ـ 10 ـ

10 0 00

هل تغيّرتْ حياتي حقّاً؟

هل بدأت الأشياءُ تأخذُ معاني وتعبيراتٍ مختلفةً؟!

أكادُ أصدِّقُ.. إنَّ ما يحدثُ لي ينتمي إلى عالمِ الخوارقِ التي لم أكنْ أؤمنُ بها قبل الذي حدث لي..

بدأتْ عزلتي تزداد، وأدمنتُ قراءة الكتبِ والمطبوعات التي تُعنى بدراسةِ الخوارق (الباراسايكولوجي)، علّني أجدُ تفسيراً مقنعاً لما يحدث..

تعرَّفتُ على معلوماتٍ جديدةٍ وحالاتٍ كنتُ في ما مضى أعدُّها أوهاماً أو من بناتِ الخيال القصدُ منها الإثارة..

عرفتُ الكثيرَ من التسميات والمصطلحات إلاّ إنَّ حيرتي ازدادت وأنا أبحثُ عن تفسيراتٍ ـ أية تفسيرات ـ لزيارات الرجلِ الغريب!

ثمّ.. كيفَ يحصلُ هذا الانتظام في مواعيدها؟ هل هو انتظامٌ ذهنيٌ وفّرهُ انشغالي النفسي بالأمرِ ليكونَ بهذا الشكل؟ أم هو نوعٌ من العلاقاتِ الغرائبيةِ التي تتعلّقُ بهيمنةِ عالمِ الغيبيّات وفكرة اختراق العالم الآخر، تُرى أيُّ عالمٍ آخر أقصدُ؟!... عالم الأثير والكائنات الأُخرى التي طالما سمعنا وقرأنا عنها؟!

تذكّرتُ جملةً من حوارٍ ورد في أحد الأفلامِ الأجنبيّةِ التي تتناولُ موضوعة "الأشباح" تقولُ الجملةُ على لسانِ إحدى بطلات الفيلم "الموت.. هو انتقالُ من وعيٍ إلى وعيٍ آخر"!..

تُرى كيفَ نتسلَّلُ إلى مجهولِ الوعي الآخر؟!

هل هناكَ نوافذُ أو أبواب تؤدّي إلى ذلك الوعي غير فكرة الموت الذي هو "الحقيقةُ الوحيدةُ" كما قيل عنها؟! لا أحَد يجيبُ على هذه الأسئلةِ التي هي أكثر تعقيداً وإيهاماً.. وأنا أزادادُ حيرةً.. وتأمُّلاً.. وبحثاً..

أبدلتُ كل الأماكنِ التي أرتادُها لكي لا يراني أحدٌ أعرفُهُ ويعرفني!.. ولا أعرفُ لماذا اتخذتُ هذا القرار الغريب!

المقهى.. غير المقهى الذي كنتُ أرتادُهُ ويعرفني زبائنُهُ وعاملوهُ وأصحابُهُ وحتّى المتسوّلون الذين يتردّدونَ عليهِ.. كما أبدلتُ سكني بالفندق بفندقٍ آخر أكثر بؤساً..

أصبحتُ وحيداً.. تماماً!

أجلسُ بمفردي في مقهىً لا يعرفني فيهِ أحدٌ، أطلبُ شاياً ثم أركيلة وأظلُّ جالساً ساعاتٍ حتّى يحينَ موعدُ دوامي اليومي ـ الذي حوّلتُ توقيتّهُ إلى المساءِ ـ لأذهبَ وأقضيَ معظمَ ساعاتِ الليلِ فيهِ، ثمَّ أنحدرُ قبلَ إطلالةِ الفجرِ إلى غرفتي في الفندق..

اشتدَّ حدسي تجاهَ معرفةِ الأشياء المبهمة، وأصبحتُ أشيرُ إلى أحداثٍ سوفَ تقعُ من خلالِ تبياني لها عبرَ صورةٍ مكثّفةٍ غريبةٍ يشرعُها رأسي.. ويجعلني التركيز الشديد عليها قادراً على تسمية ماهيتها..

صرتُ أحلمُ أحلاماً كثيرةً تتجسَّدُ مرادفاتها في اليومِ التالي أو اليوم الذي يليه!.. ما جعلَ الحلمَ العابرَ في منامي في ساعات الليل القليلة هو الذي يقرّرُ حماستي لليومِ التالي، وفي صباحاتٍ كثيرةٍ أنهضُ من النومِ كئيباً إثرَ حلمٍ يشيرُ إلى حدوثِ شيءٍ مزعج!.. لا أدري طبعاً ما هو وكيفَ سيحدثُ، وبالفعل يعترضني في ذلك اليوم أمرٌ مزعجٌ وعندَ انتهاء غمّتهِ وفراغي من معاناتِهِ أحمدُ الله كثيراً لأنني وضعتُ احتمالَ السوءِ الأكبرِ فيه!

