1ـ اســـتطراد:
.. كذلك فإن لها كفاً سريعة الحركة، مرنة، طرية كأنها كف معلم الفيزياء الرقيق الذي كان يحمل قطعة الطباشير بين إبهامه وسبّابته ليكتب على السبورة فيبدو كأنه يحمل قلم أحمر الشفاه. كانت كفه الناعمة تربّت على أكتافنا حين نفلح وتصفع خدودنا حين نتلعثم.
لكن كفها، التي كانت أصابعها تتوغل بين خصلات شعري ثم تجزّها، فتشعرني بطعم عذابٍ لذيذ، وما أكاد أنسى مرضي الصدري لحظة، حتى تنقض محمومة على شفتي السفلى كأنها تريد تمزيقها، ثم تعود لتدخل تحت قميصي، وفجأةً، يتوقف كل شيءً، تنهمر دموعها، ويطغى البكاء والنحيب على المشهد كلّه، تنتاب صوتها بحة مثيرة، وتبدأ بالتأفف من سواد العالم ولا معقوليته.
2ـ اســتطراد:
وأما سرّتها، فهي تجعلني أتصببّ عرقاً، إنها تشبه إلى حد ما، ذلك النبع الذي شاهدته مرة فأصابتني قشعريرة، حين رأيت الماء يتدفق، ورأيت، البشر يمدون رقابهم كالنياق، فيلعقون الماء البارد الصافي بألسنتهم، وقد يتساءل سائل: كيف يمكن أن تخرج المياه من سرتها؟ في الحقيقة وكي لاأكون مبالغاً، فإني لم ألاحظ أن ثمة تدفقاً أو ماء يخرج من سرّتها، إنما تموضع تلك الحفرة الصغيرة المرسومة بعناية أسفل بطنها جعلني أقسم أن الآلهة، والتي توافقني الرأي على أن المرأة أرضٌ، شاءت أن تكون هذه الحفرة الصغيرة، والتي انقطعت منذ خروجها من رحم أمها، نبعاً تفيض منه مياه ما..
3ـ استطراد:
وصولاً إلى صدرها، ينتشر زغب أشقر يُحيل أي وهم في رأسي إلى حقيقة دامغة، وهي أنني في طريقي إلى نهدين صغيرين، لمّا يرضعا بعدُ، لكنني أتوقف، لأن تلك الشامة الهادئة أسفل نهدها الأيمن، تكاد تصرخ معلنة وجودها، وسأحكي عما أفكر به حينها..
في الحقيقة لاأتذكر هذه القصة إلا نادراً، وأكثر ما كان يحرك مخيلتي لتذكرها هو الشامة التي على خد المطربة سميرة توفيق، وكان هذا أيام مراهقتي، فقد كنت كلما شاهدت سميرة توفيق على التلفاز تذكرت قصتي، إلى أن أخبرني أحد أصدقائي أن شامة سميرة توفيق صناعيةٌ، فغضبت غضباً شديداً، وقررت مقاطعة تلك المطربة الجميلة والامتناع عن سماعها، المهم قصتي كالتالي: جاءت أمي مرة حاملة بيدها صحناً مليئاً بالعدس، وقالت: خذ نق العدس للشوربة. بدأت أنتقي حبات الشعير والقمح والحجارة الصغيرة المتناثرة بين حبات العدس الصفراء. كان صوت أنين ماينبعث، لم أحفل به، ظننت قطتنا تئن تحت وطأة هر الجيران الذي لايكف عن ملاحقتها، فوجدت بين الحبات حبة غريبة الشكل، تلمع محدثة بريقاً خاصاً. أمسكتها ورفعتها إلى الأعلى، كانت بنية اللون، بيضوية ملساء، دفعني شيء داخلي إلى تأملها. وتفحصها. ثم قررت بعد طول تأمل، ثقب الحبة الغريبة، والاحتفاظ بها. بعد أيام من النسيان، أمسكت الإبرة، وأخرجت الحبة من جيبي وحاولت ثقبها، لكنها انزلقت، حاولت معها من كل الجهات، لكنني لم أفلح لأن انزلاقها كان يدفعني للبحث عنها تحت الطاولة أو تحت السرير، بعد جهد وعناء لم تنجح محاولاتي، فوضعتها في جيبي، وتركتها بلا ثقب ثم استلقيت على السرير، اندفع صوت الأنين الذي ظننته أنين قطتنا، فلم أكترث، وفوجئت بالحبة الغريبة تخرج من جيبي وتقف أمامي، تكبر، وتكبر، حتى ملأت الغرفة تماماً، ارتعشت وكاد قلبي أن يتوقف، صار العرق يتصبب من جبيني ويملأ مؤخرتي. ولم أعد أستطيع التنفس، خرج منها صوت يشبه فحيح الأفعى، وضحكت ضحكة قوية كضحكة أبي تماماً وعم هدوء غريب، حتى تخيلت أنني فارقت الحياة، لكنها تكلمت وكان صوتها شهوانياً ممتعاً، قالت: وإذا أردت اصطياد السمك فضع قدميك في المقلاة. وانقر على الدف، ثم اجلس في أحضان إمرأة تشبهني تماماً، ولاتخبرها شيئاً، دعها ترقص وغن لها ساعتها ستجد السمك يندفع إليك تلقائياً.
