لم أحصِ بالضبط الفترةَ التي غابَ فيها عنّي الرجلُ الغريب، حتّى أطلَّ مبتسماً باذخَ الحضورِ يتأمّلني صامتاً، وكعادتي لا أستطيعُ الحديثَ معَهُ...
أخبرني أنهُ يتابعني خلالَ هذهِ الشهور الستة التي مرّت، وإنُه ليسَ بعيداً عني، ويدركُ ما أعانيه وأنا أجوبُ الطرقات في ليلِ بغداد المتشظّي، ولا أجدُ استقراراً بعد انقضاء سنوات خدمتي في الجيش وتفصيلات المعارك وآثارها العميقة وإحباطات الحياة...
ودّعت ُ أهلي في البصرةِ ـ أبويَّ القلقين وأخوتي ـ متجهاً إلى بغداد بحثاً عن فرصةِ عملٍ مناسبةٍ، لم تتوفر لي بسهولةٍ، ولم أستطع العودةَ إليهم محبطاً، هذه العودة التي يتقنُها أبي حيثُ كانَ موزِّعاً متنقلاً في معمل "البيبسي كولا" في بغداد وقلبُهُ هائمٌ في رحيلِهِ الدائم إلى البصرةِ، إلى صباهُ وشبابِهِ، إلى سواقي الطفولةِ والعشب الطافي والصيد...
إلى صحوتي الأولى... وموتي الأول حين كنتُ تلميذاً في الصف الثاني الابتدائي في قرية "الخاص" الطافية على مياهِ الفُرات الهائجة التي ولدّت فيضاناً شعرنا بالفرحِ والألفةِ معه... وصارَ الصيدُ هوايةَ كُلِّ طفلٍ وامرأةٍ وشابٍ لأنَّ المياه تتسلّلُ إلى البيوت والصرائف المبنية بالقصب المدعّم بالبردي...
لنرتفع في ليالي الصيف على السوابيط() العالية الباردة ونتأمّل القمر الصاخب وثرثرة النجوم...
ونصحو على ندىً آسرٍ يضيءُ وجوهَنا بالصباحاتِ المبكّرةِ ذوات الروائح التي ظلّت خالدةً في الذاكرةِ ترسمُ لنا عبقاً خالصاً نعودُ إليهِ في كلِّ ضيقٍ حياتي...
كنّا نتنقّلُ بالزوارقِ الصغيرة...
وفي إحدى المرّات وأنا أقودُ بارتباكٍ طفوليّ زورقاً صغيراً ترافقني شقيقتي التي تكبرني بعامين، جلبَ انتباهي صوتٌ من ماءِ الساقية، فأخرجتُ جسمي الصغير من حافّة الزورقِ الجانبية متطلعاً بفضولٍ إلى الماء حتّى فقدتُ توازني وسقطتُ...
ولأنني لم أتعلّم السباحةَ بعد فقد نزلتُ إلى القاع محاولاً ـ عبثاً ـ التشبُّثَ بأيِّ شيءٍ حتى أنني كنتُ أمسكُ الماء بقبضتي الصغيرة التي يهربُ منها الماء فأعود إلى القاعِ ثانيةً...
شعرتُ بالاختناق وشاهدتُ مئات الأيدي الضخمةِ تلتفُّ حول عنقي وتمنعُ عنّي التنفُس...
فقدتُ وعيي الذي عادَ إليَّ وأنا ملقىً بينَ عشراتِ العيونِ الباكيةِ التي سرعانَ ما تحوَّل بكاؤها إلى زغاريد وهي تتطلّعُ بدهشةٍ إلى عينيَّ الحمراوين اللتين انفتحتا فجأةً...
أخبرتني شقيقتي فيما بعد أنّها صرخت بأعلى صوتها مستنجدةً بصرخاتٍ عديدةٍ، ولطمت على وجهها حين لاحظت سكوني باستسلامٍ في قاعِ الماء...
وسقطت هي أيضاً مُغمياً عليها... ولكن في جوفِ الزورقِ الساكن... ولا تدري ماذا حصلَ بعد ذلك؟
حتى فتحت عينيها على ضجيجِ الناسِ وتجمُّعهم حولي فيما كانت هي نائمةً في حضنِ عمتِنا وهي ترتعشُ من البردِ والخوف... والزورق الصغير الذي كانَ يحملُنا يقفُ بأسىً على جرفِ الساقيةِ...
