضر بعض البشر كي يصاحبوه في تجواله. استمرت رحلة راحل العاني عشرين عاماً، عاد بعدها إلى البوكمال يحمل ثروة هائلة، لكنه صعق فور وصوله بخبر وفاة والده ووالدته بسبب مرض الطاعون، فأصابه الحزن عاماً وظل يبكي عاماً.

في سنة الجوع الأولى ـ أيام العثمانيين ـ مات الكثيرون، إذ لم يبق في المدينة طعام، وقد نفدت ثروة راحل كلها. جاء الناس يستشيرون أخو زهيّة في الأمر، فصمت شهراً ثم طلب من راحل أن يعد سفينته ويسافر إلى الآستانة ليتزود من بلاد الأتراك بالمؤونة التي يحتاجها أهالي البوكمال الجياع.

جمع راحل بحارته، وجهزوا سفينتهم، ثم أبحروا، وحين وصلوا إلى الآستانة، صاروا يتجولون في شوارعها وأسواقها باحثين عن الأرزاق، فأمسك رجال الدرك البحارة، أما راحل فقد هرب والتجأ إلى كوخ فيه فتاة غادرها أبوها صياد السمك ولن يعود قبل يومين.

فكر راحل كثيراً ثم اتخذ قراره، بما أن رجاله لن يعودوا فعليه أن يفر بجلده، قبل أن يأتي صياد السمك، صاحب الكوخ، ويراه، ولأن الفتاة التركية الجميلة قد تركت في نفسه أثراً فقد حملها معه بعد أن أقنعها بالزواج منه.

رجع راحل إلى البوكمال على ظهر سفينته ترافقه الفتاة، وبعد يومين من عودته، تزوجها، كان اسمها ازدهار، فعم الخير في البلد.

انجبت ازدهار لراحل صبياً، أسمياه زاحماً، وكان راحل يعمل في صيد السمك، ولم يمض شهران على ولادة الطفل، حتى جاء الأتراك يبحثون عن ابنتهم المخطوفة ازدهار، وحين وجدوها، حاصروا راحلاً فقتلوه وأحرقوا جثته على مرأى من الجميع، ولم يستطع أحد مساعدته لأن العسكر كانوا أكثر من الشعب. أخذ الأتراك ابنتهم وولدها زاحماً وساروا إلى الآستانة.

كبر زاحم وتعلم صيد السمك، فقد كان جده الذي صار مسؤولاً عن أسطول الصيد العثماني، يصحبه إلى الصيد على ظهر المراكب الكبيرة وظلت أمه تحكي له عن أبيه، وتصف قوته وعظمته، وخبرته في الحياة، وكان أخو زهيّة يزوره بين الحين والآخر ليذكره بمدينته الجميلة المليئة بساتينها نخيلاً، ويعلمه العلوم التي تعلمها آباؤه.

وحين تزوجت ازدهار أحد رجال الجندرمة، فرّ زاحم من الآستانة، يرافقه أخو زهيّة حتى وصلا إلى أرمينيا ولم يكن زاحم قد بلغ العشرين من عمره.

في أرمينيا، سكن في بيت بوغوص الخنزير كما يسميه أهل قريته الصغيرة التي تقع على الحدود التركية.

كان بوغوص صانع عربات ماهراً، طيب القلب كثير الضحك يجيء إليه الناس من كل مكان ليصنع لها العربات القوية التي تجرها الخيول، وكانت لبوغوص ابنة جميلة تعيش معه في بيتهما المتواضع، اسمها ليزا.

تعلم زاحم من بوغوص صناعة العربات وصار يعمل معه في ورشته. وكان يتعلم الأرمنية والروسية من ليزا، التي صار بإمكانه أن يسرق منها بعض القبلات بين الحين والآخر ونشأت بينهما علاقة حب علم بها الآخرون سريعاً، إذ أن أم ميسروب العجوز الثرثارة نقلت الخبر إلى الجميع.

كان الأرمن، طيبو القلب، يعاملون زاحماً وكأنه واحد منهم، يدعونه إلى بيوتهم ليتناول معهم العشاء المعد من لحم الخنزير أو ليشرب كأساً من النبيذ المعتق الذي يخزنونه في أقبية بيوتهم وكانوا يسمونه زاخيم.

