أسبابٌ كثيرةٌ تجعلني لا أبوحُ بسرِّ لقاءاتي بالرجلِ الغريب، وأوّلُ هذهِ الأسباب هو عدمُ واقعيّةِ هذهِ اللقاءات، وربما من بين الأسباب أيضاً صعوبة تصديق هذهِ العلاقةِ الغريبة التي أستطيعُ تسميتها الروحية... بيني وبينَهُ...
لذلكَ ظلَّ الأمرُ سِرّاً، وظللتُ مشغولاً بكلِّ حواسي بغرابةِ هذهِ العلاقة وثبات موعدِ إطلالةِ الغريبِ عليَّ...
ولا أخفي بأنني أشعرُ بهِ حاضراً في كُلِّ الأماكنِ التي أرتادُها... ولا يأتي هذا الشعورُ محدّداً بأماكنَ أو أوقاتٍ أو حالاتٍ دونَ غيرها... كما أنني لا أرى دلائلَ ماديةً على ذلك الحضور بل هناك إحساسٌ داخليٌّ لا أستطيع توصيفَهُ هو الذي يهيمنُ عليَّ فأشعرُ بقربِهِ منّي وأحياناً أسمعُ صوتَهُ في رأسي يصوِّبُ لي سلوكاً أو يرشدني إلى طريق، أو يذكِّرني بشيءٍ ما!...
وصرتُ أختلي مع نفسي كثيراً طمعاً في تحقيقِ لقاءٍ ما، أو الوصول إلى أيِّ تصوُّرٍ خاصٍ يدعمُ قلقي وقناعتي بهذا الوجود الغريب وأصبحتُ على يقينٍ تامٍّ بأنّهُ يحومُ حولي بشكلٍ أو بآخر، رغمَ قناعتي الأكيدة بعدم حدوث مثل هذهِ التصوّرات إلا في الحلم أو في رؤيا الخيال المحض...
وبدأتُ أعدُّ الأيّامَ والشهور، وأخلدُ للصمتِ والتأمُل
الذي يأخذني إلى أجواءٍ أُخرى أيّامَ ميدانِ حيويّتي وتفتُّحِ آفاقي وطراوتِها وبراءة خياراتها.. أثناء الوقوف أمامَ الأنثى بكلِّ تقديسٍ وهي الحبيبةُ الجميلةُ التي لا أطمعُ من لقائها سوى بابتسامةٍ حالمةٍ تأخذُني من يدي لأطيرَ في الفضاء..
أيّام الدراسةِ والأحلام والجوّ الجامعي الغارق بطقوسِ الانتظار ومؤازرةِ فروضِ الحربِ والتهيّؤ الدائم للمشاركة في جولاتها.. أيّام دخول قاعات الدرس بالملابس العسكرية.. وكتابة القصائد التعبويّة الخاصّة والإلقاء الحماسيّ لها على المنبر..
أيّام الأصدقاء الذين تجمعُهُم فنارٌ مسائيٌّ واحدٌ وأفكارٌ متشابهة وعوزُ يتعاضد وأحلامٌ تتواثبُ وخطواتٌ محمومةٌ في طريق الطموح..
أيّام الشكوى من نقصٍ في المحاضرات والشكوى من التهديد بالفصلِ دائماً..
لأننا لا نحبُّ صرامةَ الدروسِ ونميلُ إلى تبادلِ الكتب الأدبيّةِ الجديدة، لنا مريدونا، وهم يقلّدونَ خطواتِنا بالتفصيل!..
نحن جماعة الأدب والفنِّ المنفلتين من الأُطرِ المرسومةِ لنا، لذلكَ رسبنا في صفوفنا أكثر من سنةٍ...
لا يهمُّ
المهمُ أنّنا أنجزنا نصوصاً في الأدبِ وفي الحياةِ..
فيما تزوَّجُ زميلُنا "خالد" إحدى مدرساتنا.. وهو الأغنى بينَ الجميع هو صديقُنا الذي يغدق علينا ويكملُ نواقصَ سهراتِنا ورحلاتنا ومشاريع جنونِنا الهادئ!
