ـ 6 ـ

10 0 00

صرتُ أعرفُ تأريخَ اليوم الذي نلتقي به!

أحياناً يتقدّم عن حدسي له يوماً أو يومين، وأحياناً أُخرى يتأخّرُ يوماً أو يومين.

لذلك أصبحتُ أعدُّ نفسي لهذا اللقاء في الأسبوعِ الذي أتوقَّعُ فيهِ إطلالتَهُ..

لم تَعُدِ الأسئلةُ تشغلني كثيراً، ولم يَعُدِ الحوارُ هو ما أطلبُهُ من هذا اللقاء، بل كنتُ متلهفاً للإثارةِ التي صارتْ ترافقُ هذا اللقاء الغريب الذي أُصغي فيهِ بخشوعٍ لحسابِ خطواتي وأفعالي المرصودة، وللوصايا والتنبيه والانشغال بأغربِ وأنقى علاقةٍ بين اثنينِ عبرَ الذهنِ أو الحلمِ أو أيِّ تصوُّرٍ نفسيّ أو غير نفسيٍّ آخر ربّما يكونُ صحيحاً أو يكونُ خاطئاً..

ليس هذا المهم الآن، فهاهي السنواتُ تمضي، وهاهو مستمرٌّ بمرافقتي منذُ تلك الليلة المدهشة يومَ التقاني وأنا مقمَّطٌ بالموت..

المهمُّ الآن أن يأتي، أنْ يطلعني على ذاتي بكلِّ صراحةٍ وأنْ أرى فيهِ ذروةَ أعماقي وجذوة روحي وإطلالتي على صورةِ الحقيقةِ وإن كانتْ من خلالِ التباسٍ صوريٍّ أو ذهنيٍّ.. أو.. لا أدري!

في المرّةِ الأخيرةِ أطالَ المكوثَ معي، وأطلتُ التحديقَ فيه، بدا صامتاً أكثرَ ممّا اعتدتُ عليهِ، ثمَّ أخرجَ ورقةً صفراء من جيبهِ، بدتْ عليها كلمات سرعانَ ما نسيتُها إلاَّ أنّها كانت تحملُ اسمَ أُمّي وصورةً غائمةً لها، عرفتُ أنّها تعاني من أمرٍ ما.. استناداً إلى الرسالةِ التي قدّمَها لي في إحدى زياراتهِ لي والتي حملتْ إشعاراً ناغزاً لمصير والدي حيثُ أخرجَ لي من جيبِهِ منديلاً أسودَ كُتبَ عليهِ اسمُ والدي متقطّع الحروف... كانّ ذلك بعدَ اللقاءِ الخامسِ من تعارُفنا..

أمّا الآن فها هو يقدِّمُ لي ورقةً صفراء، وهاأنذا أنهضُ فزعاً من نومي وأغرقُ في نوبةِ بكاءٍ مع إحساسٍ صارخٍ بالذنبِ والندمِ الذي لا أعرفُ سبباً محدّداً لهُ..

في ظهيرةِ نفسِ اليوم، اتَّصلَ بي أخي الأصغر يعلُمني بمرضَ والدتي وحاجتها الماسّة لوقوفي إلى جانبها في محنتها هذهِ.. وهي التي وضعتْ صوري المتنوّعةَ أمامَها لتراني عبرّها وتحدّثني وتعاتبني على غيابي الدائم وعدم تواصُلي معهم... هرعتُ إلى بعضِ المعارفِ الموسرين، يا لصعوبةِ معاناتي، أعينوني!...

وحصلتُ على معونةٍ ماليّةٍ تكفيني للإسراعِ إليها..

تذكّرتُ غيابي ثلاثةَ شهورٍ عنها بسببِ توقّفِ الإجازات في الجبهة رافقتْها حركةً إلى قاطعٍ آخر..

وأقولُ هنا تذكَرتُ غيابي عنها (تحديداً) لأنني أنطلقُ من بديهيّةٍ تمثّلُ معادلةً طالما ردّدناها هي "إن الحرب تجري على قلوبِ الأمّهات"... حين حصلتُ على كنز إجازةٍ بعد ثلاثة أشهرٍ معقّدةٍ، بذلتُ قصارى جهدي لأصلَ إليها، وحينَ سمعتْ طرقاتِ يدي المستعجلة على الباب، استجمعتْ كُلَّ قوّةِ صبرِها وانتظارها وركضتْ إليَّ لتضمّني بذراعيها المجهدين إلى صدرها وأخذتْ تشمُّني بقوّةٍ وتبكي بكاءً مزدوجاً في تعبيرِهِ الأصدق بين الفرحِ والحزن... ياه.. يا لحبَّ الأمّهات تُرى هل هناك حبٌّ يُضاهي حبَّ أمٍّ لولدها الغائب؟! في الجبهةِ كنتُ أكتبُ عن الأُمِّ وإليها..

