حفل الخطوبة

9 0 00

غادرت التاكسي و أمام باب الفندق الكبير .. فقد سبقتني أمي و { غادة } إلى الكوافير لكي تبدو { غادة } في أكمل زينتها .. و ترتدي فستان الخطبة الذي اشتراه لها { ممدوح } من باريس بعدة آلاف .. و لم تفكر { غادة } أو أمي في دعوتي للذهاب معهما إلى الكوافير .. و لعلهما نسياني تماماً ..

وقفت أمام مدخل الفندق الكبير مترددة .. المبنى عالِ ضخم فخم .. كل قطعة فيه تنبئ بعالم لم أختبره من قبل و لا أدري عنه شيئاً ..

و الداخلون و الخارجون يبدون كأنهم نوع آخر من البشر .. بملابسهم الفاخرة .. و مجوهراتهم المتألقة .. و شذى العطور القوية تفوح منهم ..

مددت أصابعي و تحسست العقد الزجاجي الرخيص الذي كنت أرتديه حول رقبتي ..

في غمرة اضطرابي انقطع العقد و انفرطت حباته على الأرض ..

أسرعت ألتقط الحبات المنثورة من فوق الأرض الرخامية الامعة .. و زاد ارتباكي إلى أقصى حد ..

اقترب مني أحد العاملين الواقفين على أبواب الفندق الكبير .. تطلع نحوي في تساؤل و شك .. نهضت مضطربة .. خمنت أنه يرى في كياناً غير متجانس مع هذا العالم السحري الذي أوشك على دخوله ..

تراجعت خطوتين إلى الوراء أمام نظراته .. كأنني لصة يكادون أن يمسكوا بها متلبسة .. و كدت أندفع هاربة من المكان .. لولا أنني تذكرت أختي .. و الخطبة ..

تمالكت إرادتي و خطوت نحو باب الفندق .. تجاوزته دون أن التفت يميناً أو يساراً .. و عبرت المدخل فشاهدت على يميني عدداً من المحلات الأنيقة ذات الأضواء المبهرة .. تعرض على فتارينها ملابس ذات أشكال غريبة و ألوان صارخة .. و إلى اليسار كانت هناك قاعة واسعة ارتصت بها موائد عديدة .. جلس إليها كثيرون بوجوه حمراء موردة و ملابس أنيقة .. و ابتسامات عريضة سعيدة تملأ ملامحهم ..

وقفت مضطربة لاهثة لا أدري أين أتجه .. ولا من أسأل ..

فوجئت بصوت من خلفي كاد يسقطني على الأرض .. التفت في فزع فشاهدت حارس المدخل الذي رماني بنظرات الشك من قبل .. كانت نظرات الريبة في عينيه قد تعاظمت .. و قال يسألني يعينين ضيقتين مستريبتين إلى أقصى حد : إلى أين أنت ذاهبة ؟؟!!

أحسست باختناق و جفاف ريقي .. قلت بصعوبة و انا أوشك على البكاء : إنني .. إن خطبة أختي ستقام هنا ..

رماني بنظرة دهشة هذه المرة .. و راح يتطلع نحوي و إلى ملابسي و ملامحي .. كأنه يستسغ أن تكون لي أخت يقام حفل خطبتها في هذا الفندق الفاخر .. ثم حدق في عيني كأنه يحاول قراءة الحقيقة .. فمنعت دمعة ساخنة كادت تسقط من جفوني ..

هز رأسه في صمت .. و تراجع مبتعداً .. و تنفست في عمق .. ابتسمت برغم دموعي .. فلم أكن أجيد معاملة الغرباء .. ولا ارتياد مثل تلك الأماكن ..

و وقفت لحظة حائرة .. و تساءلت بقلق : هل جاءت أختي و أمي من الكوافير أم لا ؟؟ .. و أين هما الآن ؟؟ .. و إذا كانتا لم تأتيا فهل سأقف مكاني لأنتظرهما ؟؟ .. و إذا كانتا بداخل هذا الفندق الكبير فأين سأبحث عنهما ؟؟!! ..

و تجمعت الدموع في عيني مرة أخرى .. لماذا لم تفكرا في دعوتي للذهاب معهما ؟؟!! ..

هل كانتا تخجلان مني ؟؟ .. حتى أمي .. أم أنها نسيتني كعادتها ؟؟ .. عندما تنشغل بأي أمر يخص { غادة } ..

فجأة دوت أصوات و طبول و موسيقى صاخبة .. كانت موسيقى الزفاف .. و كانت الأصوات قادمة من قاعة واسعة إلى اليسار ..

هرعت إلى المكان فوجدت زحاماً .. رجالاً و نساءً لا أعرفهم في ملابس سهرة لامعة ..

كان العريس و العروس واقفين في قلب الزفة و لكنني لم ألمحهما أو أستطيع الوصول إليهما بسبب الزحام حولهما ..

سمعت يدة ترتدي عقداً ماسياً متألقاً تقول : يا لها من عروس فاتنة .. كأنها قمر 14 ..

و قالت سيدة أخرى بشعر مصبوغ بجوارها : هما الاثنان مناسبان تماماً بعضهما بعض .. العريس أيضاً كأنه بدر في ليل تمامه ..

في نفس اللحظة لمحت أمي .. كانت واقفة في منتصف دائرة الزحام .. وجدتها قد ارتدت فستان سهرة أسود تلتمع أجزاؤه بفضل حبات الترتر و الخرز المطرزة على رقبته و أكمامه .. و شعرها مصفف بعناية فائقة .. و رقبتها يزينها عقد يضوي بانعكاسات أضواء و ألوان مبهرة ..

