تفتحُ العزلةُ أفقاً واسعاً للتأمُّلِ يمنحُ الفردَ قدرةً على بناءِ الأفكارِ واتخاذ القرارات بهدوءٍ واستقرار، كما أنَّ العزلة تساهمُ في تنقيةِ بواطنِ النفس، بعرضِ أركانِ بنائها وتصوّرها وتغذية ما كانَ إيجابيّاً صالحاً منها..
هذا في الجانب المشرق من العزلة..
أمّا في الجانب المظلم –السلبي –منها، فهناك مخاطرُ جمّة وأمراض، مستعصيةً تنتجُ من الوحدةِ فيما لو ارتبطتْ بنفسٍ ضعيفةِ البناء وروحٍ واطئةٍ!
أنا شخصيّاً، أستطيعُ القولَ بأنني أعيشُ عزلةً أخذتْ من الجانبِ الأوّل الكثير من معطياتها، لذلك استطعتُ أنْ أؤثّثَ عالماً جميلاً ينهلُ من انفرادي ووحدتي وتعلقي بالحلمِ الغريب!..
وهيّأتُ حياتي لمفرداتِ هذهِ العزلة..
اقتنيتُ أوانيَ متنوِّعةً للطعامِ والشاي مع طبّاخ نفطيٍّ صغير أستطيع بواسطتِهِ إعدادَ وجباتي البسيطة –التي لا تحتاجُ إلى مهارات طبخٍ –فضلاً عن المعدّاتِ الأخرى التي لا بُدَّ منها وهي متواضعةً بالتأكيد.
هذهِ المفرداتُ البسيطةُ جعلتني أقضي معظمَ أوقاتي بينَ جدرانِ غرفتي في الفندق للقراءة والتأمُّلِ والكتابةِ أحياناً..
ولم أفلح حتّى الآن بفكِّ شفراتِ اللُغزِ الذي بدأ ينمو معي ويدخلُ في صُلبِ مكوِّناتي النفسيّةِ..
وبعدَ حُلمي الأخير ومشاهدتي قبلَهُ للمرأتين، وأنا أتردّدُ في الذهاب إلى تلكَ البقعةِ المنسيةِ في العالم رغمَ وقوعهِا في قلب الحياة!.. وسببُ تردُّدي الحقيقيّ يكمنُ في وحشةِ المكانِ وتوقُّعِ المفاجآت التي لا تسرُّ فيه وبالتالي عدمِ استطاعتي فعل أيِّ شيءٍ تجاه أيِّ حادثٍ سيّما وإنني قد سمعتُ بأنَّ بعضاً من المتسكعين والشاذين يرتادونَ مثلَ هذهِ الأماكن المهجورة للابتعاد عن أعين الناس وقضاء حاجياتهم وأداء جلساتهم التي يسودُ فيها أردأ أنواع الخمور المغشوشة وبعد انتهائهم من آخرِ قطرةٍ من احتفالهم بها يبدؤونَ بالشجارِ الذي قد يصلُ إلى القتلِ فيما بينهم بسببِ هيمنةِ السُكرِ على رؤوسهم وضياع وعيهم وتركيزهم..
ما عليَّ سوى الانتظار ومتابعة أحلامي التي تزدادُ إثارةً في انعكاسها على الواقع، وتجسُّدِها لي بشكلٍ صَعُبَ عليَّ تحليلهُ..
قبلَ يومين شاهدتُ في حُلمي صديقَ طفولتي (قصي) الذي لم ألتقهِ لمدّةٍ زادت على الاثني عشر عاماً، وفي صباحِ اليومِ التالي للحلمِ، وأنا أتمشى في هرج (الباب الشرقي) صادفتُهُ وجهاً لوجهٍ، سلّمتُ عليهِ فردَّ عليَّ السلامَ متطلِّعاً بوجهي بعمقٍ ثمَّ أطلقَ صرخةً صغيرةً معبّرة عن الدهشة والفرح عندما عرفني..
تحاضّنا في الشارع، وانهال بيننا وابلُ التعبير عن الأشواق والأسئلة، وأعلمتُهُ بأنني متيقنٌ من أنني سأراهُ هذا اليوم!