وعلى العكس من ذلك تراني سعيداً مبتهجاً في اليومِ الذي يلي رؤيتي لحلمٍ يشيرُ إلى حدوث أمرٍ سارٍ!

قرأتُ مؤلفاتٍ عن (تفسير الأحلام) ولم أقتنعْ!

وقرأتُ مؤلفاتٍ أخرى عن تحليلها النفسي ولم أقتنعْ أيضاً! وأصبحتُ أسيرَ حالاتٍ غرائبيّةٍ..

في الجنوب.. في البصرة.. في قضاء (المدينة).. في قرية (الخاص) على الطرفِ الآخرِ من النهرِ رؤى آباؤنا لنا عن سدرةٍ معمّرةٍ كثيرة التشعُّباتِ في أغصانِها.. هذهِ السدرةُ لا يجرؤ أحدٌ على المرورِ من أمامها أثناءَ الليل، لأنَّ سكانَ البيوتِ القريبة منها، تلك البيوت الغارقة في غابةٍ عاليةٍ مكتظّةٍ من النخيلِ يسمعونَ في الليلِ أصواتَ نساءٍ يبكينَ بعويلٍ مخيفٍ مشوبٍ بأصواتٍ مبهمةٍ متداخلةٍ، ويقالُ عن السدرةِ أيضاً، أنَّ أحدَ الحمقى أرادَ أنْ يقطعَ غصناً منها في وضحِ النهارِ، إلاَّ أنهُ فوجئَ بنزفٍ دمويٍّ يخرجُ من الجرحِ الذي أحدثّهُ في جسدِها، وقيلَ إنهُ رأى وجوهاً وأشكالاً بشريّةً تطلُّ عليهِ ويداً ضغطتْ بقوّةٍ على رأسِهِ الأمرُ الذي أفقدَهُ عقلَهُ، وهاهو.. منذُ ذلك الحين وهو يتنقَّلُ بينَ الأزقّةِ والشوارع بثيابٍ رثّةٍ ممزّقة والصغارُ يضربونَهُ بالحجارة ويجرونَ خلفَهُ وهم يصفّقون ويمرحونَ ساخرين منهُ!

بالطبعِ، كانت جدّاتُنا يجمعننا حولَ المواقدِ في ليالي الشتاءِ الطويلةِ ويقصصنَ علينا حكايا عجيبةً تتعلّقُ بالمخلوقاتِ الأُخرى والعوالم التي لا نستطيعُ إدراكها..

وعن الرجال الذين يتزوّجونَ الجنيّاتِ..

وعن النساءِ اللائي يتزوجونَ رجالاً من الجنِّ وعن أطفالهم وعوائلهم وقبائلهم..

ويحذرننا من الظلام ومن الذهاب إلى تشابك النخيل في الليل لأنّنا قَدْ نُصابُ بأذىً من قبلِ هذه المخلوقات.. ويوردنَ لنا الكثيرَ من الحكايا الخرافيَة، وهي حكايا مسلّية ـ على أيّةِ حالٍ، تشبهُ حكايا "ألف ليلة وليلة" المعروفة بسعةِ الخيال والتعرُّض للخرافاتِ والخوارق من أجلِ تحقيقِ متعة أكبر!

تُرى أينَ ذهبَ تشابكُ تفكيري؟

وكيفَ لي أن أتعاملَ مع لغزٍ يشبهُ الحكايا التي كنتُ أغرقُ في تأمُّلِ أجوائها وأنا في سهلِ طفولتي؟ تذكّرتُ الفجرَ الذي قضيتُهُ على شاطئِ النهر، ومشهدَ القصبِ والبردي الذي شاهدتُهُ من على بساط الحلمِ الطائرِ بأجنحةِ النوارسِ، والرجل الغريب الذي توضّأ واختفى..

وقصدتُ ذلك المكان..

