ـ7 ـ

12 0 00

في إحدى زياراتِهِ لي اصطحبني إلى بابٍ خشبيٍّ دفعهُ بيدهِ بحذرِ لينفتحَ على ساحةٍ واسعةٍ توسطتها ثلاثُ نخلاتٍ بعلوٍّ شاهقٍ فيما ملئت الساحةُ بالطيورِ المتنوّعةِ الجميلةِ..

تجوّلتُ مَعهُ بانشراحٍ في المكان، وأطللنا بعنقينا من السياجِ الواطئِ الذي يحيطُ بالساحةِ لنرى النهرَ صافياً منساباً بهدوءٍ والأسماكُ ظاهرةٌ للعيان تسبحُ فيهِ بنشاطٍ، نظرتُ إليه إلاَّ إنّهُ اختفى فجأةً!

عدتُ إلى النخلاتِ الثلاث جلستُ تحتَ ظِلالهن ولمحتُهُ يخرجُ من البابِ..

ركضتُ خلفَهُ وحين اصطدمتُ بالبابِ المغلقِ استيقظتُ منهكاً وقد تعرَّقَ جسمي كُلُّهُ وأحسستُ بالعطشِ الشديد ونهضتُ لأعُبَّ ماءً كثيراً..

تُرى ماذا تعني هذهِ الرؤيا؟

وكيفَ تجوَّلنا هذهِ الجولةَ الساحرة الجميلة؟

ثمَّ هل هناك حقّاً مكانٌ يشبه المكانَ الذي زرناه معاً ـ أنا والرجلُ

الغريب ـ ؟

نهضتُ من فراشي بعد أنْ عرضتُ شريطاً طويلاً من ذاكرتي عن الأماكن التي زرتُها فعجزتُ عن رؤيةِ مكانٍ شبيهٍ لما حلمتُ بهِ..

أحسستُ بأنَّ الليلَ ثابت في مكانِهِ، وأنا لا أستطيعُ العودةَ إلى النومَ بعد أنْ صحوتُ منهُ مرهقاً..

تناولتُ أقربَ كتابٍ إليَّ وبدأتُ أقرأُ بهِ، وبعد أقلِّ من صفحتين أخذني الشرودُ الذهنيُّ إلى عالمٍ آخر، لم أعدْ أرى الحروفَ والكلماتِ المرصوفةَ في متنِ الكتاب، لقد دخلت صورةُ الرجلِ الغريب على الصفحاتِ لتشغلني عن القراءةِ، فأغلقتُ الكتابَ وتنهدّت وأنا أعيدُهُ إلى مكانِهِ..

لا أدري كيفَ أتعاملُ مع رؤيةِ علاقتي بهذا الرجل؟

هي ليست مصادفةً، أن تنتظمَ زياراتٍ بهذا الشكلِ العجيب من الدقّة..

والغرابةُ الأكثر تكمنُ في شفراتِ الرسائل والوصايا التي أتسلَّمُها منهُ...

هل أنسى الإشارة التي أبلغني إيّاها حولَ وفاةِ أبي؟

وهل أنسى إشارتَهُ الأُخرى حولَ مرضِ والدتي؟

حيثُ ذهبتُ إليها ووجدتُها تعاني من مرضٍ عسيرٍ في كليتيها أدّى بعدَ صراعٍ مريرٍ مَعَهُ لأكثر من شهرين في المشفى إلى وفاتها..

إنّهُ لغزٌ صَعُبَ عليَّ حلُّهُ، وبقيَ معي عصيَّ التفسيرِ والإحاطة...

بقيتُ تلكَ الليلةَ يقظاً حتّى الصباح..

هذهِ اليقظةُ المستفزّة ذكرتني بالسهرِ الجامحِ ليلةَ تحرير مدينة (الفاو)...

كنتُ مع الذينَ عبروا القناطرَ أو الجسورَ الصغيرة لاختراق ساترِ العدوّ.. الذي وضعَ في مدخلِ كُلِّ معبرٍ رشاشةً تصطادُ برصاصها المجنون كُلَّ من يحاولُ العبور باتجاههم.. وقد بذلنا بطولاتٍ نادرةً لا تُصدَّقُ للقضاءِ على أعدادِ هذه الرشاشات...

حتّى اجتزنا الساترّ المعادي لنصلَ إلى الهدف..

فيما حقّقت محاورَ القتال الأخرى وببطولاتٍ نادرةٍ أيضاً أهدافَها المرسومةَ بدقَّةٍ وتفانٍ وإخلاصٍ وتضحية.. وكانَ الصباحُ عراقياً صافياً في (الفاو) التي مازالت حتّى الآن تحتفظُ بزهورِ الشهداء العبقة وأريج دمائهم وصور بسالتهم.