قرر زاحم أن يتزوج ليزا ابنة بوغوص وأن يبني بيتاً ويستقر في هذه القرية الجميلة، لكن أخو زهيّة جاءه ذات مساء، وأمره أن يجهز نفسه للرحيل نحو مدينة آبائه، كي يفرح الناس الذين ينتظرون عودته في تلك الأرض الطيبة.

حاصره التفكير المضني أياماً، حتى اتخذ قراره في النهاية وأخبر بوغوص وابنته بأنه لابدّ أن يسافر، فالطيف الذي كان ينتظره جاء، ولم يعد بقاؤه ممكناً.

ودعه أهل القرية والدموع تملأ عيونهم، أما ليزا فقد قصت ضفيرتها الشقراء الطويلة، وأعطته إياها كي تحرسه.

انطلق زاحم عبر الجبال والأودية، لم يكن يعرف أين تقع مدينته التي لم يرها. أوصله تنقله إلى منبع الفرات، فسحره ذلك الدفق المائي العجيب، وأحس باختلاج وظمأ غريبين، فانحنى للماء وصار يشرب حتى ارتوى، وزال اختلاجه، كان الناس الموجودون حول المنبع يراقبونه مستغربين، تقدم منهم، وسألهم بالأرمنية والروسية عن مدينته المفقودة، فلم يلق جواباً، سار يومين كان يقتات خلالهما على السمك الذي يصده، وكلما مرّ بجماعة من الناس، سألهم باللغات التي يعرفها عن مدينته التي لا يعرفها، وكلهم أخبروه أنهم لم يسمعوا بها من قبل.

نام زاحم متعباً، فرأى نفسه، في المنام، يسبح دون تعب، أياماً وأياماً، ثم يصل إلى مدينته الجميلة.

استيقظ فرحاً، فاستحم، واصطاد سمكة كبيرة، فالتهمها، ثم جلس على الضفة حتى المساء، لاح له على وجه الماء أخو زهيّة، يمشي مشيراً له بيديه بأن يسبح كما رأى في منامه.

رمى بجسده القوي إلى الماء واحتضن موجة صغيرة، جرفه التيار، فصار يسبح دون أن يحرك يديه أو قدميه.

مرت به المراكب العابرة، وطلب منه ملاحوها أن يركب فلم يركب، ومرّ بالصيادين على الضفاف مجتمعين، فلم يتوقف ليسألهم. ثمة دافع مايدفعه للمواصلة، لم يكن يستطيع التوقف، لأن الوصول إلى مدينته هو حلمه الأكبر الذي رمى بنفسه إلى لجة لايعرف نهايتها، أراد أن يصل ليرتاح.

ظل يسبح عشرين يوماً لم يشعر خلالها بالتعب أو النعاس وأخيراً قذفت به موجة سريعة على ضفة هادئة قرب نخلة صار يهزّها بكلتا يديه، فيتساقط على رأسه رطب شهي، أكل منه حتى شبع، ثم غفا يحلم بالوصول.

نهض ولم يكن يعلم كم نام، دفعته قدماه فسار في طرقات مدينة صغيرة، شوارعها طينية، وبيوتها متلاصقة، أقبل عليه أهلها وسلموا عليه، ثم أخبروه بأنهم يعرفونه لكنه لم يفهم ماقالوا، وظل حائراً حتى احتضنه الحاج زهدي بن أبي كمال العاني وخاطبه بالتركية، قال له:

ـ أنت الآن في البوكمال، وقد أخبرنا أخو زهيّة بأنك ستجيء، انك ياولدي تشبه أباك راحلاً رحمه الله.

أخذه الحاج زهدي معه إلى بيته، فتوافد الناس يسلمون عليه، وقد بدأ أخو زهيّة يعلمه العربية. ولم يمض شهران حتى اتقنها تماماً فاشترى قارب صيد، وعمل صياداً للسمك ثم أدخل صناعة العربات التي تعملها من الأرمن إلى المدينة.

في موسم الحج غادر الحاج زهدي وزاحم إلى مكة، فتاجرا وحجّا ثم عادا إلى البوكمال، حيث تزوج زاحم من راجحة ابنة الحاج زهدي، وكان أخو زهيّة يصاحب زاحماً أينما ذهب.

