ـ 9 ـ

10 0 00

مضى أكثر من أسبوعٍ على موعدِ زيارتِهِ المعتاد، الأمرُ الذي أقلقني، ذلك إنّني توقّعتُ حلولاً لبعضِ الأسئلةِ التي تفاقمت في زيارتِهِ المنتظرة، لأنّها ستأتي بعد حادِثةِ ذهابي مرّةً ثانية إلى البيت الذي التقينا فيه أوّلَ مرّةٍ..

في اليوم الثامنِ بعدَ الموعدِ لم أستطع النومَ في الليل.. وعندَ تسرُّبِ الفجرِ أبدلتُ ملابسي وخرجتُ إلى المدينةِ التي مازالت مستسلمةً لخدرِ الفجرِ، الشوارعُ فارغةٌ إلاَّ من القططِ وأنقاضِ ضجيجِ السوق وبعض المتسكّعين الذين تمدّدوا في الزوايا هنا وهناك..

مررتُ على تمثال (معروف الرصافي) المتسائل بسخريةٍ حزينةٍ! وتوّجهتُ إلى الشاطئ المحاذي لنهوض "جسر الشهداء"، نزلتُ بصعوبةٍ إلى الجرفِ بسبب عدم انتظام الرصيف وشدّة انحدارِهِ، جلستُ قربَ المياهِ، مددتُ ساقايَّ في مياهِ الجرفِ الباردة، واغترفتُ بكفيَّ قليلاً من الماء غسلتُ بها وجهي، بينما بدأت الشمسُ بالارتفاع الخجول، هناك أسرابٌ من النوارسِ البيض المحتفلة بلثغةِ الصباحِ الأولى، وهناكَ زوارقُ صغيرةً يتقرفصُ في أجوافها الصيّادونَ وهم يجمعونَ نثاراتِ شباكهم المنصوبة في الليل لجمع الصيدِ من أسماكِ النهر اللذيذة الغالية الثمن..

تعبُ السهرِ ونسائمُ الفجرِ منحاني لذّةَ استرخاءٍ آسرةً غفوتُ على إثرها.. شعرتُ بتحرُّرٍ غريبٍ وأنا أرى سرباً من أسرابِ النوارسِ تتوجَّهُ نحوي، ثمَّ تجمّعتْ حولي وحملتني، شعرتُ ببساطٍ أبيض من الأجنحةِ المتلاحمة يمتدُّ تحتي.. وأنا أحلِّقُ فوقَ هدوءِ مياه النهرِ.. وأرى الزوارقَ والصّيادينَ والأمواجَ المتناسقةَ في بوحِها الصافي.. مررتُ من تحتَ الجسرِ..

إلى أينَ تأخذُني أيُّها البساطُ الأبيضُ الطائر؟

إلى أينَ أيتُّها النوارسُ؟

ـ إلى الجانبِ الآخرِ من النهر (جاءني الصوتُ من مكانٍ ما لم أستطعْ تحديدَهُ)!

لمحتُ من عليائي شيخاً ينزلُ إلى جرفِ النهرِ، إنّهُ يتوضّأُ لأداءِ الصلاة.. يا إلهي إنّهُ صاحبي! ماذا يفعلُ هنا؟

لمحتُهُ وأنا في وسطِ النهرِ، تمنيتُ أن أذهب إليهِ، أنْ أركضَ سريعاً باتجاهِهِ.. أنْ أُحدِّثَهُ هذهِ المرّةَ، فأنا أستطيعُ الآنَ الكلامَ في حضرتِهِ، هكذا أحسستُ، ولكنْ كيفَ لي أن أوجِّهَ دفّةَ البساطِ الطائرِ الذي يحملني باتجاهِهِ؟..

حاولتُ مناداته بصوتٍ عالٍ سيصلُ إلى مسامِعِهِ حتماً في هذا الهدوءِ السحريّ.. لكني لم أستطع إطلاقَ صوتي، وهاهو ينسحب بهدوءٍ إلى كتلةِ القصبِ القريبة من النهرِ ويغيبُ في ثناياها ليصعدَ ـ بالتأكيد ـ إلى رصيفِ الشارع المحاذي للنهرِ من ضفتهِ الثانية..

هاأنذا أفقدُ أثرَهُ، شعرتُ بالأسى الشديد، وسحبتُ نفسي تدريجيّاً من البساط، وأطلقتُ أقدامي في الفضاءِ فوقَ النهر، لأصحو بفزعٍ وقد وجدتُ نفسي مستلقياً في المياهِ الضحلةِ على جرفِ النهر، يا لهُ من حلمٍ جميلٍ، ويا لها من نهايةٍ ساخرة!..

انسحبتُ بسرعةٍ كي لا يراني أحدٌ في هذا الصباح بملابسي المبلّلة، وحذائي الملطّخ بالطين وعينيَّ الحمراوين... عُدتُ متلصّصاً إلى غرفتي في الفندق، استبدلتُ ملابسي بعد أن اغتسلتُ جيّداً لأنام َنوماً عميقاً..

