الفصل 7

10 0 00

اعتاد زاعم في الآونة الأخيرة الخروج إلى الشارع، والاجتماع بالناس، وكان كل يوم يزداد قرباً من بعضهم، وبعداً عن بعضهم، حاربه الكثيرون لأن الكلام الذي يقوله عن فسادهم وضياعهم كان يثيرهم، وصدق الكثيرون ما قاله فرددوه، وصاروا أصحابه المقربين، وكان ناصر الحايج قد ابتدأ يأخذ مكانه على أنه الصديق الأقرب لزاعم.

زارا معاً غرفة أخو زهيّة، وصارا يعملان في التجارة التي تركها آل العاني لابنهم، وقد لاحظ الناس أن ناصراً لم يكن يفارق زاعماً إطلاقاً، بعد أن كان يحاربه ويحارب أخو زهيّة.

كان أصحاب زاعم حوله يحيطون به وكأنهم جنوده، يقفون إلى جانبه أثناء الصلاة، ثم يتحلقون تحت شجرة التين القديمة يستمعون إليه يحدثهم عن ليلته الحافلة التي تجول خلالها وسافر إلى مصر وتونس ولبنان، لم يشكوا بكلامه، وكان لديهم إحساس قوي بأنه يقول الصدق، وكان أخو زهيّة يظهر أمامهم فجأة فيركضون إليه ويقبلون يديه فيقودهم إلى غرفته حيث يعلمهم علوم السنين، وأخبار الناس السابقين.

جاء رمضان فاعتكف زاعم وناصر وتمام الشريف في المسجد، فلم يعد يراهم أحد، حتى الذين يذهبون إلى الجامع أو يقيمون فيه، فظن الجميع أن أحد أبواب غرف جامع عمر المظلمة، التي تفوح منها روائح الرطوبة صيفاً، شتاء، قد أغلق عليهم، ولم يعد بإمكانهم الخروج.

وفي الليلة العشرين من الشهر المبارك، ارتفعت ثلاث غمامات سوداء وأمطرت فوق مئذنة الجامع، فانبعث الثلاثة متشكلين من قطراتها، وهبطوا إلى فناء الجامع يحمل كل واحد منهم في يده قرآناً، وبين شفتيه حبة تمر يمصها.

انتشر الهرج والمرج بين المصلين، وعلت أصوات التكبير، والشهادات، قال الحاج قدوري:

ـ سبحانك ياربي، ولا إله إلا أنت، أرسلتهم إلينا مع الغيم وقد أصابنا اليأس من عودتهم.

أعمل الثلاثة أيديهم في الأرض، وصاروا يحفرونها حتى تدفق ماء من الحفرة الكبيرة التي لم يستغرق حفرها سوى دقائق معدودات.

تقدم أخو زهيّة منهم، فصلى على النبي ومسح وجوههم ثم أشار إليهم فتبعوه، وخرجوا من الجامع تظللهم غمامة سوداء كبيرة ويرافق سيرهم الهادئ الواثق صوت مقرئ يقرأ سورة النور استمر سيرهم أياماً لم يتوقفوا خلالها إلاّ للصلاة، وظلت أصواتهم تسمع في الجامع تدعو الناس إلى الخروج والنهوض من الرقاد الذي طال.

رأى الثلاثة بأعينهم أخو زهيّة يسير على الماء، ويطير في الجو كأنه أحد الطيور، لم يكونوا مندهشين مما يرونه، لكنهم ظلوا صامتين يجولون بأبصارهم يراقبون حركات الشيخ، وأفعاله، ويصغون إلى أية كلمة يقولها لهم.

في صبيحة عيد الفطر، أثناء صلاة العيد، كانوا يقفون بين الناس خلف امام الجامع الكبير الحاج صادق الذي خطب في الناس بعد انتهاء الصلاة، وحدثهم أن أخيراً وفيراً سوف يصيب مدينتهم، إذا طردوا شرورهم، وأحقادهم وتبعوا طريق الله.

قال زاعم للناس حين انتهى الحاج صادق من خطبته:

ـ أيها الناس، أبلغني الشيخ أننا هالكون إن لم نصلح حالنا، ونرجع إلى خالقنا.

هتف الجميع: لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله.

وساروا خلف زاعم ورفيقيه، خرجوا إلى الحسيان، وسجدوا لله طويلاً حتى ملأ التراب عيونهم، كان رائد الخلف ينشد والرؤوس تهتز وتترنح الأجساد كأن أصحابها سكارى، تعالت أصواتهم يكبرون حين انبعثت من خلف جبل الحسيان، إمرأة، ملاك بجناحين نورانيين، وتاج كأنه تاج إحدى الملكات الأسطوريات، قد تعرت تماماً من ثيابها، وانتصب نهداها الرمانتان الجميلتان، وأنساب فخذاها نهرين رقيقين، كانت شفافة ترى التلال البعيدة من خلالها.

ذهل زاعم لرؤية جسدها الأبيض المتلألئ، وتدلى لسانه من فمه أحس بجسده تشعله نار قاتلة، ونسي ماكان يردده من كلمات صار يركض إلى الجسد الشفاف ويحاول بلوغه، لكنه كلما اقترب، كان الجسد يبتعد عنه.