في أحد الأيام سافر زاحم وأخو زهيّة مع أربعين وليا إلى دمشق لزيارة مقام الشيخ ابن عربي، وحينما عادوا اتجه الحاج زاحم إلى التصوف، فانقطع عن الناس تماماً، ولم يخرج من بيته إلا

حين مات، وهو لم يبلغ الأربعين.

كانت راجحة زوجة زاحم حاملاً حين مات، وبعد شهر من وفاته أنجبت ولداً، فأطلق عليه جده الحاج زهدي اسم عمر، وحين كبر عمر قليلاً عهد به إلى أخو زهيّة ليعلمه.ترعرع عمر في كنف جده، ترعاه عيون ساهرة، وتحيط به معرفة يقدمها له الشيخ، وبعد بلوغه العاشرة اتجه لتعلم الصيد وصار يتردد على مجالس الصيادين حتى اعتبروه واحداً منهم.

بعد أن شبَّ قليلاً، قرر أن يسافر باحثاً عن الأرض، فعمل صياداً في المتوسط ثم سافر على ظهر احد المراكب التجارية إلى المغرب، وفي المغرب انضم إلى المجاهدين وقاتل معهم ضد الفرنسيين، ثم اشتغل فلاحاً في حقول الزيتون، وكانت السلطات الفرنسية تطارده، فهرب إلى مصر. واختبأ طويلاً في الصعيد المصري حيث أنشأ مع أحد الدلتويين محلاً صغيراً يصنعان فيه العربات الخشبية ثم تحول ليصير صياداً، وسافر إلى الاسكندرية فمكث فيها أعواماً، كان خلال هذه الفترة الطويلة لم يلتق بأحد ممن يعرفهم، وبينما هو يمشي متجهاً إلى منزله في إحدى الحارات القديمة في الاسكندرية، شاهد أخو زهيّة حاملاً عصاه المباركة يشير إليه ليتبعه، تبعه عمر حتى وصلا إلى سفينة كانت ترسو على الشاطئ.

قال أخو زهيّة:

ـ يا بنيّ، ألفت أرضاً غير أرضك، وابتعدت بقلبك عن ربك، فاركب سفينة آبائك، واجعل الماء الذي أحضرك يعيدك، فما ترى الشمس بعد شهر إلا في البوكمال.

صعد عمر إلى السفينة، فوجد فيها ملاحين ضخاماً يشيرون إلى دفة السفينة، أمسك الدفة وأمرهم أن يرفعوا الأشرعة كي تبتدئ الرحلة.

نقلهم بحر إلى بحر، وتعددت الشموس فوق رؤوسهم، يحدوهم حلم الوصول، فلم يتوقفوا حتى ارتطم مركبهم بالضفة الطينية الرخوة.. اختفى ملاحو عمر فجأة، وحين نظر إلى الضفة كان أخو زهيّة واقفاً عليها يلوح بيديه.

أحزنه خبر وفاة جده الحاج زهدي وأمه، لكنه تمالك نفسه فلم يبك ولم يحزن، وإنما أفرح الناس بزواجه من ابنة خاله صبرية، ثم صار يعمل بتجارة السمسم والتمور، فازداد ماله وتغير حاله، وسافر مع زوجته إلى مكة، فأديا مناسك الحج، وأقاما بجوار النبي عاماً كاملاً، ثم عادا إلى البوكمال يحملان ابنتهما الأولى التي أسمياها مكة.

بعد أن استقرا وعاد الحاج عمر إلى عمله وتجارته، أنجبت الحاجة صبرية غلاماً فمات وغلاماً آخر فمات أيضاً أصابهما الحزن هو وزوجته لأنهما تمنيا على ربهما أن يرزقهما بولد يحمل اسم عائلة العاني، وحين أخبر الحاج عمر الشيخ بأمنيته، ضحك أخو زهيّة وأعطى لعمر عشبة قال له: انقعها بالماء يومين، ثم اسقها لزوجتك، وسيأتيك ماتريد وحدث ماقاله الشيخ، فحملت صبرية وانجبت طفلها المنتظر أسماه أبوه عاصماً، وما أن تجاوز أعوامه الأربعة الأولى حتى تولاه أخو زهيّة فعلمه علوم دينه ودنياه، ورافقه إلى أن حصل على البكالوريا، واتجه بعدها ليعمل في التجارة مع أبيه، فازدادت أموال العاني وصاروا مصدر حسد.