بعد هذا هربني أبي من مدينتنا وقال: كن صياداً ماهراً، واتبع من يجعلك تبكي ولا تتبع الضاحكين.
وبعدها أيضاً قررت التوقف عن الرقص كلما عدت إلى بيتي ثملاً، وأما شامتها، فقد صارت بالنسبة لي، حبة غريبة، وهي التي ستدفعني إلى أمرين اثنين لاثالث لهما، أولهما أن أخرج حبتي الغريبة من مخبئها بعد حبس دام سنوات، وأحاول ثقبها مرة أخرى وثانيهما أن أبدأ البحث عن السمك.
4ـ استطراد أخير:
سأتحدث الآن عن شفتيها الملتهبتين. وكلي ثقة أن أحداً ما سيمارس القمع على هذه التصريحات، وسيعتبرها غريبة و.. مملة.
شفتاها شبيهتان بأحد الزوارق الفراتية المصنوعة من جذوع النخيل المطلية بالاسفلت، والذي يطلق عليه في جنوب العراق اسم المشحوف، ويسمى في مناطقنا البلم وهو غير موجود في بقية المناطق السورية وقد أخبرني أحد أصدقائي أن دلتا النيل في مصر تستخدم هذا النوع من الزوارق، وذكر أحدهم في كتاب له عن التجارة المائية، أن قبائل المهربين في السودان تصنع زوارقها كما يصنع المشحوف، وأما سبب طلاء هذه الزوارق بالاسفلت فهو لمنع تسرب الماء إلى داخل الزورق.
قلت: إن شفتيها شبيهتان بالمشحوف أو البلم ولي قصة مثيرة مع البلم:
فمنذ مايقارب العشرين عاماً جاء إلى مدينتنا الآلوسي حفيد الجان، الساحر العظيم، المتزوج من ابنة الشيطان، فحل في المدينة، وذاع نبأ وصوله في الامصار، فتوافدت الوفود لرؤيته، وكثرت أعداد البلام القادمة إلى مدينتنا حاملة الناس، فضجت ضفة الفرات بها.
اتفقنا يوسف وأنا على سرقة بلم وعبور الفرات إلى الضفة الأخرى، حيث ينتشر البطيخ الأحمر الحلو، ناورنا وحاورنا حتى عثرنا على فريستنا، كانت بلما أنيقاً خمنت أنا شخصياً، بأنه لأحد المسؤولين، وحينما أخبرت يوسف بتخميني، ضحك وضرب عصا التجذيف بقوة في الماء، ثم قال: المسؤولون لايركبون البلام انهم يركبون اليخوت وراح يوسف يشرح لي ماذا تعني اليخوت، ومن يمكن أن يراها. اندفع بلمنا يشق صدر الماء. ولم تعد جهتنا محددة، فقد هبت عاصفة أبعدتنا عن مسارنا، وأقبل العجاج من بعيد، فتهنا.