كنتُ في خشيةٍ من عبثِ محاولتي هذهِ، وعبرتُ الجسرَ مشياً وأنا أتابعُ المياهَ التي انحسرتْ كثيراً وبقع الأرض الخضراء البارزة وسط النهر.. والباحثينَ عن وهمٍ يتعلَّقُ بانهماكهم بتصفيةِ المياهِ بالغرابيلِ للعثورِ على حبّاتٍ منسيّةٍ من الذهب، بسببِ قُربِ جرفِ النهر من شريطِ محلات الصاغة المنتشرين في "شارع النهر" الشهير في أزيائِهِ وصاغتِهِ وعدد الفتيات الكبير الذي يغرقُ فيه الشارعُ وبالذات في الأُماسي الربيعيّةِ البغداديّة الباردة..

اقتربتُ من الطرفِ الثاني للجسرِ وأطللتُ على التمثالِ الشامخ لشهيدٍ معروفٍ.. وحرفتُ خطواتي إلى اليسار حيثُ اتجاه هدفي القريب..

مررتُ على باعةِ السمكِ الحيّ وهم يتنافسونَ في ما بينهم ويتغامزونَ بلغةٍ لا يفهمها غيرُهم، توجّهتُ إلى الرصيفِ الإسمنتي الواطئ الذي يؤدّي إلى النهر.. ومشيتُ مسافةً تزيدُ على المائة كيلومتراً حتّى وصلتُ إلى مدخلٍ أستطيعُ النزولَ منهُ إلى الجرف وإلى الأحراشِ الصغيرةِ هناك حيثُ القصب المحتشد بفوضى والذي شاهدتُ فيهِ الرجلَ الغريب وهو يتوضّأُ..

مشيتُ في طريقٍ طينيٍّ كلّما توغّلتُ فيهِ باتجاه النهر ازدادتْ قاماتُ القصبِ المكتظّ ارتفاعاً.. حتّى ضاعت قامتي في القصبِ ثمَّ أطللتُ على النهرِ من خلال الفسحة التي تفصلُ بين جانبي كتلة القصب.. لفتَ انتباهي صوتُ حركةٍ قريبةٍ، ظننتُها صادرةً من كلبٍ أو قطٍّ أو أيّ حيوانٍ تسلَّل إلى هذهِ العزلة.. وحينَ تطلّعتُ إلى جهةِ الصوت شاهدتُ امرأتين تلفعتا بعبائَتين وهما جالستانِ على صخرةٍ كبيرةٍ استقرّت بقوّةٍ في طيفِ الجرف...

وقد امتدّتْ سيقانُ المرأتين في الماء.. تواريتُ سريعاً بين أعواد القصبِ لأرى ماذا تفعلُ هاتان المرأتان!

رأيتُ إحداهُنَّ تتخلّى عن عباءتِها، وتكشفُ عن قطعةِ قماشٍ لفّتْ فيها طفلاً ـ على ما أظنُّ ـ فيما أخرجت المرأة الثانية إناء ألمنيوم متوسّط الحجم (صينيّة)، احتضنت المرأةُ قطعةَ القماشِ التي تضمُّ طفلاً وقبَلتْها، ثمَّ تركتْها مع تيار الماءِ الجاري بهدوء ودفعتْها برفقٍ بيدها..

ووضعت المرأة الثانية الإناء المصنوع من الألمنيوم مع تيار الماء أيضاً بعد أن ثبتتْ فيهِ بواسطة كتلةٍ من الطين عدداً من الشموعِ وأعواد الآسنِ وقبضاتٍ من الحنّاءِ وقطع الحلوى وقد أشعلت الشموع ودفعت الإناء في انسياب الماء الهادئ..

ثمَّ غرقتْ المرأتان بنوبةٍ عميقةٍ من البكاء بعد أنْ تحاضنتا بلهفةٍ!..

خمّنتُ أَنّها عمليةً تاليةً لخطيئةٍ، توبةً وطلبُ غفران..، أو هي طقوسٌ متّفقٌ عليها تتعلّقُ بمشكلاتٍ نسائيةٍ من الصعب الاستدلال عليها بشكلٍ دقيق..

أو إنّهُ الحبُّ.. وأيُّ حبٍّ؟

رأيتُ المرأة التي رمت قطعة القماش التي تضمُّ طفلاً تسحبُ ـ وهي جالسةً ـ من خلفها حقيبةً تبدو مليئةً ثمَّ حملتْها وطوّحتْ بها بكلِّ ما تملكُ من قوّة إلى النهر.. لتنسابَ بهدوءٍ خلفَ قطعة القماش و(صينيّة) الشموع والحنّاء والآس والحلوى والطين..

