صارت ملامحُهُ مألوفةً، وانتظمت زياراتُهُ لي، وأخذَ حديثُهُ يطولُ دونَ أن أجدَ مفتاحاً للغزِ صمتي أمامَهُ...
ليلةَ أمس جاءني على ظهر جواد، كأنه قد قطعَ مسافةً طويلةً ليصلَ بعدَ ستة أشهرٍ من آخر لقاءٍ بيننا...
تحدَّثَ لي عن بعضٍ من أعمالي اليوميةِ خلالَ هذهِ الفترة... وقدَّم لي نصائحه بلغةٍ مقتضبةٍ ذات رموزٍ تعلّمتُ أن أفكَّ شفراتها، وأحسستُ بعدَ غيابِهِ بأنّهُ قريبٌ منّي وهو في كلِّ مكانٍ أذهبُ إليهِ... يراقبني، ويرصدُ ما أقومُ بهِ من أفعال.
كيفَ لي أن أؤطِّرَ حياتي بطوقٍ من الرقابةِ الغريبة؟ كيفَ أتعاملُ مع سِرٍّ يتجسَّدُ لي بكاملِ الهيبةِ كلَّ ستةِ أشهرٍ؟
أراهُ... بلحيتِهِ البيضاء، وبشرتِهِ اللمّاعةِ وقوامِهِ الممشوق وعقالِهِ الأنيق وكوفيتِهِ المرقطة وعينيه الصارمتين وملابسِهِ التي تدلُّ على الوقارِ والهيبة...
أجمعُ لهُ عشراتِ الأسئلة، وحينَ يطلُّ أجدُني عاجزاً عن قولِ أيِّ حرفٍ...
وإذ تأخذُني الحيرةُ أعودُ لتأمُّلِ اليومِ الأوّلِ لتعرُّفي بهِ، في نهايةِ تلكَ الليلة الطويلة الأعسر في حياتي كُلِّها...
... مئاتُ الجثث على مدِّ البصر... وضجيجُ الزاحفين من الجنوبِ إلى الشمال، الطائراتً فوقنا... والقذائفُ المتنوّعة على الأرضَ الموحلةِ، بعضُها ميتٌ مكفهِر... امتزجت الدماء بالطينِ... بالأنّاتِ والحشرجاتِ ولهاثِ الناجين ـ حتى تلك اللحظةِ ـ من النار.
كنتُ متوجّهاً صوبَ الجنوبِ... إلى البصرةِ حيثُ سكن أهلي، بعدَ ليلةٍ من الصراعِ الغريبِ مع الموت، الذي رأيتُهُ مرّاتٍ على هيئةِ شخصٍ بشعٍ يضحكُ منّي وأنا أزوغُ عنهُ بأعجوبةٍ، والطريقُ بينَ القرنةِ والبصرةِ مزروعٌ بخطواتِ هذا الكائن الغريب ـ الموت ـ الذي يتجوَّلُ بزهوٍ وحريّةٍ لا يستطيع أحدٌ الحدَّ منها!...
عندَ الفجرِ... وقربَ آخرِ جسرٍ حيٍّ قبلَ البصرة، فاجأني رجلٌ وكأنهُ آتٍ لتوِّهِ من مجلسٍ رفيعِ المستوى... وكانَ الشيءُ المنتظمُ الوحيد في الفوضى التي تعمُّ الأشياءَ حولَنا قال لي:
ـ الله يساعدك ابني...
أجبتُهُ بالكاد:
ـ الله يساعدك عمّي!
ـ يبدو أنك قضيتَ ليلةً طويلةً من الإرهاقِ والمعاناةِ والجوع؟
ـ نعم واللهِ يا حاج!
ـ حرامٌ يا بنيَّ أن تقودَ نفسَكَ للموتِ على هذا الجسر.
وأشار بيدهِ إلى الجسرِ النائم قريباً مِنّا.
ماذا أفعلُ يا حاج؟ إنها القسمةُ!
ـ تعال إلى بيتي ذي البابِ الأزرق ذاك واسترح قليلاً ريثما تهدأ الأجواء.
ذهبنا معاً، لم أفكّر تلكَ اللحظةَ بأيِّ شيءٍ سوى الابتعادِ عن هذا الجوِّ الخانق والاسترخاء قليلاً، وربما الحصول على قطعةِ خبزٍ وقليلٍ من الماءِ العذبِ أسدُّ بهِ رمقَ الجوعِ والعطش الذين صارَ مداهما يومين داميين...
وصلنا البيت... دفعَ بيدِهِ الباب، واجهتنا صالةُ استقبالٍ مهملةٍ تراكمت فيها الأنقاض...
قال الرجل:
سنجلسُ في المطبخ، لأنَّه أكثر استعداداً لاستقبالنا!
ذهبنا إلى المطبخ المتواضع، أخرجَ الطبّاخ النفطي الصغير "الجولة" من بين حاجياتٍ قليلةٍ ركنها في إحدى الزوايا، أشعلَ (الجولة) ووضعَ المقلاةَ عليها مع قليلٍ من الزيتِ وقطّعَ رأسَي طماطم وبدأ بإعدادِ وجبةٍ من الطعام شعرتُ وأنا أتناولـهُ بعد أن قدَّم لي المقلاة بمحتوياتها مع رغيفِ خبزٍ بأنّهُ أثمن شيءٍ قُدِّمَ لي في حياتي، قال لي بممازحة:
ـ هذهِ الوجبةُ البسيطةُ هي حصتُكَ يا بني فلا تطمع بالمزيد... واطمئن فإنَّ لديك قدحاً من الشاي سأقدِّمُهُ إليكَ حالَ انتهائك من الأكل...
أجبتُهُ بجدّيةٍ:
هذا كثيرٌ يا حاج!
بعد أن أنهيتُ وجبتي الغالية، شكرته لكي أكملَ مشواري، فقالَ معترضاً:
ـ ابقَ معي حتّى الساعة الثامنة صباحاً، لأنني سمعتُ من المذياع بأنَّ الحربَ ستتوقفُ عند هذا الوقت... اخلع حذاءكَ يا بني واسترخِ قليلاً...
فعلتُ ما أرادَ... وشعرتُ بالحياةِ للمرّةِ الأولى حينَ أصغينا معاً لصوتِ تحطُّمِ الجسرِ القريب، إثر قصفِ الطائرات الوحشيّ المتواصلَ، الذي كنتُ سأهشَّمُ تحتهُ لولا تدخُلُ الرجلِ واصطحابه لي إلى بيتِهِ...
في الثامنة صباحاً قال لي بودٍّ أبويٍّ:
ـ اذهب الآن يا بنيَّ، فقد كُتِبت لك السلامة...
لم أستطع حينَها السيطرةَ على دموعي التي نزلت فجأةً، وحينَ هممتُ بالحديث معَهُ، وضعَ يدَهُ على فمي وقال:
ـ لا تَقُل شيئاً... إن جزائي عند الله تعالى...
مع السلامة...
خرجتُ من البيت، وأغلقَ عليهِ الباب، وقفتُ قريباً لأحفظَ ملامحَ المكانِ جيّداً...
وأكملت خطواتي بخفّةِ منتصرٍ صوبَ مدينتي لأنضمَّ إلى أهلي وأروي لهم ما حدثَ باستغرابٍ ودهشة.