فاعتبرَ هذا اليقينَ الغريب جزءاً من مداعباتِ معَهُ وتركتُُهُ لهذهِ القناعة..
وهناك الكثيرُ من الأشخاص والأماكنِ والأحداث ممّا أراها في (حلم الليل) أجدُها في (واقع النهار)..
مرّةً حيّرني حلمٌ غريبٌ بأجوائِهِ وأشخاصِهِ وأماكنِهِ وأحداثِهِ، ضجيجٌ في كلِّ شيءِ، هذا يغنّي، وذاك يركضُ وآخرُ يحملُ مسدساً ويركضُ خلفَ امرأةٍ هاربةٍ منهُ!
وبعد استيقاظي استغربتُ هذا الحلمُ وتحيّرتُ في دلالاتِهِ، التي تشيرُ إلى الضياعِ والفوضى.. ولكنني ضحكتُ من أعماقي في اليوم التالي بعد أنْ وقعتُ على معادِلهِ الواقعيّ حينَ دخلتُ بمصادفةٍ محضةٍ إلى "سينما سميراميس" في بغداد لمشاهدة فيلم المغامرات الشهيرة (إنديانا جونز)!!
وتكرّرتْ الأحلام التي أشعرتني بلذّةِ اكتشافِ المجهول! أو فكّ الرموز التي يطلقُها الحلم والتي حقّقتْ لي فلسفةً خاصّةً في الحياة استطعتُ من خلالِها أنْ أؤثثَ قناعاتٍ مستقاةً من عمق التجربةِ لا من القراءات الباردة التي تأتي دائماً بعموميّات لا تستطيعُ الإحاطة بكاملٍ التصوّرات الخاصّة التي تندرجُ حالتي الغريبة التي أعيشُها ضمنها!
هذهِ القناعاتُ الخاصّة التي حققتُها وفّرتْ لي رؤيةً ذاتيةً في رصدِ الأشياء وتسميتها مع الإيمان الكُلّي بالممكناتِ الخارجة عن تصوّرنا أو حتّى مدياتِ خيالاتِنا ما يطلقُ عليها بـ (الخارقة) التي هي خارجَ المألوف حتماً..
لم يَعُد الرجلُ الغريبُ لغزاً محيِّراً لي!... أو هكذا شئتُ أن يكونَ، بسبب الإحالات الغرائبيّة –التي صارتْ مألوفةً –تلك التي يوفّرها لي (الحلمُ).. حيثُ اقتنعتُ تماماً بفكرةِ (لعبة الزمن) تلك التي ترتّبتْ على الحاضر المعيش المنطلق من الماضي المنصرم والمؤدّي إلى المستقبل المجهول...!
تُرى ماذا سيحدثُ لو تداخلتْ هذهِ الأزمانُ، وسبقَ المستقبلُ الحاضرَ، أو الماضي أو حدثَ تداخل، بين زمنين معاً في آنٍ واحدٍ وضمنَ مدركاتِ وعي خاص؟!
تُرى هل خضتُ في عبثٍ وجوديٍّ ناتجٍ من إحساسي بالحيرةِ والتعب، أم أنَّ إشارات الأحلام لحوادث (سـ) تحدثُ في المستقبل وإن كانَ قريباً هي التي تجعلني أجترحُ مثلَ هذا التصوُّرِ الغريب؟
لا أدري ربمّا هي مصادفات أو رؤىً يفرضُها الإجهادُ النفسيُّ.. المهم.. أنّها حقيقيةً وغريبةً في الآن ذاتِهِ!
أتذكَّرُ أيّامَ قراءاتي الأولى –المبكّرة –حيثُ كنتُ تلميذاً في الصف "الثالث المتوسط" وكنتُ منهمكاً بقراءة رواية (فيكتور هيجو) الشهيرة (البؤساء) وكان بطلها(جان فالجان) مهيمناً على نظرتي للأشياء من خلال تأثُّري بمغامراتِهِ وتشعُّب حياتِهِ وعمق أفكارِهِ الخاصة..