بقيتُ في مخبأي أراقبُ هذهِ العملية السريّةَ الغريبةَ وأسترجعُ صوراً وقصصاً في الخطيئةِ والحبِّ وجنونِهِ وتذكّرت زميلاً لي في الدراسةِ الجامعيةِ كانَ اسمُهُ (زامل) وقصّة حبِّهِ الأشهر بيننا لزميلتنا (لمياء)..

تلكَ القصّةُ التي مازال جميعُ زملائنا حتّى الآن يتذكّرونَ بحزنٍ وألمٍ تفاصيلها..

إذ أنَّ (زامل) شابٌ ريفيٌّ ذكيٌّ مقبول الشكل استطاعَ في الأيّامِ الأولى من عامِنا الدراسيِّ الأوّل أنْ يحظى باهتمامِ الأساتذة، والطلاب على حدٍّ سواء بسبب ذكائِهِ

والتزامه ومتابعتِهِ لمادّة الدرس وتحضيِرِه الجيّد لها...

و(لمياء) فتاةٌ من بغداد جميلةٌ جدّاً وهادئةً وهي ذكيّةٌ ملتزمةٌ تسبقُنا جميعاً إلى الحلولِ الصحيحة أثناء توجيهِ سؤالٍ من الأستاذ إلى الطلبةِ أثناء المحاضرة، و(للمياء) ولعٌ شديدٌ في دراستِها وحرصٌ عالٍ على التفوّقِ فيها..

ولأنَّ (زامل) منافسُها الوحيد بيننا، فقد اقتربتْ منهُ ليجلسا متقاربين من بعضهما في قاعةِ الدرس، وحين يحينُ موعدُ الاستراحةِ بين محاضرتين يظلُّ كلاهما منهمكاً بماّدةِ الدرسِ ومناقشتها والتشاور حولَ حلولِ مسائلها الصعبة..

وحتّى في (نادي الطلاب) فقد كانا يجلسان معاً، ويشربان الشايَ معاً، ويتمشيانِ معاً، وبعدَ الانتهاء من المحاضراتِ يخرجانِ من الكليةِ معاً، يوصلُها (زاملُ) إلى مبنى القسم الداخلي الخاص بالطالبات ويواصلُ سيَرهُ المنتشي إلى مبنى القسم الداخلي الخاص بنا نحن الطلاب..

لا أحد مِنّا يعرفُ تفاصيلَ ما يدورُ بين طرفيِّ معادلة هذا الثنائيّ الرائع الذي تمنّى كلُّ طالبٍ منّا أنْ يكونَ طرفه الآخر!

ولأن (زامل) شابٌ ريفيٌّ قضى حياته كُلَّها بعيداً عن مخالطةِ الفتيات والتحاور المباشر معهن والتعامُل بهذهِ الدرجةِ من التقارب.. فقد سقط بعنفٍ وقسوةٍ في حبِّ (لمياء)... ولأنَّ (لمياء) فتاةٌ بغداديّةً من عائلةٍ متفتّحةٍ وتعرفُ كيفيّةَ وحدودَ التعاملِ الطبيعيّ مع زميلها باعتبارِهِ رفيق دراسةٍ ولا يمكنُ لها أنْ تنظرَ إليهِ نظرةً خارجَ هذا التصوُّرِ المنطقيّ للعلاقاتِ الإنسانية في مثل هذهِ الظروف.

فقد ظلّتْ (لمياءُ) بعيدةً عن هذا الهاجس الذي لا يمكنُ لها أن تتوقّعَهُ من (زميلها) الشاطر الدؤوب (زامل)! الذي افترضَ إنَّ الوقتَ يمضي وعليه أن يحتويها مبكّراً لكي لا يأتي زميل آخر ويستحوذُ على قلبها ومشاعرِها!

فقد صارحها بحبِّهِ لها وعدم استطاعتِهِ النومَ في الليلِ لأنّهُ يفكِّرُ فيها، وهو مستعدٌ لأيِّ شيء من أجل حيازةِ رضاها وبالتالي السعي للاقتران بها على سُنّةِ الله ورسولهِ، وإنَّ أهلَهُ طيّبون وسيرحبونَ بها ويضعونها على رؤوسهم وفي عيونهم!

