قادتني حيرتي إلى الصمتِ وعدمِ إرهاق ذهني بأسئلةٍ متشظيّة،... وقرّرتُ تركَ الأمرِ بلا تعليقاتٍ لكي لا أذهبَ إلى تأويلاتٍ تقودني إلى مناطق محظورةٍ في العقل!
هي مُصادفةٌ على أيَّةِ حالٍ، ربّما توهّمتُ فيها تفاصيلَ لم تحدث لفرطِ إرهاقي ويأسي وأنا أغرقُ في ظلامِ تلكَ الليلة...
ربَّما نمتُ في لحظةٍ ما وجرى ما جرى في فسحةٍ من حلمٍ... أو وهمٍ ما... غفوتُ بعدَ سلسلةٍ من التساؤلات... و...
ـ هاأنذا يا بُنيَّ... أعلمُ أنّكَ سعيتَ لتراني، وتقدّمَ لي هديةً نجاتِكَ... أشكرُ سعيَكَ هذا، ولا حاجة لي بالهدية، كما أخبرتُكَ... ولا تتعب نفسَكَ في البحثِ عنّي... أنا الذي أزورُكَ!
واختفى... صحوتُ هلِعاً، يا لهُ من حلمٍ غريبٍ، إنهُ ثانيةً، وهاهي الدهشةُ قد أخرست لساني أمامَه...
تذكّرتُ إجازتي الأولى ـ بعدَ الحادثةَ ـ وذهابي إلى بيتِهِ الذي حدّدتُهُ جيّداً، البابُ الأزرقُ الصارخُ بوجهِ الشارع، والسياج الواطئ، وغرفة الاستقبال المهملة... والمطبخ... وأغلى وجبةِ طعامٍ...
رأيتُ البابَ الأزرقَ يئنُّ من العزلةِ وقد رُبطَ بقسوةٍ بسلسلةٍ حديديّةٍ صدئة، طرقتُ بابَ البيتِ المجاور، فأطلَّ عليَّ وجهٌ شاحبٌ لرجلٍ أهملَ كُلَّ شيءٍ في وجهِهِ إلا تعبيرات قلقهِ من طرقات القادم!... وقد بزغَ خلفَهُ وجهُ امرأةٍ تبدو وقد أنهت لتوِّها فصلاً من البكاء...
ألقيتُ عليهما التحيّة... فردّا عليَّ بارتباكٍ... وسألتهما عن جارِهما صاحب البيت ذي الباب الأزرق...
استغرب الرجلُ كلامي، وأدار وجهَهُ لامرأتِهِ ليقدِّما تعبيراً مشتركاً عن الدهشةِ...
أجابني بشرودٍ: هذا البيتُ متروكٌ منذُ أربعِ سنواتٍ، ولا يوجدُ شخصٌ بالمواصفات التي أشرتَ إليها!
أجبتُهُ بانفعالٍ: ولكنني دخلتُ معَهُ البيتَ، وجلسنا في المطبخ، و و و....
أجابني: لقد توهّمتَ يا بنيَّ! فاذهب من حيث أتيت ولا تتعب نفسَكَ بمثلِ هذهِ الأسئلة...
عُدت حقاً إلى إشاراتِ ذلك اليوم الذي أفضى إلى تلك الليلةِ التي أدّت إلى الرجلِ الغريب...
بدأَ الصباحُ باستغاثةٍ، أخرجت رؤوسَ أفرادِ وحدتنا من ملاجئها... سقطت قذيفة على أحدِ الملاجئ واستشهد السبعةُ الذين يقطنونَهُ...
ثمَّ هدأنا جميعاً نترقَّب ما سيأتي، زحفَ إليَّ "عصام" الجندي الخجول الذي يعملُ في "قلمِ" وحدتنا ويسكنُ معي في الملجأ، قال لي بشيءٍ من التوسُّلِ: أشعرُ بالحمّى والتعب، وجلبُ الماء هذا الصباح واجبٌ عليَّ... فأعنّي يا صديقي وتكفّل بالواجبِ عنّي... نهضتُ دونَ تردُّدٍ، وأخذتُ "الجلكانين" وغادرت الملجأ... وحدتُنا تقعُ في منطقة "الشافي" بين منطقتي "الدير" و"القرنة" في أرضٍ زراعيّةٍ رطبةٍ قريبةً من النهر، يحيطُ بنا "المعدان" الذين يمتلكون مئات الثيران والجواميس، تمشيتُ إلى النهرِ منتشياً بدفءِ الشمسِ، وهدوءِ المكان الذي أعقبَ نوبةً من القصفِ الوحشي...
