تطوي الأيّامُ أوراقَها، تصبحُ الفسيلةُ نخلةً، يغدو البرعمُ غصناً، تسَقطُ أوراقٌ، وتذبلُ زهورٌ.. الأشياءُ الصغيرةُ تكبرُ، والكبيرةُ تذبلُ، وأنا في عربةٍ تهتزُّ، في القطارِ النازلِ إلى الجنوب..
أجلسُ متأمّلاً المساحاتِ الصحراويّةَ الممتدّة على طولِ الطريق بين الناصرية والبصرة، والوقتُ في بدايةِ الصباحِ، البردُ قارصٌ، والنعاسُ يتمطّى على وجهي، نمتُ ليلةً مليئةً بالانفجارات!
ذلك إنني في كلِّ هزّةٍ من اهتزازات القطار أتخيَّلُ انفجاراً أصحو فَزِعاً على أثرِهِ.
لا أحدَ معي في غرفةِ المنام التي حجزتُ أحدَ أسرَّتها، ربمَّا انسلَّ بهدوءٍ الشخصُ الصامتُ الذي حجزَ معي السريرَ الآخر في ذاتِ الغرفة، إنهُ منذُ أنْ دخلَ الغرفةَ في بداية الرحلةِ من بغداد وأدائه السلام والتحية وكلمات المجاملة الآلية المعروفة، لم يتحدّثْ بأية جملةٍ حتّى مغادرته بهدوءٍ وصمتٍ في إحدى المحطّات الفاصلة بين السماوةِ والناصريّة..
والسببُ في صمتِهِ أنا طبعاً!، لأنني سرعانَ ما تمدّدتُ على سريري –لحظة تحرُّك القطار –تناولتُ كتاباً من حقيبتي غرقتُ فيه حتّى نمتُ.. وكلّما أنهضُ فزعاً بسبب اهتزازات القطار الدائمة أراهُ راحلاً في غفوةٍ عميقةٍ على سريره..
لذلكَ أحسستُ بوحدتي اللذيذة حتّى الآن وأنا أشاهدُ المنظرَ المؤثر من خلال النافذةِ وهو يعرضُ عليَّ الكثيرَ من أشلاءِ الحكايا التي أعرفُها عن هذهِ المناطقِ البعيدةِ عن شبقِ الحياة!
كلُّ شيء يشيرُ إلى بقايا..
فهذهِ بقايا بيتٍ..
وتلك بقايا محطّةٍ..
وهذهِ بقايا عربة
وتلك بقايا إحدى المعاركِ الضارية..
وفي البعيد، تصرخُ النيرانُ بأعلى بوحها معلنةً عن مواقعِ الشركات المعروفة التي تعمل في تغذيةِ إضرامها، شركات النفط والغاز المقامة في عمقِ الصحراء..
مرّةً عملتُ في إحدى تلك الشركات!
يومَ كنتُ طالباً في الإعدادية، وفي العطلةِ الصيفيّةِ، أنهضُ مع آذانِ الفجرِ، وأتوجَّهُ إلى الجامع القريبِ من بيتنا حيثُ أجتمعُ مع عددٍ من العمالِ الذينَ لا أعرف ملامحَهم بسببِ الظلام وبسببِ تلفّعهِم باليشماغات أثناء العمل.. ننتظرُ (الباص الخشبيّ) وندخلُ فيهِ حاملين أمتعتنا البسيطة من الغداء..
ويبدأ الباصُ معنا حبوَهُ في الصحراء باتجاهِ شركة "بكتل" الأجنبية..
ونصلُ في لثغةِ الصباح الأولى إلى موقع العمل، بعد أنْ غفونا بعمقٍ في السيارة العجوز المهددّة دائماً بالعطل!..
-انهضوا.. لقد وصلنا..
يصيحُ السائقُ الكهلُ بانزعاجٍ لنتمطّى جميعاً وننزلُ بكسلٍ وبلا حماسٍ إلى موقعِ العمل..
عملُنا هو تنظيفُ السواقي المخصّصة للأنابيب والمحفورة حديثاً من تسرُّب الرملِ إليها، إذْ نقومُ بنقلِ الرملِ بجرّافاتٍ يدويّةٍ.. إلى جوانب الحفر!