من يومِها أصرَّ والدي على أنْ أتعلَّمَ السباحةَ وأنْ أكونَ سباحاً ماهراً، وهكذا علّمني كل أنواعِ العوم وفنونه...
لكي لا أغرقَ ثانيةً!
وهاأنذا في بحرِ الحياة، ما أن أنتهي من موجةٍ حتى تتلقّفني موجةً تالية... ثمَّة أعاصيرٌ... وبحّارةٌ لم يحدِّدوا هدفاً بعد؛ فيما تعدّدت الفنارات، وتوالت الجزر المتنوّعة بينَ صغيرة أو كبيرة.. لم يَعُد الغرقُ مهدداً لي، بل هذا الإبحار اليوميُّ في دوّامةٍ من القلقِ والسير ـ بالمصادفةِ ـ إلى هدفٍ ما سيكونُ واضحاً يوماً!.
أقولُ ذلك بعد هيجانِ الحيرةِ التي اكتنفتني، ذلكَ أنَّ خروجَ الفردِ من سياقٍ حياتيُّ في التجربة ـ وإن كانت التجربةُ قاسيةً ـ إلى سياقٍ حياتيٍّ آخر يختلفُ عنها، يجعلُ الفردَ مغموراً بالحيرةِ والقلق وقسوة الاختيار!
وحينَ سُلِّمتُ "كتاب تسريحي" من خدمةٍ عسكريّةٍ امتدّت لأكثر من ثماني سنواتٍ من الصبرِ والمعاناة والبطولةِ أيضاً... جمعتُ حاجياتي العزيزة، وودّعتُ الأصدقاءَ فَرِحاً، وانطلقتُ بسرعةٍ إلى فضاءِ المدينةِ متحسِّساً كلَّ لحظةٍ ملابسي المدنيّة التي لم أكن مُصدِّقاً بأنني أرتديها بعدَ هذهِ السنوات الشائكة التي أدمن فيها جسدي الملابس "الخاكي"...
في الأيّامِ الأولى من حياتي المدنيّةِ، حاولتُ أن أُشبِعَ الرغباتِ التي ظللتُ جائعاً إليها كلَّ مُدّةِ مكوثي في الجيش...
والرغباتُ التي قصدتُها ساذجةٌ بالتأكيد، لأنّها لا تزيدُ عن النومِ لساعاتٍ متأخّرةٍ بعدَ الصباح، والاستيقاظ المدلّل، وتناول الفطور اللذيذ المعدّ خصيصاً من قبل الأمّ الحنون، وعدم حلاقة الذقن، وإطالة شعر الرأس، وارتداء الملابس النظيفة المكويّة جيّداً ثمَّ الذهاب إلى "العشّار" لمشاهدة الكتب والإصدارات الجديدة في المكتبات، وعروض الأفلام في دور السينما، والتلصّص الخجول على الفتيات الجميلات، ثمَّ العودة إلى المنزل وتناول طعام الغداء وبعدَهُ الاسترخاء والمطالعة الممتعة فالنوم لمدّة ساعتين أو ثلاث والعودة ثانيةً إلى "العشّار" للقاءِ بعض الأصدقاء...
استمرت معي الحياةُ هكذا لبضعةِ أيّامٍ، أحسستُ بعدَها بتهديدِ الإفلاس لي، لأنَّ ما ادّخرتُهُ من الراتبِ الأخير في الجيش بدأ يتآكل...
وبدأتُ أنسجُ خيوط معاناةٍ أخرى... أين أعملُ؟...
هل أعملُ في مجال دراستي (التكنولوجية) التي لم أعد أتذكّرُ منها إلا بعض أسماء المدرسين وبعض الحكايا والطرائف والوجوه التي دَرَسَت معي؟
هل أعمل في مجالِ الصحافةِ والكتابةِ الأدبية التي أستطيعُ من خلالها أن أقدِّمَ عطاءً طيّباً؟...