وصلتُ النهرَ ووقفتُ على جذعِ نخلةٍ مقطوعٍ يمثّلُ دكّةً نستندُ عليها لإملاء الأواني من جرفِ النهر... وحين هممتُ بإملاءِ "الجلكان" الأوّل... هجمت طائراتُ العدوِّ ثانيةً، وصرتُ مكشوفاً فركضتُ إلى زورقٍ قريبٍ مقلوبِ على الشاطئ واختبأتُ تحتهُ، علّني أتخلَّصُ من جنونِ الطائرات التي عاودت الهجومَ على وحدتِنا وإمطارها بالقذائف...
وبعد أداءِ نوبةِ القصفِ هذهِ انسحبت الطائرات وهدأ المكانُ هدوءاً مرعباً..
عدتُ إلى النهرُ وملأت "الجلكانين" وإحساسٌ بالقلقِ يأكلني حولَ مصير رفاقي الذين تلقّوا مطرَ الطائرات...
عند عودتي المتردّدة خشيةَ مفاجأةٍ غير سارّةٍ توقّعتُها... وجدتُ ملجأَنا عبارةً عن ركامٍ أسودَ تجمَّعَ رفاقُنا حولَهُ للبحثِ عن أشلائنا...
نعم، أشلاؤنا، فقد درجوا اسمي ضمنَ الخسائرِ لأنّهم لم يجدوا ما يدلُّ على كلِّ واحدٍ مِنّا بين الركامِ سوى أسمائنا المدرجة في سجلِ الوحدة وأشلاء متداخلة وزّعوها بالتساوي على سبع بطّانياتٍ، صرنَ ستةً بعدَ أن شاهدوني قادماً من جهة النهر، حيثُ وزّعوا أشلاءَ البطّانية السابعة على الستِّ الأخريات وشطبوا اسمي من سجلِ الخسائر!
هذا السجلُ الذي ارتبطتُ معَهُ بعلاقةٍ غريبةٍ بدأت أيّامَ معاركِ الحرب العراقية ـ الإيرانية، حين عرفتُ ماذا تعني تسمياتُ الحربِ التي قرأتُ عنها الكثير...
عرفتُ حقيقة مفرداتٍ مثل الملاجئ... والأرض الحرام... والحجابات... والدوريات القتالية... والكمائن... والتعرّض... والهجوم... وكلّ المفردات التي كنتُ أتعاملُ معَها باسترخاءٍ وبرودٍ... صارت تؤدِّي إلى معانٍ أخرى... وصرتُ أتعاملُ معها بشكلٍ مباشرٍ...
تذكرت سعيداً و " بشاراً" رفيقي موضعي في القاطع الأوسط في خانقين يوم كنّا مدفونين في الحجابات بينَ أنفاس العدوِّ... حدثَ تعرُّضٌ مفاجئٌ على قوّاتنا استشهدَ أثناءَه "سعدٌ" و"بشّار" وبقيتُ مختبئاً في ملجئنا... قضيتُ يومين في بحرِ ظلامٍ دامسٍ، أتحسَّسُ وجودي بينَ جثّتين كانتا قبلَ قليلٍ لكائنينِ رائعين يضحكانِ معي ونتقاسمُ الجوعَ والعطشَ والانتظارَ... والترقُّب...
هاهما، عبارةٌ عن رائحتينِ لا يصفهُما وصفٌ في البشاعةِ... وهاأنذا قد أموتُ في أية لحظةٍ...
أنا بين الخسائرِ... لا أدري ماذا قيلَ عنّي في قطعاتنا الخلفيّةِ...
ولا أدري كيفَ زحفتُ بيأسٍ مُغامرٍ إلى فمِ الملجأ وأدركتُ الطريقَ النيسميَّ ذا اللونِ الفاتحِ بين دكنتيّ الألغام... لأصلَ زحفاً بأعجوبةٍ إلى قطعاتِنا وأفقد الوعي بينَ رفاقي المقاتلين الذينَ تلقّفوا جسدي بلهفةٍ واندهاش...
صحوتُ بعدَها لأجدني في وحدةِ الميدانِ الطبيّةِ غارقاً في لجّةِ دوارٍ عنيفةٍ..