ـ 5 ـ

11 0 00

ازددتُ إصراراً للحديثِ مَعهُ، وهيّأتُ أسئلةً كثيرةً لطرحِها عليهِ، ربما سيكونُ أوّل هذهِ الأسئلة تقليديّاً ولكنّهُ مهمٌ بالنسبةِ لي وهو اسمُهُ ثم أين يسكنُ ومن أينَ جاء وهل هو من صُلبِ الواقعِ أم من أجنحةِ الخيال.. الخ؟.. من الأسئلةِ ذات الطابع الاستدلاليّ على ماهيّةِ الكيانِ الذي شغلني كُلَّ هذهِ المدّة..

وهاهو يطلُّ ثانيةً، نظراتُهُ القويّةُ الثابتُهُ المصوَّبةُ نحوي أخرستْ لساني مرّةً أُخرى!

أخبرني عن قلقِ أبي وأميّ عليَّ، وهم لا يعرفون الآنَ عن مصيري شيئاً..

صحوتُ قلقاً بسببِ قلق عائلتي عليّ..

وشعرتُ بدوارٍ وألمٍ شديدٍ في رأسي..

كيفَ سأذهبُ إليهم، وأنا لا أملكُ شروى نقيرٍ.؟! نعم.. وجدتُ فرصةَ عملٍ ولكنّها تكفي لسدِّ قوتي اليوميِّ المتواضعِ حسب..

وأنا أعلمُ فقرَ حالهم، وأعلمُ أيضاً أنّهم يبيعونَ حفناتٍ من كتبي العزيزةِ لكي يسدّوا رمقَهُمْ..

وقد تعوّدوا غيابي أيّامَ المعارك وانقطاع الإجازات.

لقد اشتقتُ إليهم الآن!

أدركني أيُّها الغريبُ.. القريبُ، فأنا أتحرَّقُ شوقاً لزيارةِ مدينتي وأهلي ولا أستطيعُ الذهاب المنهك إلى هناك..

أدركني ودلّني على وسيلةٍ أحصل فيها على ما يحقّقُ لي هذهِ الرغبةَ العصيّة التي تبدو ساذجةً في ظاهرها..

أخذتني الحيرةُ إلى المقهى القريبِ من الفندقِ البائس الذي أعيشُ فيه.. وجدتُ صديقين أحدُهما قاصٌّ ساخرٌ نشرَ عدداً من قصصهِ القصيرةِ في إحدى صحفنا المحليّةِ ونالتْ إعجاباً من القُرّاءِ وبعض النقّاد لما تتميّزُ بهِ هذهِ القصصُ من موضوعاتٍ يوميّةٍ مألوفةٍ ولغةٍ بسيطةٍ سلسلةٍ وأسلوبٍ يميلُ إلى السخريةِ..

والآخرُ رسَّامٌ جيّدٌ باعَ في الأيّامِ الأخيرةِ عدداً من لوحاتِهِ على أحدِ الوفودِ التي تزورُ البلاد وحقّقَ منها ربحاً أذهلنا جميعاً.

كانا مشغولين بلعبة (الطاولي).. وقد ردّا على تحيتي لهما باستعجالٍ كي يستمرّوا في هيامهم الغريب بالأرقامِ والأقراصِ وشدِّ الأعصاب المرتبط بلعبتهما تلك...

تركتُّهما في انغمارِهما.. وعدتًُ إلى الفندقِ، جمعتُ ما بحوزتي من كتبٍ وذهبتُ إلى إحدى المكتبات وبعتُها بأبخسِ ثمنٍ.. أخذتُهُ وانسللتُ إلى مدينتي..

تلك الأمّ الحزينة التي تترقّب ابنَها الوحيد وقد جملّت الشظايا وجهَها بالنمش والخطوط واللاّفتات السود التي طالما تجنبتُ قراءتها لئلاّ تصطدم عينايَ باسمٍ أعرفُهُ، وأنا أعلمُ بأنَّ الحرب قَدْ شاركَ فيها جميعُ أترابي وضمّتْ بسنينها الثماني أجيالاً متعدّدةً زحف بعضُها للمشاركة في (حرب الخليج) التي جابَهَ فيها العراقُ أكثرَ من ثلاثين دولةً.. في معارك (حرب العراق وإيران)، العدوُّ واضحٌ نعرفُ مداخلَهُ ومخارجَهُ وموقعَ مواضِعِهِ وبالتجربةِ عرفنا عن أفرادِ العدوِّ كلَّ خصائصهم ومواصفاتهم..

وربّما الساعاتُ الأولى بعد وصول (الإيفا) إلى فوَّهةِ الساترِ الأمامي ونزولنا جميعاً منها في ليلةٍ لا يُصَّدقُ طولهُا، أقولُ ربّما الساعاتِ الأولى كانت مغلّفةً بالحيرةِ إذْ تفرَّق المقاتلون الذينَ رافقتُهم في جوفِ (الإيفا) إلى مواضعهم وملاجئهم عبرَ طريقٍ ضيّقٍ يتطلَّبُ منهم تحمُّلَ السير الطويل الحذر على أقدامهم..