تبعه الكثيرون وكان من بينهم صديقاه ناصر وتمام، ظلوا يركضون ساعات، والجسد ينسحب من أمامهم شيئاً فشيئاً.

أخيراً، هبط زاعم على الأرض لاهثاً، وضاق تنفسه، كان يشعر برغبة جامحة تعشش في صدره وبين فخذيه، تمنى أن يلمس الجسد الشفاف أن يخترقه بكليته، كان يراقب الصدر الجميل ويتذكر صدر أمه وصدر جدته، أحرقته، الشهوة، فابتعد عمن تبعه، وعاد وحيداً إلى بيته، وهناك انزوى في غرفته، يتقلب في سريره، وكان يرى الجسد في منامه ويقظته، يطوف حوله، وقد نام إلى جانبه مرات استيقظ بعدها ليجد نفسه متعرقاً يحتضن الوسادة أو البطانية.

الحركة الثانية:

مرت الأيام ثقيلة عليه، حتى جاءه أخو زهيّة عابساً غاضباً، وصار يؤنبه لأنه نسي ربه، وانشغل عنه بالخطيئة التي لاتغتفر، تلعثم ولم يجد جواباً، كان الشيخ يحاصره بالكلام، حتى أنه شتمه، وأطلق عليه صفات لم يعتدها، ثم قال له:

ـ يافاسق أغوتك نفسك الأمارة بالسوء، فابتعدت عن ربك ولكن اعلم أنه يراقبك، ولن تخلص من عقابه لأنك نسيته، هل تريد أن تهدم كل مابنيته لك ولآبائك التقاة الورعين؟

كان يمص شفتيه، يتلذذ بلعابه المالح، وأخو زهيّة يقرأ آيات من القرآن ليهدئ روحه، لكنه لم يكن يفكر أو يسمع شيئاً، عيناه شاخصتان على الجدار، ثمة تقبع المرأة ذات الجسد الفضي والنهدين الرمانتين.

طاردها أخو زهيّة ، حمل عصاه وضربها، لكنها ظلت تنير بابتسامتها الغرفة الموحشة، بينما زاعم يمد لسانه ويلعق جسدها، كان لعابه يملأ سرتها ويسيل على فخذيها.

بعد أن تعب أخو زهيّة غادر الغرفة مطأطأ الرأس، يلفه صمت خيم عليه وصار يسحبه كي يغادر، سار: خطواته فقدت أثرها وبدنه الصلب يتمايل كشجرة طرية في العاصفة، تحطمت قواه فسقط على الأرض وصار يتفتت: امتزج بالتراب، وارتفعت عصاه المباركة شجرة ملأت رائحتها العبقة جو الغرفة، كانت المرأة تدور حول الشجرة وتحمل التراب/ أخو زهيّة وتنثره ليتطاير مع الهواء البارد الجاف الذي صار يدخل صدر زاعم فيحوله إلى كهل يشبه شيخه تماماً.

كانت المرأة تضحك وهي تعرّي زاعماً / الكهل ثم تضاجعه فيزداد كهولة، ويشحب لونه، ضغطته بثقلها، وتراقص جسدها الجميل فوقه، كانا يتعرقان، كلاهما متصل بالأرض، تنتشر الزهور الجميلة حولهما.

وضعت بين شفتيه حلمتها الكرزية، فصار يرضع الحليب ويصرخ:

ـ جئت تخلصيني، ياأماه، من خطيئتي، جسدي ماامتد عروشاً لولاك، وعيناي الذابلتان، ما كان لهما أن تتوهجا لولا ضياؤك.

ابتسمت المرأة وهي تنهض عنه، وتغادر الغرفة دون أن تتكلم. حل ظلام دامس، وبقي أخو زهيّة واجماً ينظر حوله، يبحث عن زاعم والمرأة.

الحركة الثالثة:

لم يعد زاعم موجوداً، اختفى كأنه لم يكن، حاول أصدقاؤه البحث عنه، لكنهم لم يجدوه، كأن الأرض انشقت وابتلعته بينما اعتزل أخو زهيّة الناس وقبع في غرفته لايحدث أحداً.

وكان الحاج قدورى مؤذن الجامع يقف كل يوم ويدعو الله أن يعيد الغائب الذي يحبونه.

في إحدى ليالي الأربعاء، قادت الحاجة صبرية النساء وهبطن عبر البساتين إلى نهر الفرات، وكانت كل واحدة منهن تحمل بضعة شمعات وقطعة من الخشب، كانت الحاجة صبرية في المقدمة حاملة القرآن، تتبعها ابنتها العانس.

دموع تسيل من عيونهن، والتصاق أقدامهن بالطين الدبق يؤثر في حركتهن، فيتدافعن ويتقاربن، يلفهن سواد الليل وسواد عباءاتهن.