وبما إنَّ العواصفَ الرمليّة دائمة الهبوب فقد أصبحت اليشماغات التي تغطّي وجوهنا ورؤوسنا والأهم من ذلك أنوفنا كي لا تمتلئَ بالرملِ، علامات تميِّزنا عن العاملين الأجانب الذينَ وضعوا الكمّامات البيض الأنيقة على أنوفهم وأفواههم وهم يعملون في تنظيم الأنابيب لإنجاز مشروعٍ للغاز السائل –هكذا قالوا لنا-!..
عملُنا شاقٌ بالتأكيد وهو يستنزفُ قوانا لأنّنا في فترتي الاستراحة الخاصتين بالفطور والغداء، نسرعُ في تناولِ وجباتنا المتواضعة الباردة لنتمدّدَ على الرملِ حيثُ ننامُ في الفترةِ المتبقيةِ من وقت الاستراحة وعندما ننهي العملَ ويحملُنا الباصُ الخشبيُّ ثانيةً عائداً بنا إلى المدينة في الظلامِ أيضاً نقضي وقت الرحلةِ بالنوم وحالما نصل إلى بيوتنا، نستحمُّ سريعاً ونتعشّى سريعاً ثم بأقصى سرعةٍ إلى صديِقنا الآمن (النوم)!..
في أيّامِ العملِ الشاقِّ هذهِ كانت أحلامي تعبِّرُ عن فوضى واضطرابٍ في الصور والأشكال والأحداث نتيجة التعب الكبير الذي يجتاحُ جسدي وذهني معاً.
واستمرَّ إيقاعُ العملِ هذا طيلةَ العطلةِ الصيفيّةِ، لتشهَد بدايةُ الدوام في السنة الدراسية الجديدة ارتدائي ملابسَ جديدة وتمكُّني من ادّخارِ مبلغ جيّدٍ في حينِهِ مكنني من اقتناءِ حاجاتي الأساسيّة مع اقتناء تذكرةِ سفرٍ في القطار الصاعد من البصرة إلى بغداد وقضاء أيّامٍ مسترخيةٍ حافلةٍ في العاصمةِ بين المكتباتِ ودور السينما مع حضور إحدى مباريات (المنتخب الوطني) في ملعبِ الشعب الدولي وتشجيع نجومِهِ مباشرةً، كان السفر في القطار في تلكَ الفترة، يمثِّلُ متعةً كبيرةَ لأنَهُ متكاملُ الخدمات والمسافرونَ فيه على درجةٍ عاليةٍ من الأهميّةِ والأناقة!
أمّا الآن فالسفرُ في القطارِ بلا خدماتٍ ومسافروهُ جلُّهم من الفقراءِ والمعوزين والعسكريين الملتحقين بوحداتهم، والنافذة التي أطللتُ منها بوجهٍ حيويُّ مبتسمٍ طريّ على مشهدٍ من فرحٍ انطلقَ من نظرة عيني إليه أوّلَ مّرةٍ..
هي ذاتُ النافذةِ التي أطلُّ منها الآن بعدَ خمسة وعشرين عاماً، على نفسِ المشهدِ بوجهٍ عليهِ مسحةُ التعب والحزنِ والشرود..
الشجرةُ ذاتُها أمام المنزلِ الوحيد في الصحراء، المشهدُ الذي كانَ يمثِّل لي رؤيةً حالمةً في السابق، يرسمُ لي الآنَ هاجسَ الوحشةِ والضياعِ وفقدانِ شروطِ الحياةِ وسيمائها..
يا للأشياءِ كم تتبدّل؟!
ويا لنفوسِنا كيفَ تتعاملُ مع الأشياءِ بعد أنْ تطعنها السنواتُ بتجاربها؟..
سفري إلى البصرةِ هذهِ المرّة بقصدِ "دائرة التجنيد".. في التجنيد يجتمعُ أبناءُ المواليد الموحّدة، بانتظارِ كُتبِ السوقِ إلى الوحدات..
هذهِ المرّة، ستكونُ الخدمةُ شهراً واحداً، لا جبهات، ولا انقطاع، ننتظرُ تحتَ الشمسِ محتشدينَ نتحدّثُ عن تخرُّصاتنا وعن آخرِ الإشاعاتِ التي سمعناها حولَ خطّة سوقِ مواليدنا..