البعضُ من زملائنا التحقَ بالجيشِ ـ بعدَ تخرُّجِهِ ـ وبعضُهم ـ قبلَ تخرّجِه ـ وكلاهما ذهب إلى مراكزِ التدريب ومن ثمَّ إلى جبهاتِ القتال..
نراهم في إجازتِهم فخورينَ بيننا بلباسهم العسكريّ الرسميّ وربتهم الشابّةِ المعبّرة عن أمنياتهم!
ونتباهى أمامَهم بمشاركتنا ضمنَ قواطع الجيش الشعبي في القاطعِ الشماليّ ونبرزُ لهم صورَنا العسكريّةَ في الجبهات..
لا فرقَ بيننا أيُّها الأصدقاءُ
وهانحنُ في الشهورِ الأخيرةِ من أيّامِ دراستنا والحربُ لا تنتهي.. وننهي الدراسةَ..
لنبدأَ خطواتِنا في عالمٍ مختلفٍ تماماً، عالمٍ طوينا فيهِ الأحلامَ الشفّافةَ والندى الصباحيّ وزقزقات الحُبِّ بينَ أغصانِ الفرحِ المحمولِ على كفٍّ من الشعور بالانفلاتِ عن الأُطرِ التقليديّةِ..
بدأنا نسيرُ إلى حياةٍ مهدّدةٍ..
إلى سحبِ الشمسِ من خُصلاتِها كي ترى أجسادَنا الترابيّة وهي تُصغي لإيعازاتٍ مدويّةٍ
... استعدْ..
استرحْ..
إلى الأمام.. سِرْ!
تنكّبْ سلاحْ..
هرولْ!
درسُنا اليوم بعنوان "الصولَهْ"
و... نُنهي دورةَ التدريب.. ونتسَلَّمُ كتبَ التنسيبِ إلى الوحداتِ التي تقعُ في جبهاتٍ لا نعرفُ عنها سوى أسمائها والمشاركة المدلّلةِ مع القاطع الطلابي التابع للجيشِ الشعبي في شمالِ الوطن..
حملني كتابي إلى القاطع الأوسط.. إلى "خانقين" ـ منطقة نفط خانة ـ وبدأتُ في أوّل نقطةِ انطلاقٍ في جوفِ القاطع الذي يبدأُ من مقرِّهِ في المدينةِ الصارخةِ ويمتدُّ حتى كبدِ الأرضِ الحرامِ الصامتةِ أبداً..
هُمَّش الكتابُ.. لآخذَ متاعي وأصعد "الإيفا" وأرتمي في جوفِها الخلفيّ مع عددٍ من المقاتلين.. الذين تساءلوا عن وجودي بينهم.. في أيِّ فوجٍ أنتَ؟.. ومن أينَ أتيتَ؟
أجبتهُم على كلِّ أسئلتهم، وقلتُ لهم إنني تخرّجتُ حديثاً في الدراسةِ وهاأنذا ألتحقُ بالجبهة بعد أنْ أنهيتُ الدورةَ التدريبيّة في مركز تدريب مشاة البصرة في الناصرية!..
وسرعانَ ما نامَ الجميعُ رغمَ الاهتزازات العنيفة في السيارة وأكداس التراب الذي غطّى وجوهنا وأحسست بلزوجتِهِ ومرارتِهِ وباليأسِ الغريب الذي غلّفَ مشاعري.. الليلُ يتسرَّبُ تدريجيّاً إلى بطنِ سيارة "الإيفا" التي تقلّنا، سوادٌ ثقيلٌ.. وصمتٌ عنيفٌ يشيرُ إلى طبيعةِ ما سيحدثُ.. ولا أجدَ مَنْ أسألُهُ عن المنطقةِ التي مازلنا نتوغَّلُ في سوادها وعن المسافة المتبقيّة لكي نبلغَ المكانَ الذي نقصدُهُ..
هانحن نسيرُ أكثرَ من أربعِ ساعاتٍ ولا يوجدُ ما يشيرُ إلى نقطةٍ ما سنصلُها..
إنهُ مجهولٌ غريبٌ لا امتلكُ إزاءَ إحساسي بهِ سوى الانتظار والصبر والترّقب..