ـ 8 ـ

قرّرتُ الذهابَ ثانيةً إلى بيتِهِ، إلى بابِهِ الأزرقِ الصارخ.. إلى تلكَ القرية الهادئةِ التي يخترقُها بشراسةٍ الشارعُ العامُّ الرئيسيّ الذي يربطُ بين بغداد والبصرة..

ربّما لم أنتبهْ لبعضِ التفاصيل في هذا المكان.. وربّما سأكتشفُ في زيارتي الجديدةِ أشياءً تُضافُ إلى معلوماتي وقد توصلُني إلى حلٍّ ما للَّغزِ الذي يؤرّقني..

ربّما فاتتني ملاحظة بعض التفاصيل المهمّة في داخل البيت أو في المنطقة التي يقعُ فيها.. وربّما حدَثَ أمرٌ آخر يؤكِّدُ علاقةَ الرجلِ الغريب بذلك المكان!

اتفقتُ مع سائقِ سيّارةِ أجرةٍ على أنْ ينقلَني إلى المكانِ المطلوب، وأنْ ينتظرَني على رصيفِ الشارع العام، ريثما أُنهي العمل الذي أنا بصددِ إنجازِهِ في تلك المنطقة، وأخبرتُهُ بأنَّ مدّةَ انتظارِهِ لن تزيدَ على النصفِ ساعة حتماً..

وقد لاحظتُ حيرةَ السائقِ في أمري وهوَ يتأمّلني متسائلاً في قرارةِ نفسِهِ عن جدّيتي في هذهِ الرحلة.. وحاولَ طوالَ الطريق أنْ يستدرجني لمعرفةِ سرِّ رحلتي دونَ جدوى.. عند وصولِنا، طلبتُ من السائقِ التوقُّفَ قريباً من المكان الذي أنوي زيارتَهُ.. فتوقّفَ على بُعدِ خمسين متراً من بيتِ الرجلِ الغريب، وطلبتُ منهُ المكوثَ في سيارتِهِ وانتظاري..

ذهبتُ مشياً إلى البيت.. تلفتُّ مرتين لأرى السائقَ وقد زرعَ عينيهِ إثرَ خطواتي وقدّ قتلَهُ الفضولُ لمعرفة السر العجيب لرحلتي هذهِ..

وصلتُ البيتَ وقد شعرتُ بأنّهُ ازدادَ إهمالاً وعزلةً وتراكمَ الصدأُ على السلسلةِ الحديدية التي تمسكُ بالقفلِ الضخمِ، الأشياءُ كما هي.. فاجأني طائرٌ محلّقٌ من داخلِ البيت صافقاً بجناحيهِ.. لم أتبيّنْ ماهيّةَ هذا الطير..

أطللتُ برأسي من وراء السياج... الفوضى ذاتها، ولا دليل على وجود أيِّ نوعٍ من الحياة في هذا المكان الذي يبدو منعزلاً منذُ قرونٍ..

تجوَّلتُ قريباً من البيت، تأمّلتُ البيوتَ المحيطةَ بهِ، الأبواب والشبابيك التي تعلنُ الفقرَ وتتبنّاه، والأطفال بصخبهم وألعابهم وهم يرتدونَ دشايشَ ملوَّنةً حالتْ ألوانُها وهي ملطّخةٌ بالطينِ، وهم يتصايحونَ مع بعضهم البعض.. استغربوا وجودي قربهم وأنا أنظرُ إلى الأشياء بتفرُّسٍ عميق..

المهم، لم أُلاحِظْ شيئاً يجلبُ الانتباه في كلِّ ما رأيتُ، وقد غادرتُ المكانَ بهدوءٍ لأجدَ السائقَ بانتظاري، وعُدنا إلى المدينةِ..

في الطريقَِ حاولَ ثانيةً أن يستدرجني للحديثِ عن مهمّتي، مع إعلانِهِ التمنيات القلبيّة في أن تكونَ قَدْ انقضتْ بالخيرِ والسلامة!

وفي كلِّ سؤالٍ نابعٍ من فضولِهِ، أقدِّمُ لهُ إجابةً مموَّهةً تزيدُ من حيرتِهِ!، في أغربِ "أُجرةٍ" في حياتِهِ حتّى الآن ـ حسب اعترافِهِ ـ أو حسب ـ صرخةِ فضولِهِ ـ التي أطلقَها عليَّ في اللحظةِ التي سلّمتُهُ أجرتَهُ وودّعتُهُ..

لم أخبرْ أحداً بهذهِ الزيارةِ، واكتفيتُ من تأكيدِ قناعاتي حولَ الاستنتاجات التي حققّتْها زيارتي الأولى لهذا البيت المهجور الذي كانَ ملاذاً لي في يومٍ ما!.