وتظهرُ الكتبُ منفردةً..
جنديٌّ نحيلٌ يفتحُ البابَ الموصَد بالسلاسل، وينادي على الأسماءِ.. واحداً... واحداً.. يسلِّمُهُ كتابَ السوقِ ودفتر الخدمة العسكرّية المؤشّر..
لا حوار.. ولا أسئلة.. ضابطُ التجنيد متعبٌ من العمل والتواقيع وسيولِ الإجابات..
و... تجربةٌ جديدةٌ في وحدةٍ ثابتةٍ وضعتْ لنا جدولَ تدريبٍ مكثّفاً، سبقتْهُ محاضرة لأمرِ الوحدةِ يشيرُ فيها إلى تجنُّبِ الوساطات وإنهاء هذا الشهرِ بخيرٍ..
ومعَ هذا كُنّا في فصيلنا الصغير نسمعُ بأسماءٍ دونَ أن نرى أصحابها، ويُستدعى البعضُ منّا في بدايةِ الأسبوع ولا نراهُ ثانيةً إلا في منتصفِ الأسبوع الثاني!
تعوّدتُ على النهوضِ في الخامسةِ فجراً.. للحلاقةِ والاستحمام وارتداء الملابس العسكرية والذهاب إلى وحدتي في معسكر الرشيد..
ياه.. أخيراً معسكر الرشيد! الذي كانَ حُلماً لي أيّامَ كنتُ في سعير الجبهات..
لم أكنْ حينها أصدِّقُ أنْ أداومَ بشكلٍ طبيعيٍّ في وحدة لا نشكو فيها من قصفٍ مُعادٍ أو احتمالِ تعرُّضٍ أو هجومٍ يشنُّهُ الأعداءُ ضدَّنا أو رعب انتقالٍ من قاطعٍ إلى قاطعٍ آخر..
هاهو معسكر الرشيد وهاأنذا أسبحُ في الظلامِ في طريقي إليهِ، سياراتُ (الباب الشرقي) الضخمة الممتلئة حدَّ ميلها إلى جهةٍ واحدةٍ.. وبعد (الباب الشرقي) إلى السيارات الكبيرة المؤدّية إلى المعسكر، حتّى باب النظام، وساحة العرض الصباحيّ، والوقوف بالاستعداد وقراءة الأسماء وتقديم الموجود وتنفيذ الإيعازات، والهرولة الصباحيّة، والتدريب البدني، ثمَّ التوجُّه إلى الدرس اليوميّ..
وهكذا ينقضي الشهرُ.. لأسَرَّح..
ويأتي شهرٌ آخر..
وأنا أنتظرُ زيارةَ الرجل، لا سيّما بعد أن تغيّرتْ بعضٌ من تفاصيلِ حياتي، وخضتُ تجربة الجيش ثانيةً رغمَ إنها كانت تجربةً باردةً هذهِ المرّة، إلاّ أنّها أخرجتني عن إطار حياتي وأصبحتُ مشغولاً بيوميّاتها حتى إنني شعرتُ بشوقٍ كبيرٍ للأماكنِ التي تعرَّفتُ بها من خلال صديقي الرجل!
شعرتُ بلهفةٍ للذهابِ إلى النهرِ والجلوسِ على جرفِهِ وتأمُّلِ المدينةِ من جانبها الآخر، اشتقتُ للنوارسِ والصيّادينَ والمفاجآت..
وفي فجرِ إحدى الليالي التي لم أستطعْ النومَ خلالها، نهضتُ من فراشي، وارتديتُ ملابسي العسكرية –رغم إنني تسرَّحتُ من الجيش –وخرجتُ من الفندقِ وسطَ دهشةِ واستغرابِ أصحابِِهِ الخافرين..
-إلى أينَ بهذهِ الملابس العسكرية؟
سألني أحدُهم بتعجُّبٍ، فأجبتُهُ ببرودٍ: إلى النهرِ، والمدينة واصطياد الشمسِ قبلَ أوانِها!..