قبيل الغروب، فوجئنا بالمطر ينهمر غزيراً، ولم يعد بإمكاننا رؤية شيء، باستثناء أضواء مدينة بعيدة عنا، وكانت لسوء حظنا عكس التيار. استمر بلمنا مندفعاً بلا هدف حتى ارتطم أخيراً بصخور. كان المطر قد توقف، والبلم هدأ اضطرابه، أخرج يوسف الولاعة من جيبه، وأضاء ليرى ماحدث، لاحت الضفة قريبة جداً، وما علينا سوى مغادرة بلمنا، والسير في الماء قليلاً كي نبلغ اليابسة، حين وطأت أقدامنا الأرض، شعرت باللزوجة، تملأ جزمتي، كان الطين البارد يعانق قدميّ، جعلني هذا الدبق الشهيّ أغني، أسكتني يوسف بإشارة من يده، سكتَ، ولحقت به. كانت الرؤية متعذرة، وأصوات البوم تبعث الرعب، ارتفع أمامنا شجر كثيف، ونقت ضفادع من هنا وهناك، تقدمنا بين الجذوع الضخمة، حتى وصلنا إلى مكان مليء بأشجار التفاح، ميزها لنا ثمرها القريب من رؤوسنا، صرنا نقطف حبات التفاح ونلتهمها بشراهة قد هدنا الجوع واستشرى بنا التعب، غالبنا النعاس، فبحثنا عن مخبأ لجسدينا المنهكين، لم نجد آمن من النوم متكئين على جذوع الأشجار الضخمة. كان الفجر حين استيقظا، قد بدأ يوزع خيوط صحوه على رؤوس الأشجار الضخمة، كانت نخيلاً شاهقاً سمعنا أصوات فلاحين يهبطون الطريق المؤدية إلى النهر راقبناهم، حميرهم تتراكض محدثة ضوضاء مثيرة، لم يخطر في بالي أبداً أن مراقبة الحمير سوف تكون ممتعة لي يوماً ما، اختبأنا خلف شجرة جوز عملاقة، وصرنا نتهامس، كان الفلاحون يتكلمون على عاصفة الأمس وأثرها السيء على الكوسا والخيار.
قالت امرأة: وفوق كل هذا جاء المطر، مطر الصيف لعنة، قال رجل: شيء يحرق القلب.
ومضوا، وجاء غيرهم، وكان الحديث نفس الحديث. حين ابتدأ عملهم، قررنا يوسف وأنا الخروج والسير إلى وسط المدينة، غادرنا مخبأنا وسرنا على الطريق، لكزني يوسف وقال: أشعر بأننا في مكان بعيد، قلت: وأنا كذلك فوجئنا بفلاحين يتجهان نحونا، لم يعد بإمكاننا الهروب، لأنهما شاهدانا، تقدم الفلاحان ببطء، كنا نتعثر في مشيتنا قلت ليوسف: سنطلب منهما المساعدة، الفلاحون طيبون. اقتربا ثم قالا السلام عليكم. وتابعا مسيرهما.
كاد عقلي أن يطير حين أدركت أننا لم نغادر مدينتنا. احتضنني يوسف وصرنا نرقص ونغني كالمجانين.
عدت إلى البيت وقد أثقلني إعياء الرحلة، كان أهلي قد استيقظوا من نومهم، قالت أمي: أين كنت، فلم أجبها اندسستُ في سريري، وحينما استيقظت، أخبرت همام بالقصة كلها، فضحك، وقال لي: لابد أنك كنت تحلم...
5ـ فاصلة:
كان بإمكاني، طبعاً، أن أصوغ حكايتي عما حدثتكم به عن قصتنا يوسف وأنا مع البلم ولكن مثل هذه القصة كانت ستصير مملة، لأنني لاأستطيع أن أكون روبنسون كروزو جديداً فما أستطيع فعله لايقارن بما فعله ذلك المغامر المشهور.
6ـ تنويه:
وتقضي الأمانة الأدبية بأن أعترف بأنني ربما كنت أحلم أو أهذي حين رأيت هذه الحكاية وسجلتها، شعرت حين ابتدأت بالكتابة بأن ثمة خللاً ما، وعندما انتهيت أدركت بأن ما حاولت قوله ونقله لم أنقله ولم أقله، لأن الخيال غلبني فانصرفت عن حكايتي التي لم تكن وهمية إلى هذه الحكاية الوهمية التي يمكن أن تكون وقعت أو أنها ستقع. أو...
***