فُزِعتْ (لمياء) وهي تسمعُ مثل هذا الكلام، وأبلغتْهُ –فوراً وبلا تردُّدٍ- بأنّها لم تفكّرْ لحظةً واحدةً بمثلِ هذهِ الأمور، كما إنّها لا تسمحُ لهُ بهذا التصورُّ نحوَها، إنهُ زميلُها لا أكثر، وبسبب مصارحتِهِ وبوحِهِ لها بحبِّهِ، فقد قرّرتْ أنْ تبتعدَ عنهُ حتّى لا يتطوَّرَ الأمرُ، وحتّى لا يراها كذلك، لأنّها تستطيعُ المطالعةَ ومتابعةَ المحاضرات والدروس وحدها أو مع أيِّ زميلٍ أو زميلةٍ أخرى، هذا القرارُ دعا إلى زيادة جنون (زامل) في حبِّه لـ (لمياء)، وصارَ يضايقها في جميع الأماكن التي ترتادُها، في السوقِ مثلاً التقاها –ليست مصادفةً بالتأكيد –وأدّعى إنها مصادفةً جميلةً فعرضَ عليها مرافقتها ومساعدتها في حملِ حاجياتها، إلاّ أنّها اعتذرتْ منهُ بجفافٍ واضح...

وفي مبنى البريد في مركز المدينة حاولَ التحدُّثَ معها ولو لدقائقَ، فرفضتْ بشدّةٍ، ووصلَ أمرُ مضايقتِهِ لها إنّها اضطَرّتْ إلى تقديمِ شكوى ضدَّهُ إليَّ بوصفي مسؤولاً للجنة الاتحادية الطلابيّة آنذاك، ودعوتُ (زاملاً) وتحدَّثتُ معَهُ بهدوءٍ ومحبّةٍ مبدياً لهُ وجهة نظري في أمرِ اندفاعِهِ واستفزازِهِ للفتاةِ التي شعرتْ بالخيبةِ إثرَ تغيير علاقة الزمالة البريئة الصافية إلى وهمِ حُبٍّ مازالت –وستبقى- تشعرُ إنّها بعيدةً عنهُ..

وعدني (زامل) وعداً مرتبكاً على إنهُ سيبتعدُ عنها طالما هي غير راغبة فيه، ولم يفِ بوعدَهُ طبعاً، لأنّها التجأتْ إليَّ ثانيةً وشكتْ منهُ بعصبيّةٍ هذهِ المرّة، فاستدعيتُهُ ثانيةً وتحدّثتُ معَهُ بأسلوبٍ أكثر وضوحاً في قسوتِهِ، ووعدني ثانيةً ولم يَفِ أيضاً!

وكثرتْ الشكاوى في اللجنة الاتحادّية، ورئاسة القسم، والعمادة، وازداد اهتمامي بحلِّ الموضوعِ، لتزدادَ لقاءاتي بـ (لمياء) الأمرُ الذي أثارَ حنقَهُ ضدّي، ولأنّه محبٍّ أعمى، فقد ذهبتْ بهِ الظنونُ المرضيّةُ إلى تصوُّرٍ مفادُهُ إنّها ربمّا تكونُ معجبةً بي!

حيثُ فاجأني في أحد الصباحاتِ بهجومٍ كلاميٍّ مبعثرٍ، لم أفهمْ منهُ سوى أنّهُ شديدُ الضيقِ منّي مع تكرارِ عبارة "مَنْ أنت... هاه؟!"..

وأخذَ (زامل) يقلِّدُني في أشياء كثيرةٍ –بعد أنْ عزّزَ ظنَّهُ بأنَّ (لمياء) معجبةٌ بشخصٍ مثلي، فقد حلق (زامل) شاربَهُ الضخم –لأنني كنتُ حينَها حليقَ الشارب-!

وأخذَ يرتدي الملابسَ الرياضيّة دائماً –مع أنهُ ليس رياضيّاً بل لأنني رياضيِّ وفي أكثر من فريقٍ خاصٍ بالكليّةِ –وقد طلبَ أن يتمرَّنَ معنا في وحداتنا التدريبيّة علماً بأنّهُ لا يعرفُ من الرياضةِ حتّى كيفيّةِ ارتداء ملابسها!..

وفي أحد الاحتفالات التي نقيمُها عادةً في الكليةِ، جلبَ لي كلماتٍ مضحكةً وضعَها أمامي قائلاً بعصبيّةٍ "أنا أيضاً، أكتبُ الشعر"!.. عرفتُ حينها أنهُ يستحقُّ الرفقَ والمعاملةَ الحسنةَ الخاصّةَ لأنّهُ قد يتحوَّلُ إلى كائنٍ سلبيٍّ يؤذي نفسَهُ بقسوةٍ..