-ثم ردّدتُ مع نفسي -.. إلى صديقي الذي ينتظرُني في زورقٍ يتهادى في الماء.. إلى حورّيات النهرِ، وطلاسمِ المختبئات، إلى القرابين والنذور التي يأخذُها التيارُ الهادئُ إلى الجنوب..
خرجتُ هائماً!
مررتُ بالمتسكّعين النائمينَ في الزوايا المهملة.. والكلاب والقطط وبقايا ليل المدينة..
تأمّلتُ تمثالَ (الرصافي) فتخيّلتُهُ يضحكُ وهو يراقبُ من عليائِهِ جسرَ الشهداءِ والجامعَ المحاذي لهُ والبنايات القديمة والحديثة التي تنتصبُ على جانبيِهِ..
استمرّتْ خطواتي حثيثةً باتجاهِ الجسر، وعبرتُهُ مستمتعاً بنسائمِ الفجرِ العذبة، نزلتُ إلى الجانبِ الثاني.. وانحرفتُ يساراً، تجاوزتُ زوارقَ وآلياتِ العبّارين والصيّادينَ الذين لم يستيقظوا بعد..
ووصلتُ إلى مدخلِ الملجأ العجيب المؤدي إلى النهر والذي اكتشفتُهُ سابقاً..
نزلتُ بهدوءٍ.. فالظلامُ ما زال سائداً..
وصلتُ قريباً من الجرفِ
سمعتُ حركةً في الماء، فانزويتُ بينَ أعوادِ القصب، شاهدتً نورساً كبيراً يداعبُ الماء، ما أن أحسَّ بوجودي حتّى حلّق في الفضاءِ فوقَ النهر..
توجّهتُ إلى الصخرةِ الثابتة على جرفِ الشاطئ، مددتُ يديَّ وأخذتُ قليلاً من الماءِ نثرتُهُ على وجهي، رفعتُ طرفيَّ البنطلون الكاكيّ وكففتهما حتّى ركبتيَّ ووضعتُ قدميَّ في الماءِ البارد، شعرتُ بلذّةٍ واسترخاءٍ، وبعد لحظاتٍ غفوتُ إغفاءةً عميقةً..
ثمَّ شعرتُ –كما أوّل مرّةٍ –بزورقٍ ينسابُ باتجاهي رفعتُ عينيَّ فشاهدتُ الرجلَ مبتسماً وهو يجلسُ على الدكّةِ البعيدة للزورق.. ألقى عليَّ التحيّةَ ورفعَ يدَهُ اليمنى متمتماً بكلماتٍ لم أتبيَّنْ ماهيّتَها..
قفزتُ سريعاً وصعدتُ إلى الزورقِ وجلستُ على دكّتِهِ القريبةِ في الجهةِ المقابلةِ التي يجلسُ عليها الرجل، الذي سحبَ مجذافاً أبيضَ وحرّكَ بهِ الماءَ فانسابَ الزورقُ بهدوءٍ مع تيار الماء..
نظرتُ حولي، شاهدتُ عشراتِ الأواني الألمنيوميّة (الصواني) المليئة بالآسِ والشموع المتوهجة وقطع الحلوى والحنّاء والطين وهي تحيطُ بالزورقِ الذي يحملُنا..
مررنا من تحت الجسر، واستمَّر الزورقُ متهادياً في رحلةٍ سحريّةٍ غريبةٍ..
مددتُ يدي إلى الماءِ وغرفتُ قليلاً منهُ غسلتُ بهِ وجهي، استيقظتُ فجأةً..
لا... ربمّا لم استيقظْ!... فهاأنذا مازلتُ في الزورقِ، وهاهو الرجلُ يبتسمُ بوجهي، وقد أدركَ فيضَ أسئلتي..
فيما خضعتُ للصمتِ، وأنا أتأمَّلُ هدوءَ النهر وانسيابَ الزورقِ، والنوارس المحلّقة بفرحٍ حولَنا.. والمدينة التي تنأى تفاصيلُها عنّي.. حتّى تلاشت كليّاً!
أدركتُ حينها عدمَ حاجتي لإيضاحٍ أو لتوجيهِ أسئلةٍ أو حتّى.. لكلامٍ...
مجرد كلام!