ولكن أينَ الضمانات الماديّة الميسورة، في عملٍ صحفيٍّ غضُّ ما زالَ يتلمَّسُ بداياتِ طريقٍ طويلٍ جداً ومتشابك السبل؟
وهكذا جمعتُ حاجياتٍ بسيطةً في حقيبتي الجلدية الذابلة، وودّعتُ الأهلَ قائلاً بلا تردُّد:
ـ سأعملُ في بغداد...
في إحدى الليالي الممطرةِ وفي أحد المواضعِ القتاليةِ في الجبهة، تسابقنا في الجُهدِ لإنجازِ عملٍ جماعيٍّ يجبُ أن ننجزَهُ!... ذلكَ لأنَّ سيولَ المطرِ غطّت شقَّ الساتر وأصبحت ملاجئنا عبارةً عن بركٍ مائيةٍ تطفو عليها حاجياتُنا، لذلكَ نهضنا جميعاً... وبدونِ أمرٍ عسكريُّ، لإفراغِ الملاجئ من المياه التي ستمنعُ حتماً ديمومةَ حياتنا بشكلٍ طبيعيّ، لم نشعر بالإنهاكِ حينها، رغمَ الجهدِ الجبّار الذي بذلناهُ، حيثُ تركنا رفاقنا المكلّفينَ بالواجبات في "مزاغلهم" المطلّةِ على الأرضِ الحرام، وانغمسنا جميعاً في الطين، لإفراغ الخندق من الماء، ونجحنا في ذلك بعدَ حومةِ عملٍ مجنونةٍ...
هذهِ الحكايةُ، رويتُها لصديقي القاص "محمد كامل" فكتبها بإطار قصّةٍ قصيرةٍ فاز فيها بإحدى الجوائز التقديريّة في إحدى المسابقات الوطنية الخاصّة بقصةِ المعركة.
زوّلتُ رقم هاتف "محمد كامل" وجاءني صوتُهُ مبتهجاً على الطرف الآخر:
ـ هاه... أخيراً حسمتَ أمرَكَ وجئت!
ـ لقد احترتُ واللهِ يا محمد!
ـ حسناً تعالَ إليَّ فوراً، وسنتحدَّثُ بهدوءٍ في البيتِ عن فرصةِ عملٍ سانحةٍ لك، فكّرتُ بها مليّاً...
وذهبتُ إليهِ بأقصى ما استطعتُ، حيث انتظار أوّلِ حافلةٍ والتدافع بالمناكب لصعودها، لتنطلقَ بنا إلى "الكاظمية" حيثُ بيت صديقي "محمد كامل"...
رحّبَ بي محتفلاً، وجلسنا نسترجعُ أيّامَ الدراسةِ والأصدقاء، ومغامراته التي انتهت كما زعمَ بزواجِهِ من زميلتنا في الدراسةِ "ماجدة" التي صارت الآن أمّاً لثلاثةِ أبناءٍ قابلين للزيادةِ!
... هكذا قال بتباهٍ... ثمَّ أردف:
ـ أمَّا أنت فسوف تتزوجُ ضُرّتين في آنٍ واحدٍ هما "كرة القدم" و"الشعر" لأنني لا أرى حماساً لك إلا في هذين المجالين!.
ـ ماذا أفعلُ يا صديقي وأنا حتى الآن لم أستقر في عملٍ يضمنُ لي وضعاً مادياً معقولاً؟
ـ في غضون أيّامٍ ستكونُ لك وظيفة مناسبة.
وبقيتُ معه أياماً استطاعَ فيها أن يجدَ لي مكاناً شاغراً في "قسم التصحيح" في إحدى الصحف المحليّة...
وبدأت لقاءاتي معَهُ تتناقصُ حتى انقطعنا عن بعضٍ، هو في حياتِهِ الصاخبة التي أدّت إلى زواجِهِ بامرأةٍ أخرى، وأنا بينَ أمواجِ حياةٍ تنقِّلُها الريحُ من اتجاهٍ إلى آخر...
وبعدَ خمسة أشهرٍ من العملِ، طُلبت مواليدُنا للالتحاقِ بالخدمة العسكريّة والمشاركة في الحرب!