ولكنهم ظلوا محافظين على حب الناس لهم، يعطون للفقراء كي يبارك الله فيما يكسبونه.

قال الناس عن عاصم الكثير، قالوا بأنه مجنون، ويحب العزلة، ويكره السفر، وكلما حاول أخو زهيّة أن يدفعه ليسافر كان يغضب ويعتبر هذا تدخلاً في شؤونه.

زوّجه أبوه نورية بنت الحاج يحيى العاني. فأحبها لكنها لم تنجب له ولدا، يعيد البهجة إلى قلبه، وبعد مضي عامين على زواجه قرر السفر باحثاً عن رزقه في الأرض، فسافر إلى الشام، وركب الطائرة إلى قبرص، فعمل هناك بحاراً، وتاجر سمك، وانضم إلى إحدى المنظمات الفلسطينية، فسافر مع مقاتليها إلى لبنان وتدرب على السلاح، وحاول مع إحدى المجموعات التوغل إلى فلسطين لكنهم فشلوا.

عاد عاصم إلى قبرص، وواصل نشاطه التجاري، واشتغل حتى ازدادت ثروته، وكان قلبه يحثه دائماً على الرجوع إلى مدينته لكنه ظل متردداً إلى أن أيقظه أخو زهيّة من نومه مرة وطلب منه الرجوع، فركب الطائرة إلى دمشق ثم عاد إلى البوكمال. فوصل إليها بعد منتصف الليل.

ظل عاصم يردد في سره دائماً: آه لو انني عشت الحياة التي اشتهيها، آه لو أنهم لم يلاحقوني، ويضعوا تصرفاتي في قوالبهم.

الحركة الثالثة:

خرج زاعم من اللجة تقذف به صور أسلافه إلى عالم يتشرد سكانه في غابات لامخارج لها، وضع رأسه على ركبة أخو زهيّة ونام، تتراقص الأشجار محتفية به، وتغني الأنهار له. كان أخو زهيّة يردد:

ـ طقوس ما ألفها بشر، يداك اللتان تقبضان على جمرة المعرفة تضيئان عالم الظلام، وتنيران كهوف النفس البشرية البائسة، حمل أخو زهيّة زاعماً على كتفيه، وسار تنزل من عيني الغلام دموع لونها طيني، سار أخو زهيّة تحمله طريق رخوة إلى بيت العاني، وما أن وصل إلى هناك حتى صار يؤذن، فاندفع حشد من الناس بلاعيون وصاروا يدورون حولهما.

استيقظ الغلام وأطلق صرخة اندفع لها عاصم الذي كان نائماً. أمسك عاصم كف ابنه ثم حمله وأراد أن يدخل، لكن أخو زهيّة أوقفه قائلاً:

ـ يابني، ابنك، ابنك، أحرق له البخور كل ليلة، واجعل بينك وبينه خيطاً يصله بك، ويصلك به، وأما أنت فقد انصرفت عن بارئك إلى سواه، فأضعت ماصنعته لك، تب إلى الباري فما من طريق خيرة غير طريقه.

بكى عاصم بكاءً مراً تلك الليلة، فأيقظ الجميع صوت نحيبه. صار يصل الليل مع النهار يبكي ويصلي لربه، وهو يرى ملاكاً لايبتسم يحوّم حول سريره.