أنتهزُ فرصةَ الاسترخاءِ لأدوِّنَ مذكّراتٍ ساخنةً وجدتُ البوابةَ الفنيةَ الملائمة لإطلاقِها هي أنْ تكونَ على شكلِ رسائلَ موجّهةٍ إلى أُمّي.. وقد شعرتُ بالحزنِ الشديدِ والألمِ الصادقِ حينَ فقدتُ مسوّداتِ هذهِ المذكرات في حومةِ التنقُّلِ بين الجبهات وفقدان أو ـ التخلّي ـ عن الكثيرِ من الحاجياتِ بسبب الإرباك الذي تولِّدُهُ (الحركة) من قاطعٍ إلى آخر... وجميعُ المقاتلين يعرفونَ بأنَّ أزعجَ ما يواجهُ المقاتلَ في الجبهة هو (الحركة) أو الانتقال.. مجرَد الانتقال، لأنَّ الجندي مشروعٌ للاستشهادِ في أيِّ لحظةٍ... وكما يقولُ ريمارك "الجنديُّ يعيشُ بالمصادفة" نعم، فالشظيّةُ أو الإطلاقة أو القذيفةُ التي تصيبُ زميلاً مجاوراً لكّ كانَ من الممكنِ أنْ تصيبَكَ أنتَ مهما كانت درجة حذرك!...

كانَ الانتقالُ الأطول في حياتي العسكرية قَدْ حدث عند تحرُّكِ تشكيلنا من القاطعِ الأوسط إلى القاطع الجنوبي.. إلى "الفاو" هذهِ المدينة التي تنامُ في أقصى جنوبِ البصرة.. والتي صارتْ أشهرَ المدنِ وأخطرَها في وعينا.. لأنّها تعرَّضتْ لاحتلالٍ وابتلعتْ الكثير الكثير من الشهداء لتعودَ لأحضانِ الوطن..

.. حركة.. تهيّأوا! هكذا جاءَ الأمرُ..

لم يخبرونا عن جهةِ انتقالنا، فقد صدرَ الأمرُ العسكريُّ بلا تفاصيلَ أو إيضاحات...

هيئّوا أنفسكم ومعدّاتكم الضروريّة فقط للانتقالِ إلى قاطعٍ آخر..

وحزمنا "يطغاتنا" وحاجاتنا الضروريّة، وودّعنا ملاجئنا والصورَ الصديقةَ التي لصقناها على الجدران لنرحلَ إلى مكانٍ آخر.. نبدأُ من خلالِهِ مشواراً جديداً لا نعرفُ الآن أيَّ شيءٍ عنهُ..

انسحبنا في الظلامِ بهدوءٍ وصمتٍ حذرين.. لتحملنا سيّارات "الإيفا" إلى المكانِ الجديد.. إلى رحلةٍ طويلةٍ باتجاهِ الجنوب، سَرَتْ همهماتٍ بيننا، حدسنا من خلالها أنَّ المكان الجديد هو "الفاو"، وكلّما توغّلنا جنوباً ازددنا يقيناً بصحةِ حدسنا...

توَّقفت سياراتُنا في مطاعمِ الطرق الخارجيّةِ قبلَ محافظة "ميسان"، ووجدنا فرصةً للتعلُّقِ بأيِّ شخصٍ مدنيٍّ أو عسكريٍّ مجازِ في طريقهِ إلى مدينتنا، لنعطيهِ قصاصاتِ ورقٍ صغيرةً موجّهةً إلى الأهل.. تحملُ خطّاً مرتبكاً يدلُّ على أننا مازلنا حتّى الآن على قيدِ الحياة.. هاهو العنوان.. أرجوكَ أن توصلها فأهلي قلقون جدّاً عليَّ!! لا شيءَ فيها سوى "نحن بخيرٍ".. "الإجازات ستطلقُ قريباً إن شاء الله".. لا أحتاجُ شيئاً سوى سلامتكم ودعواتكم لي"... أرجوكَ.. أيُّها الأخ لا تخبرهم بأنّنا منقولون إلى "الفاو" حتى لا يقلقوا!!

نصفً ساعةٍ رأينا فيها العالمَ بشكلٍ طبيعيّ، وإن كانَ عالمُ الطرقِ الخارجيّةِ سريعاً مرتبكاً بعيداً عن واقعِ الحياةِ الأكثر انتظاماً في المدن.. المهم.. إنّهُ وقتٌ مختلفٌ استثنائيّ عُدنا بَعدَه إلى توتّرِ الرحلةِ الطويلة.. لنصلَ في الليلِ إلى مساحات الفراغ ـ الظلام ـ الشاسعة التي ستذرفُنا لاحقاً إلى مدينة "الفاو".