وبقيتُ منتظراً زيارةً جديدةً من الرجلِ الغريب ربّما تتضّمنُ إجاباتٍ تنطلقُ من رحلتي اليائسةِ إلى البيت..

وبعد انتهاء رحلتي وعودتي إلى مدينتي مع السائقِ المذهول! انتهزتُ الفرصةَ لقضاءِ مُدّةٍ قصيرةٍ في عالم مدينتي وإطفاء بعض ِالشوقِ لمرتعِ طفولتي وصباي وشبابي ووثوبي في عوالمِ الإفصاحِ الأوّل عن ذاتي، تجوّلتُ في الأزقّةِ..

وبحثتُ في المقاهي عن وجهٍ أعرفُهُ، عن صديقٍ مازالَ معتصماً في إحدى الزوايا التي كنّا نرتادُها، في أيّامِ الإجازات أذهبُ مباشرةً إلى (مقهى الحاج محمود) التقي فيهِ بلا موعدٍ مسبقٍ مع عددٍ من أصدقائي لنحتفيَ ببعضنا، نسألُ عن أخبارِ الآخرين من الأصدقاء.. عمّن جاء أو رحلَ أو عمّنْ جُرَحَ أو استشهدَ..

في إحدى المرّات التقيتُ (منصوراً)، كانَ يجلسُ وحدَهُ في المقهى، وفاجأنا القصفُ المعادي الشديد على المدينةِ، انزوينا في مكانٍ آمنٍ داخل المقهى، نتحدّثُ عن الثقافةِ والأدبِ ونستعرضُ أسماءَ أصدقائنا.. ووصلنا إلى اتفاقٍ جنونيٍّ هو الذهابِ سيراً من (المقهى) في (محلة الجمهورية) إلى (محلة الحكيميّة) التي تبعدُ أكثر من خمسمائة متر لرؤية صديقنا (رعد) في بيتِهِ..

ذهبنا تحتَ وابلِ القصف، نتخفّى وراءَ الجدرانِ وبينَ الحُفرِ حتّى وصلنا إليه.. لنصيبَهُ بالدهشةِ وهو يرانا في هذا الظرفِ العصيب...

ـ معقولة!..

قالها غير مصدّقٍ، وسحبنا سريعاً للدخولِ إلى بيتِهِ والاختفاء عن القذائف والشظايا المجنونةِ..

جلسنا معه ساعاتٍ بعدَ القصفِ نتبادلُ الحديثَ عن الحربِ والأصدقاء وآخر القراءات والنصوص الأدبية.. لم تكنْ (الفاو) حينَها قَدْ عادت إلى أحضانِ الوطن.. وكنتُ في موقعي القديم في القاطع الأوسط أواصلُ أداءَ خدمتي الإلزامية في صفوفِ الجيش..

بينما يواصلُ (رعد) دراستَهُ العليا لنيل شهادة الماجستير في الأدب العربي...

حدّثتُهمْ عن الجبهاتِ وطقوسِها وعن رفاقي هناك، عن مصيرنا المشترك ومدى التعاونِ اللاّمتناهي بيننا، حدّثتُهُمْ عن وحشةِ الليلِ التي تتفاقمُ فيه شهوةُ الموتِ وانتظارنا المتوقّد لسهامِهِ..

عن القمرِ والنجومِ والترقُب..

عن اشتياقِنا للنساءِ والمدنِ وأمنيات السير بكامل قاماتنا تحتَ الضوءِ بلا تهديدٍ من قنّاصٍ أو من قذيفةِ هاونٍ أو شظيّة تائهة!

حدّثتُهم عن بعضٍ ما جرى لي أثناءَ مشاركتي في واجبات الدوريّةِ القتاليّة أو التعرُّض المباشر لقطعات العدوّ.. أو للهجومات الكبيرة التي تشبهُ الكوابيس الثقيلةَ..

حدّثتُهُمْ عن غيابِ الرفاقِ المفاجئ إثر شظيّةٍ أو رصاصةٍ أو قنبلةٍ مراهقة!

وبعدَ أن افترقنا.. لم نجتمعْ نحنُ الثلاثة.. حتّى الآن...

تفرَّقْنا في مشاربِ الحياة...

فقد حصلَ (رعد) على شهادة الدكتوراه ورحلَ إلى قطرٍ عربيٍّ لممارسةِ التدريس..

وحصل (منصور) على شهادة الدكتوراه أيضاً وظلَّ متمسكاً بسكنِهِ في (البصرة) يمارسُ التدريس في جامعتها.. فيما أقمتُ في (بغداد) للكتابةِ والعمل والحياة!.