سرعانَ ما أطلَّ عليَّ الرجلُ الغريبُ مبتسماً، حاولتُ أن أصرخَ بوجهِهِ فلم أستطعْ، أحسستُ مرّةً أُخرى بأنني مقيد لا أستطيعُ الكلامَ ولا الحركة، تجوَّلَ بقربي جيئةً وذهاباً وأطرقَ قليلاً ثمَّ رفعَ رأسَهُ وبعينين برّاقتين قال لي:

ـ لا تذهبْ ثانيةً إلى ذلك البيت، لأنّك قَدْ تتعرَّضُ لأذىً لا أريدُهُ لكَ، واتركْ الأسئلةَ التي تحاولُ إطلاقَها عليَّ، أنا لستُ غريباً!.. ألم تَرَني هذا الصباح؟ لقد تأخّرتُ هذهِ المرَّةَ بسببِ رحلتّكَ المجنونة التي لا أحبّذُها إلى ذلك البيت البعيد.. وإذا تكرّرتْ هذهِ الرحلة سوفَ انقطعُ عنكَ نهائياً، ولا تظُنّ انقطاعي أمراً سهلاً عليكَ بعد أنْ عرفتني، إنّهُ سيعرِّضُكَ إلى متاعبَ لا تتوقّعها...

ثمّ غابَ عني، يا للهول!.. ما الذي يحدثُ؟.. لقد ولّدت الأسئلةُ القديمةُ سلسلةً من الأسئلةِ الجديدةِ وفتحت أقبيةً لحيرةٍ لا قرارَ فيها وولّدتْ هذهِ المرّة رغبةً حقيقيةً في التخلُّصِ من هذهِ الرابطةِ العجيبة!....

عُدتُ إلى النومِ بعد أنْ شعرتُ ببوادر حُمّى، وصحوتُ بعدَ الظهيرةِ على طرَقاتٍ قويّة على بابِ غرفتي، نهضتُ بسرعةٍ وارتباكٍ وفتحتُ الباب بقلقٍ، أطلَّ عليَّ عاملُ الفندقِ قائلاً أنَّ هناك نداءً هاتفياً يطلبني من البصرة..

سارعتُ بارتداءِ ملابسي والنزول إلى الاستعلامات التي يستقرُّ بها جهاز الهاتف الوحيد.. رفعتُ السّماعةَ الملقاةَ بعبثٍ على المائدة الضخمة، وسمعتُ من الطرفِ الآخر صوتَ أخي الأصغر (حازم) يطلبُ منّي ضرورة المجيء إلى البصرة لأنَّ عمّي (وهو الحيُّ الوحيدُ من أعمامي) قَدْ توفي صباحَ هذا اليوم!..

ـ حسناً.. سآتي.. البقاء في حياتكم..

وأغلقتُ سمّاعةَ الهاتف...

لاحظَ صاحبُ الفندقِ الجالس خلفَ مكتبِهِ تعبي وحيرتي ومن المفردات القليلةِ التي ردّدتُها على مسامِعهِ من خلال حديثي عبر الهاتف استنتجَ إنَّ وفاةً ما قَدْ ألّمتْ بأحد اللذين يهمُّني أمرُهم..

فأجبتُهُ باقتضابٍ حزينٍ: إنّهُ عمّي...

ثمَّ طلبتُ منهُ تسليفي مبلغاً من المال ـ يُضاف إلى قائمةِ حسابي التي لديه والتي ستسدّدُ حتماً! ـ من أجلِ الذهاب إلى البصرة وحضور مجلس الفاتحة..

فاستجاب لطلبي سريعاً وأعطاني المبلغ المطلوب لأنَّ في الأمرِ ثواباً.. كما قال..

تجمعُ مجالسُ الفاتحةِ ـ دائماً ـ جميعَ الوجوهِ الغائبةِ من الأهلِ والأقرباء والأصدقاء... وهاأنذا ألتقي بأصدقاءٍ لم أرَهم منذُ ثلاثين عاماً، افترقتُ عنهم بعد انقضاء السنة الدراسية الوحيدة التي درستُ فيها في قريتي.. تذكّرتُ معهم أيّامَ الفيضانِ وعسرِ الظروف الدراسيّة ووجوه بعض المعلّمين الذين فارقَ بعضهم الحياة تاركينَ في نفوسِنا آثاراً إيجابيّةً كبيرةً....

سرقتُ نفسي من ضجيجِ التجمُّع في أحد المساءات، وتسللَّتُ إلى كتفِ نهرِ الفراتِ القريبِ من القريةِ، لأتأمّلَ ما تغيَّر فيهِ ولأجلسَ قليلاً على جذعِ نخلةٍ مرميٍّ على السدّةِ الترابيّةِ العالية متأمّلاً فوضى القصبِ والبرديّ و(الجولان) التي تفصلُ السدّةَ عن مياه النهر..