وذات صباح توقف صوت نحيبه، واخترقته أشعة الشمس، فصار شفافاً تحركه ريح غريبة، تداعب أعضاءه وأطرافه، سكنته النشوة، فلم يعد يتكلم بل ان إنشاده ملأ المكان، وصار الناس ليلاً يسمعون صوتاً جميلاً يتردد في البساتين، فهربت السعلوية التي كانت هناك تطارد الصغار في أحلامهم وحلّ محلها صوت عاصم العاني يغني بصوت رقيق، وقيل للصغار:

ـ ناموا ملء جفونكم، لم يعد ثمة سعلوية في البساتين، إن الملائكة تسكنها الآن ترعى نخيلنا الطاهر وتحرس الغرب. كان الملاك الذي لايبتسم يحمل سفوديه ويقف قبالة عاصم، لم يره أحد سواه، أشعل الملاك ناره وصار يدور حولها أياماً ثم أجلس عاصماً بين يديه وأشار إلى النار، فاندفعت ألسنتها وارتفع صوت تآكلها، أمسك الملاك عاصماً من يده وقال له:

ـ جئتك حاملاً بشارة خلاصك، وجهك سيبهت لونه، وجسدك المتوقد ناراً سيخبو، ويظل صوتك مقيماً، فأحملك معي كل ساعة لتسمع صوتك، وأكتبك، والآن، سأفتت جزيئات روحك النقية، وأحملها إلى حيث تجتمع الأرواح المحبة لبارئها.

شهق عاصم شهقة قوية، وأفرغ هواء صدره ثم تصلب جسده وانطلقت روحه طائرة، تحوم في فضاء الغرفة، وكان الملاك الذي لايبتسم يطاردها بسفوديه، حتى انبعثت صرخة قوية أوقف الروح في مدارها، وعمّ تشنج غريب، جعل الجسد يطلب روحه، ولكن الملاك الذي لايبتسم كان قد حمل الروح وطار بها، أنارت شمس مشعة الغرفة، واصفرّ لون شجرة النارنج، وصارت رائحتها أشبه برائحة الطحالب على وجوه السواقي.

حين دخلت الحاجة صبرية، وجدت عاصماً متجمداً، هزته هزة عنيفة، فارتسمت على وجهه ابتسامة وهمد.

الحركة الرابعة:

اتشح البيت بالسواد، نائحات جئن من كل مكان، كان زاعم يقف في غرفته يطل من الكوّة الصغيرة على النائحات.

وجوههن تحكي تاريخ فجيعة متصلاً لاينقطع.

دخلت صبيحة الخبازة، وصاحت (يبو)، فأجبنها النائحات وانهمرت دموعهن مدراراً، قالت عائشة زوجة اسماعيل الكهوجي وهي تلطم:

لو صحت عليهم عليّ صوتج حيل

هذول أهل الكرام الساريين بليل.

كانت مكة العمة العانس تضرب رأسها بالجدار، وتدق على ركبتيها، أما نورية فإن دموعها جفت في مقلتيها، ولم يعد يخرج من حنجرتها سوى صوت أنين مرّ.

عينا زاعم تطوفان على النسوة، تقطر منها دموع حارة سوداء، ويداه تمسكان حديد الكوة خشية السقوط، كانت الحاجة صبرية تجلس بين النائحات، بين أصابعها تتلاحق حبات المسبحة، صاحت نائحة (ياويلي) فارتفعت الأصوات ترد عليها، وظلت الأكف تلطم الوجوه.

في زاوية الغرفة كانت ناجية تولول وتبكي، وناجية تزور المعادات، فتبكي الميتين كأنهم أهلها. النسوة يتعلمن منها التعديد، وإلى جانب هذا فإنها تقرأ الموالد. وتكتب الحجب، صاحت ناجية:

شلّي بالديار من بعد أهلها

لحطها بيد دلاّل وأبيعا

ردت عليها صبيحة الخبازة، وهي تنتف خصلة من شعرها المحنى:

لو صحتي عليهم عليّ صوتج حيل

هذول أهل الغنايم الساريين بليل.

كانت أذناه مصغيتين، أصوات تشق حاجز البكاء المخنوق، وتفتح الثغرات في النفوس الملتهبة حزناً فيصير النواح حاضراً يوشيه هدوء الحاجة صبرية وتماسكها.

وشجرة النارنج تهتز في الحوش فوق الرؤوس المنتوفة، والوجوه التي فارقها النوم وسكن البكاء عيونها.

**

هامش الفصل الرابع:

1ـ السعلوية: السعلاة، وحش خرافي

2ـ الغَرَب: شجر فراتي

3ـ يبو: ياويلتاه.

4ـ المعادة: مجلس عزاء النساء

5ـ التعديد: ما تقوله النساء أثناء البكاء على الموتى.

***