حين وصلن إلى الضفة، وضعت كل واحدة منهن شمعاتها على قطعة الخشب، وانتظرن انتهاء الحاجة صبرية من صلاتها، انهت الحاجة صبرية ركعتيها، ووضعت القرآن أمامها ثم بدأت تقرأ سورة ياسين بصوت مرتفع، لم تكن أية واحدة من النسوة المجتمعات خلفها تستطيع القراءة مثلها، كن واقفات بصمت، ينخر البرد عظامهن، وتلسعهن ريح كوانين بسياطها.

نهضت الحاجة صبرية وسارت إلى الأمام حتى لامس الماء طرف ثوبها. انحنت وغسلت وجهها، ثم أشارت إلى ابنتها العانس فأشعلت عود ثقاب وطافت به على الشمعات.

تقدمت فتاة جميلة من النسوة، واقتربت من الحاجة صبرية، ثم جلست قربها، وقالت:

ـ يعني سيعود الغايب ياعمتي؟

هزت الحاجة صبرية رأسها، وهي تردد: إن شاء الله، يرجع...

صارت كل امرأة تدنو فتناول الحاجة صبرية قطعة الخشب وعليها الشمعات المضاءة، ثم ترجع إلى الخلف، وكانت الحاجة صبرية تضع القطعة الخشبية على سطح الماء، فتطفو وتمشي مع التيار اندفع موكب الشموع وسار مهتزاً، والنسوة ينشدن:

يارب ياعالي ترجع الغايب

يارب ياعالي يعودوا الحبايب.

وبحت أصواتهن وهن يطلبن من زاعم أن يعود، لأن الناس يحتاجون إليه كما هم بحاجة إلى الماء والهواء.

وبينما هن كذلك، جاء أخو زهيّة يحمل بيده شمعة، وصار يقترب من الحاجة صبرية، ثم ناولها شمعته، فأشعلتها، ورمت بها عالياً في الجو، فصار أخو زهيّة يكبر ويدعو الله أن يخلص النساء من جنونهن، وأن يحبسهن في بيوتهن لأن في خروجهن فتنة للصالحين.

كانت الشمعة ترتفع، وتنشر ضياءها فوق وجه النهر الهادئ.

كن يبكين من فقدن، ويتمسحن بثياب أخو زهيّة ويطلبن منه أن يعفو عنهن، لأنهن عصين ربهن.

الحركة الأخيرة:

ظللته سحابة قلق، وأحاط به إرهاق شديد، لم يكن العالم سوى حفنة تراب متبقية، وعليه أن يجتاز حدوداً كثيرة حتى يبلغ ماأخبرته به الأحلام.

سوى دوائر سقيمة لم يتبق له، ومداره الشاسع الذي تخيله وطار لأجله، تهاوى وحطمته أسئلة تبثها، فزعة عيناه المغروزتان بجدران مبكاه الأخير.

كلما التصق بجدار أسند رأسه، وانهالت عليه ضربات موجعة تمتد من سماء بعيدة. عليه أن يبدأ الآن، أن يسافر مع الحلم الذي تعلمه، ثمة عوالم تنتظر هبوطه عليها مبشراً بمياه تتدفق من عينيه العسليتين، فتحيل اليباس خضاراً.

آن للمخزون الذي في داخله أن يخرج، ويبث صفاءه في عالم حرب وقتل، أجساد مدماة تتناهبها طرقات شاحبة، تثير عقله، طرقات طينية على جوانبها نخيل وامتدادها هبوب نسائم الحرية، طرقات طينية على جوانبها جثث تسمو رافعة أذرعها، تتوسل إلى هذا القادم من جوف بحر عميق حاملاً أسراراً لم يطرق أبوابها أحد، جسده تتقاذفه أمواج من كلمات، رددها وعلمها عصاه المباركة التي تدق الأرض وظهره المحني هما ارثاه اللذان يؤرقانه.

نهض، تقوده قدماه، سيره الهادئ تجمع فيه عشق غريب، كان الطين الذي ألف قدميه، صغيرتين، يألفهما، فجأة كبيرتين، تتركان أثراً على الطين الذي صار يتمسك به ويحاول أن يبقيه ملتصقاً أكثر فأكثر به، اندفعت ذرات الطين وعانقت قدميه، فجعلت حركته صعبة، أراد أن يتخلص من هذا السحب القوي الذي يدفعه للوقوف والنظر إلى القمر الممتلئ بوجهه الفضيّ المجعّد، لماذا لم يفكر بتأمل القمر طيلة أعماره؟.

تحركت داخله كائنات غريبة واثارته. صار يحصي دقات قلبه ويقارنها بالحصى المتناثر على جانبي طريق البساتين الموحل، ملّ مراقبة القمر، وداهمته رغبة في البكاء، دفعت هذه الرغبة صورة زاعم الذي رحل ترتسم على وجه القمر، يبتسم ثغر الصورة له، فيرى نفسه ينطلق بجناحيه يرفرف ويحوم، ويحاول إمساك القرص المتلألئ / زاعم الذي كان شاحباً.

وانطلق عائداً إلى الجامع الكبير، انضم إلى المصلين...

صبياً في لباس شيخ وجسد عتيق لايتبدل، وكان يفكر أين سيجد روحاً جديداً يسكنها جسده الذي لايبلى.

***