المنظرُ يوحي بالعزلةِ والإهمالِ ولا أثرَ للحياةِ التي كانت صاخبةً يوماً ما فيه، حيثُ زوارقُ العبور و(المعيبر) الذي ينقلُ الأشخاصَ والبضائعَ بمرحٍ من ضفةٍ إلى ضفةٍٍ أخرى من أجلِ أنْ يبتاعوا حاجياتهم أو أن يبيعوا بعضاً من منتجاتِهم اليدويّة البسيطة..

تذكّرتُ مهابةَ الزوارقِ الكبيرةِ التي تسيرُ في وسطِ النهر وهي تحملُ عدداً كبيراً من الرجالِ شبه العُراة وهم يحملون (المجاذيف) الضخمة وينزلونها في الماء لتحريكِ الزورقِ كي يشقَّ المياه العميقة.. وهناكَ بعضُ الزوارق تستخدم الأشرعةَ تعينُها الريحُ في مسيرتِها...

استعدتُ صباحاتِ العيدِ، حيثُ تُفرشُ في (صرائفنا) ـ المبنيّةِ من القصبِ والبردي ـ قطعُ السجادِ النظيفة وتعلِّقُ أعوادُ البخورِ في الأعمدةِ التي تتوسّطُ (الصرائف)، نلبسُ دشاديشنا الملوّنةَ الجديدةَ و(نعايُد) الآباء والأمَّهات والأخوال والأقرباء ويقدّمونَ لنا (عيديّةً) نطيرُ فيها من الفرحِ وهي عبارة عن قطعةِ نقودٍ من فئةِ الخمسين أو المائة فلس!

ثمَّ يصطحبنا آباؤنا إلى النهر حيثُ (المعيبر) المرح الذي يبدو في مثلِ هذا اليوم مثلَ مهرِّجٍ يبذلُ قصارى جهدَهُ لإضحاكنا ثمَّ ينقلُنا بزورقِهِ الصغير بعد أن نضاعف له الأجرة إلى (المدينة) الصغيرة ذات السوق المزدحم دائماً، لنجلس في مطعمها (الشهير) بينَ أبناءِ قريتنا لنأكلَ الكبابَ الذي ارتبطَ بأذهاننا ارتباطاً قويّاً بزيارةِ المدينة!

ثمَّ نجلسُ في المقهى القريب لاحتساء (الحامض) وسماع أغنيات العيد بصوتٍ عالٍ من المذياع الضخمِ الذي يقبعُ في رفٍّ مرتفعٍ في إحدى زوايا المقهى!

بعدَها نقومُ بجولةٍ في السوقِ لنبتاعَ دجاجةً حيّةً نأخذُها معنا لذبحها والغداء بلحمها في اليوم الثاني من العيد.

وبعد الظهرِ يشتدُّ هوسُنا للذهابِ إلى الأراجيحِ المصنوعةِ بين جذوعِ أشجار النخيل العالية المتقاربة.. نتأرجحُ في حبالِها حدَّ الإعياءِ ثمَّ نعودُ مبكّرين إلى خفوتِ الضوءِ في أجوافِ بيوتنا العائمة لننامَ سريعاً استعداداً لصباحٍ قادمٍ تتكرَّرُ فيهِ مفرداتُ الحياةِ اليوميّة المألوفة!

أجملُ ما في القريةِ هدوءها، وأطيبُ ما فيها هواؤها النقيُّ المتسرِّبُ من بينِ سعفاتِ النخيلِ.. تنشّقتُهُ بشوقٍ وأنا أجلسُ على الجذعِ المُلقى على سدَّةِ النهر، ونزلتْ دمعات مفاجئة من عينيَّ وأنا أعيدُ شريطَ الذكريات الذي أشعرني بحاجةٍ إلى العودةِ على تلكَ البراءةِ غير المتناهية والحياة البسيطة السابحةِ بالودِّ والأُلفةِ وأرقى التعبيرات الإنسانية..

كانَ الشبابُ بيننا ـ آنذاك ـ مغرمينَ بسماعِ أغنيات "أم كلثوم" الصادحة في ليالي (الخميس) من كلِّ أسبوعٍ وتراهم يسهرونَ إلى ساعةٍ متأخّرةٍ من أجلها، بعضُهم يجتمعُ مع أصدقاءٍ آخرين حولَ مذياعٍ واحدٍ كبير والبعضُ الآخر يفضِّلُ الاستلقاءَ في فراشِ نومِهِ ووضع المذياع الصغير إلى جانبِهِ مع تدخينِ سيجارةٍ أو اثنتين بمنتهى السريّةِ لأنّها تمثّلُ انتهاكاً صارخاً لوصايا الآباء الصارمة!