لقد سحبني صمتُ هذه الليلةِ إلى تفاصيل حياتي كُلِّها.. إلى أيّام ممارستي الرياضة الباذخة في الانفتاح والفرح.. إلى العلاقات الصاخبة المجنونة.. البيضاء! والعلاقات الهادئة السريّة... إلى مرضِ أبي المزمن.. وقلق أمي الدائم.. وتضارب شؤون أخوتي في اهتماماتهم..
تذكّرتُ أصدقائي واحداً.. واحداً.. وطالما تبسّمتُ مع نفسي وأنا أستعيدُ بعضَ المواقفِ والحالات الطريفة.. مرّتْ بذاكرتي الأنثى الأولى في حياتي فتنهدّتُ وأنا أجري خلفَ أنغامِها.. وأسحبُ بساطَ الخجلِ والتردّدِ الذي جلستُ عليهِ مدّةً طويلةً.. والبيتين الشعريين اللذين اندلقا من فمي وقلبي وحيرتي مرّةً واحدةً ليردّدَها جميعُ الأصدقاء بإعجابٍ..
كنتُ.. حينَ أختارُ موعداً دقيقاً لملاقاتِها وهي خارجةً من دوامها المدرسيّ، وكأنَّ الأمرَ مصادفةً محضةً، أكتفي بالتحيّةِ المرتكبةِ التي لا توحي بشيءٍ خاصٍّ، وأستلُّ ابتسامةً منها تقودُني إلى يومٍ مليء بالمرحِ والغناءِ والسعادة السريّةِ والأمل الواسع رغمَ أنفِ الحياةِ الفقيرة..
ياه.. كم مرَّ على تلك الأيّام البريئة؟
وكم ولّدتْ لدي من الأحاسيس الجيّاشةِ لتظهرَ أغنياتٍ وقصائدَ..
ويومَ بدأت الحرب وجدتُ صعوبةً في الوصولِ إلى مدرستي بسبب شدّةِ القصف وعشوائيته..
وتطوّعتُ مع زملائي في فرق الدفاعِ المدني.. شعرتُ مباشرةً بالرجولةِ الحقّة وحجم المسؤولية التي يجبُ أنْ أتحلّى بتحمُّلها..
مرّتْ بي مواقفُ كثيرةً.. أكّدتْ لي بأنني بلغتُ مرحلةَ الإحساس الأعلى والأعمق بالانتماء الحقيقيّ للوطن، وضرورة آخذ دوري الكامل في حمايتِهِ والدفاعُ عنهُ، لذلك أصررنا ـ أنا وزملائي ـ على الدوام المدرسيّ بالملابس العسكريّة والاستعداد الحقيقيّ لمواجهةِ أيِّ موقفٍ محتملٍ..
حتّى أبعدَ جيشُنا قوّاتِ العدوِّ عن حدودنا وأصبحَ القصف ُبعيداً إلى حدٍّ ما عن مدينتنا..
تعلّمتُ مفرداتٍ جديدةً تُعنى بلغةِ الحرب، وتألّمتُ لفقدان أصدقاء استشهدوا في جبهاتِ القتال.. كتبتُ عنهم أصدق الكلمات والقصائد الشعريّة..
فيما مضيتُ في رحلتي الدراسية لأنهي الإعداديةَ وأرحل إلى مدينةٍ أُخرى لإتمامِ دراستي الجامعيةِ فيها..
الطريقُ مازالَ طويلاً، أو هكذا أحسستُ.. وليتَهُ يطولُ أكثر لأبقى راحلاً مستمتعاً بصورة الماضي ونبضَهِ الذي مازالَ حيّاً..
الليلُ يزدادُ صرامةً ويصرخُ الصمتُ فيهِ مستغيثاً ومصغياً إلى دويِّ "الإيفا" وشخير الرجالِ النائمين المتلاشي في جوفها.. والتراب البارد.. المحتفل بنا في الطريقِ الذي بدأَ يتعرّجُ في الصعودِ والنزولِ الواضحين بحدّتهما، تاركاً لي فُرصةَ استنتاجٍ جغرافيٍّ آخر يقودُني إلى حدسِ المكان في هذه الرحلةِ الطويلة.