وفي إحدى الليالي (حلمتُ) بأنني مع شخصٍ يسيرُ إلى جانبي وتسلّقنا سوراً عالياً ثمَّ ذهبنا مشياً إلى مدينة من بيوتٍ متشابهةٍ الأشكال وتقطعُها شوارعُ نظيفة وجميلة.. وشاهدنا من بعيدٍ منظرَ فوضى وتجمُّعاً سكّانياً حول أحد البيوت، ثم مرَّ بجوارِنا طفل، سارعتُ بسؤالِهِ:
-ماذا يحدثُ هناك؟
فأجابني: لقد دخل المغامر (جان فالجان) إلى أحد البيوت، وأنتَ تعلمُ بأنّهُ هارب من العدالةِ فتجمَّعَ الناسُ حولَ هذا البيت واستدعوا الشرطة للقبضِ عليه!
بعد ذلك شاهدنا (جان فالجان) مُقاداً من قبل شرطين لأخذِهِ إلى السجن!... وانتهى الحلم..
في الصباحِ ذهبتُ كعادتي إلى المدرسة، وقبلَ بداية الدرس الأخير أشارَ عليَّ صديقي الأقرب "قصي" بأن نترك الدرس الثقيل والمزعج.. وأتفقنا على مغادرة المدرسة، فتسلقَنا سياجها العالي، واقترحَ عليَّ "قصي" أنْ نذهبَ إلى محلّتهم وهي "دور شركة النفط الوطنية" في "الموفقية" () التي تقعُ إلى الغرب من محلة "الجمهورية".
وتمتازُ دور الشركة بتشابُهِ بيوتِها ونظافة وجمال شوارعها وأزقّتها.. وأثناء مسيرنا في أحد الشوارع شاهدنا من بعيدٍ مشهدَ فوضى وتجمّعاً سكانياً حول أحد البيوت، ثمَّ مرَّ بجوار طفلٌ سألتُهُ:
-ماذا يحدثُ هناك؟
أجابني: -لقد دخلَ "عبّود الشقي" إلى أحد البيوت وأنت تعلمُ بأنَّ عبوداً هاربٌ من العدالةِ، فتجمَّعَ الناسُ حول ذلك البيت واستدعوا الشرطةَ للقبضِ عليه..
بعد قليلٍ شاهدنا "عبّود الشقي" مُقاداً من قبل شرطيين لأخذهِ إلى السجن!
شعرتُ بهزّةٍ شديدة في بدني إثرَ الدهشةِ الصاعقة وأنا أتذكّرُ تطابقَ الحلم الغريب مع ما حدثَ لاحقاً..
قلتُ لصديقي قصي:
-هل تعلم بأنني شاهدتُ هذهِ الحادثة؟!
فأجابني ضاحكاً:
-في أيِّ فيلمٍ سخيفٍ يا تُرى؟!
أجبتُهُ بارتباكٍ وشرود ذهن: في الحلمِ.. واللهِ.. وقصصتُ عليهِ الحلم، فراحَ في فصلِ ضحكٍ طويلٍ..
في ذلك الحين لم أُعطِ للأمرِ اهتماماً، هو حلمٌ على أيةِ حالٍ وأنا في عمرٍ غضٍّ في كُلِّ شيء..
وتكرّرتْ معي أحلام متباعدةً أشارتْ أيضاً إلى حوادثَ وأشخاصٍ وأماكن.. لكنني لم أتعاملْ معها باهتمامٍ..
أمّا.. بعدَ هذه السنوات الطويلةِ، فقد أصبحَ الأمرُ عندي مختلفاً ويصبُّ في بُعدٍ آخر.. لا سيمّا بعد أنْ اتّسعتْ قراءاتي وتجاربي في الحياةِ وذقتُ مراراتٍ متنوّعةً وتعلّمتُ الكثيرَ ومازلتُ غارقاً في القراءةِ والبحث والتعلُّم من أجلِ الوصولِ إلى إجاباتٍ شافيةٍ حولَ تناسُلِ الأسئلةِ الكبيرةِ في الوجود.. والحياة... وما يُسمّى بـ (الخوارق).