أمّا (لمياء) فقد قرّرت الانشغال الكلّي بدراستها دونَ وضعَ نفسها في مأزق سوء فهمٍ آخر، وفعلاً، فقد تفوّقتْ علينا جميعاً وانتقلتْ في العام التالي إلى كليّةٍ "رديفةٍ" في بغداد لتكونَ قريبةً من أهلها ومسكنها وحياتها..

فيما أحيلَ زميلنا الريفيُّ، الشابُ الذكيُّ إلى مستشفى الأمراض العقلية وقد سمعتُ من بعضِ الأصدقاء بأنّهُ توفي منذُ عدّةِ سنواتٍ في ذات المستشفى:

يالسطوة الحبِّ وغرابة أفعالِهِ، ويالهُ من أمرٍ عصيُّ على التفسير، يأتي كيفما يشاءُ، لا وقت عنَدهُ ولا حدود‍!

وعدتُ من آهاتِ ذاكرتي إلى الشاطئ، إلى المرأتين، تُرى ما أمرُهما؟

هل هي الخطيئةُ الناتجةُ من جنونِ الحُبِّ؟

هل هو نذرٌ لأحدِ الأولياء جاءَ بهنّ إلى هذهِ العزلة؟

ولماذا في هذا المكان المهجور؟

بقيتُ مختبئاً حتى أنجزت المرأتانِ طقوسهما، وتلفّتتا بريبةٍ وحذرٍ في المكانِ ثمَّ انسحبتا باتجاهِ رصيفِ النهر..

ذهبتُ إلى الصخرة التي كانت تجلسُ عليها المرأتان، ما زالتْ بقايا الإثم تُثرثرُ في المكانِ ومازلتُ حائراً أبحثُ عن أثرٍ لمجهول، لا شيءَ يشيرُ إلى مفتاحٍ لما أريدُ، لذلك جلستُ على الصخرةِ، متأمّلاً انسياب النهرِ الهادئ، والضفة الأخرى التي تبدو لي شاهقةً من هنا، المنظرُ آسرٌ بنوارسِهِ المحتفلةِ بالطيرانِ في جميعِ الجهات، فيما تطلقُ قطعُ السجّاد المنشور على الرصيفِ الآخر ألواناً ولوحاتٍ آخّاذةً وهي تخضعُ لنشرٍ على جدارِ الرصيف الواطئ لكي تغسلَ وتجفّفَ وتباعَ نظيفةً في السوق المخصّصِ لذلك في نهاية (شارع النهر).

ولفرطِ تأمُّلي واستغراقي في الصمتِ فقد وضعتُ رأسي على ركبتيَّ ويديَّ على وجهي وشعرتُ بحذرٍ لذيذٍ أفضى إلى وسنٍ ثمَّ إغفاءةٍ مفاجئةٍ.. ثم..

رأيتُ زورقاً يتهادى في النهرِ وهو يتوجَّهُ نحوي ببطءٍ، لم أر أحداً فيهِ، الأمرُ الذي أثارَ استغرابي ودهشتي، وحينَ وقفَ الزورقُ أمامي مباشرةً، نظرتُ إلى جوفِهِ فوجدتُ صاحبي.. الرجلَ الغريب مستلقياً فيه نهضَ فجأةً وانتصبَ في حوضِ الزورق قائلاً لي:

-تعال معي.. لنَقُمْ بجولةٍ في الماء، هذا العالم الذي يضمُّ أسراراً وعجائبَ لا تاريخَ محدداً لها، لقد شاهدنا المرأتين معاً.. وصرنا شهوداً على تفاصيل ما فعلنَ، هناكَ في كلِّ يومٍ سرٌّ يضعُ أوزارَهُ هنا ليتسّربَ مع الأمواجِ إلى مجهولٍ آمن..

أمسكَ بيدي وقادني للجلوسِ على الدكّةِ الواقعة في مقدّمةِ الزورق، وانطلقنا باتجاهِ الجسرِ تصحبُنا النوارسُ بانتظامٍ جذّابٍ غريب، شعرتُ بالهواءِ النقيِّ والندى البارد على وجهي.. وطمأنينةٍ لم أشعرْ بها طيلة حياتي.

وضعَ الرجلُ الغريبُ يدَهُ على كتفي وقال:

كلّما شعرتَ بالضيقِ، تعالَ إليَّ، في هذا المكانِ!

صحوتُ على حركةِ نورسٍ قريبٍ يداعبُ الماءَ بجناحيهِ، واكتشفتُ بأنني قد غفوتُ لأكثرَ من ساعةٍ وأنا على الصخرةِ مسترخٍ مع نسائمِ النهر العذبة وهدوء المكان الآسر.