اصطحبني ظلٌّ كثيفٌ لرجلٍ ألقى عليَّ التحيّةَ بودٍّ إلى ملجئهِ القريب.. وجلسنا في زاويةٍ منهُ مع رجلينِ آخرين، عرفتُ فيما بعد أنَّ هذا الملجأ يخصُّ (عرفاء الوحدة)..

وجهّوا لي أسئلةً سريعةً، وهيّأوا لي وجبةَ طعامٍ تتلاءمُ مع العزلةِ التي تكتنفُهُم.. وقالوا لي نَمْ هذهِ الليلةَ وفي الصباحِ لدينا الوقت الكافي للحديثِ عن الجبهةِ وعن المكان الذي ستنسَّبُ إليهِ..

فرشتُ (يطغي) ونمتُ بعمقٍ في تلكَ الليلةِ بسببِ التعبِ والحيرة والانتظار..

وقد صحوتُ على صوتِ حركةِ أوراقٍ بيد (رأس عرفاء الوحدة) الذي وجَّهَ إليَّ تحيّةَ الصباح وأخبرني بأنَّ الشاي مازالَ حارّاً وأنَّ (الصمّون) في الجانب الآخر من الملجأ كما أنَّ هناكَ بيضاً مسلوقاً بالقرب من الشاي..

هيّا تناولْ فطورَك لنتحدّثَ في الأهم!

تضمَّنَ الحديثُ البسيطُ والمهمُ أيضاً تعريفاً بالجبهةِ التي سأكونُ ضمنَ قوّتها، ووصايا حولَ التعامُلِ مع ظروفِها المختلفة..

بعدَها أعطاني أمرَ تنسيبي إلى أحدِ فصائل الحجابات المتقدّمة!.

والحجابات.. تقعُ في لسانِ أو جبهةِ الأرض الحرام...

قضيتُ نهاراً ثقيلاً لآخُذَ أمتعتي في الليلِ وأتوجَّهُ حيثُ أمروني بعدَ أن رافقني أحدُ مقاتلي الحجابات إلى مكاننا الجديد..

تعرَّفتُ هناك على عددٍ من الرفاقِ الذينَ خبروا المعارك وتعلّموا أسرارَ الحفاظَ على حيواتهم ومكانهم من فرصِ تلصُّص العدوّ وتعرُّضاتِهِ.. وتبادلوا الوجباتِ التي ينظّمُهُا بينهم يوميّاً عريفٌ شابٌّ نحيفٌ يحملُ شهادةَ البكالوريوس بالتأريخ القديم.. وقد قضى في الجيشِ حتّى الآن اكثرّ من أربعِ سنواتٍ تنقَّلَ فيها بين الجبهات..

رحبّوا بي، ودُرِجَ اسمي ضمنَ الواجباتِ في توقيتٍ آمنٍ من غيرِ المتوقّعِ أن تحصلَ فيه مفاجأةً من مفاجآت الحرب.. المزعجُ في مكانِنا هذا كثرةُ أوقاتِ الفراغِ التي لا تضيعُ بسهولةٍ، لاسيّما وأنَّ الحركةَ عندنا محدودةً بأمتارٍ واطئةٍ قليلةٍ، كلُّ شيءٍ فيها يميلُ إلى اللونِ الترابي (والخاكي) ولا وجود للألوانِ الأُخرى إلاّ في أجسادِ بعضِ الزواحفِ الصغيرةِ والحشراتِ المزعجةِ التي نراها دائماً بيننا..

فكّرتُ بصخبِ المدنِ وأضوائها والاحتفال الإنسانيّ في رحابِها..

وتذكّرتُ النساءَ والأصدقاءَ وضجيجِ العالمِ الذي لا يمكنُ لهُ أبداً أنْ يعيَ طبيعةَ هذهِ العزلةِ القاتلة.. ولأنني لم أتوقّعْ مثلَ هذا الفراغ، فقد تجنّبتُ حملَ الكتبِ معي وأنا أحملُ كتابَ نقلي إلى الجبهة ولكن بعد الإجازة الأولى صارت الكتبُ ملاذي الأكبرَ وأنهيتُ أمّهاتِها بعدَ الالتحاقِ من كلِّ إجازةٍ، عندها لم يَعُد الفراغُ قاسياً ولم يَعُد الانتظارُ إلاَّ شروعاً جديداً في عوالمِ كتابٍ جديدٍ مستلٍّ من الحقيبةِ الثقيلةِ التي أصطحبُها معي في كلِّ إجازةٍ لأعودَ بحزمةٍ جديدة.. تعوَّدَ رفاقي المقاتلون إدماني القراءةَ..

وبمرور الأيّامِ صاروا يستعيرونَ منّي بعضاً منها للقراءةِ حتّى تََسرُّبِ الليل إلينا ليحملَ لنا صورَ الترقُّبِ والحراسةِ وأداء الواجب في النقاط والأوقاتِ المحدّدةِ لكلِّ جماعةٍ مِنّا.