اندهشت .. كانت تبدو و كأنها ليست أمي .. لم أشاهدها قد صففت شعرها بمثل تلك الطريقة من قبل أبداً .. ولا أدري من أين أتت بمثل هذا الفستان الغالي .. كانت تبدو كما لو أن العمر قد عاد بها إلى الوراء عشرين عاماً .. و قد تألق جمالها القديم في تلك اللحظة .. كما لو كان قد نهل من نبع الشباب المتجدد ..

تحرك العروسان فوقع بصري عليهما ..

شهق قلبي من المنظر المبهر .. كانا فاتنين بحق .. كأنهما أمير و أميرة يخطوان إلى عرش سعادتهما ..

كانت أختي متألقة كما لم تقع عيناي عليها من قبل أبداً .. و حتى نجمات السينما و فاتناتها ما كن يصل إلى بعض فتنتها و جمالها .. كان جمالها ارستقراطياً .. متعالياً على كل من حولها .. و كان شعرها مصففاً على شكل تاج فوق رأسها .. و قد اشتبك بشعرها حبات عقد ماسي متألق .. تضوي حباته كالنجوم اللامعة .. و في أذنيها تدلى قرطان ماسيان أيضاً .. أما فستانها فكان من الحرير الأسود و قد أحاط بصدرها و ضاق على خصرها .. ثم يتسع لأسفل في تموجات على شكل جناحي فراشة .. فبدت أختي في فستانها الرائع كأنما هي ملاك رقيق بجناحين يستعدان للطيران و مغادرة العالم إلى دنيا أرحب و أوسع .. و قد بان في عينيها نظرة ملكة تستعرض فتنتها و تألقها أمام جموع المسبحين بجمالها ..

أما { ممدوح } فكان يبدو في تلك اللحظة كفارس عاد مظفراً من حروبه .. و كانت مكافأته تلك العروس الفاتنة .. و قد بدا في حلته الزرقاء و ربطة عنقه الحمراء .. كنجم يشع بريقاً و ضياءً وسط سماء معتمة .. و كانت سعادته الحقيقية ناطقة في عينيه .. بأنه من دون رجال العالم جميعاً .. فقد فاز بتلك { الغادة } الفاتنة ..

دق قلبي بعنف .. اغرورقت عيناي بدموع سعادة طاغية لمنظرهما .. ما أجملهما ..

هذا المشهد كنت أظنه لا يحدث إلا في الأحلام .. أو على شاشات السينما .. و لم أكن أظن أنه يمكن أن يكون قريباً مني إلى هذا الحد ..

وقفت على مسافة منهما يمنعني الخجل أن أقترب .. و كان هناك نت يقوم بتصوير الزفة { بالفيديو } .. و قد تعمد المقربون الوقوف بالقرب من العروسين .. حتى تلتقطهم عدسات التصوير ..

و سارت الزفة ببطء صاعدة إلى قاعة الحفل .. و جلس العروسان فوق مقعدين كبيرين أحاطت بهما الورود على شكل قلب كبير تخترقه سهام الحب ..

و كانت أمي تقف بين العروسين يتألق وجهها بمشاعر عجيبة .. و تبدو في عينيها فرحة ليلة زفافها ..

كانت سعادة أمي بـ { غادة } لا مزيد عليها .. و كأنما توحدت الاثنتان في تلك اللحظة في كيان واحد ..

و كنت أدرك أنه لا بد من تهنئتي للعروسين باعتباري أخت العروس ..

و كان علي أن أتحرك أمام كل هذا الحشد .. و أصعد إلى حيث يجلس العروسان .. فأقبل أختى و أتمنى لخطيبها حياة سعيدة ..

و لكنني أحسست بخجل قاتل و بعرق غزير ينثال على جبهتي .. لأنني سأكون في بؤرة حدقات كل هذه العيون .. و لأول مرة أحسست بالخجل من ملابسي البسيطة .. و شعري الذي لم أفكر في تهذيبه عند أي كوافير .. و وجهي الذي لم أتعود على تجميله بأي مساحيق ..

و لكن كان علي أن أهنئ العروسين .. مهما كانت وطأة النظرات حوليي .. و مدى خجلي ..

و تحركت في اضطراب .. و ما أن بدوت أمام عيني أمي .. حتى أختفت نظراتها المتألقة البهيجة .. و حل مكانها نظرة أخرى مجهولة غامضة .. كئيبة .. متجهمة ..

عادت أمي التي أعرفها تماماً ..

و أحسست بلفح نظراتها يغوص في قلبي .. و لكنني تماسكت .. اتجهت نحو أختي .. كدت أتعثر في طريقي إليها .. و تقابلت نظراتي بها .. على الفور اختفت ابتسامتها الملكية .. و حل مكانها نفور و عدم ارتياح ..

ارتعشت شفتاي و كدت أبكي .. تمنيت لو أنني اختفيت من عالمها إلى الأبد في نفس اللحظة .. كان في عينيها ما يفصح بأنني نقطة ضعفها الوحيدة التي تتمنى الخلاص منها ..

و كنت أتمنى لو لم أتسبب لها في أي لحظة معاناة .. لو أنني أستطيع أن أختفي عن عينيها .. و عن كل هذا العالم .. و لكنني كنت أدرك أن مئات العيون تحاصرني .. و لم تسمح لي بحرية الهرب ..

احتضنتها و كذت اقبلها .. لكنها دفعتني بخشونة قائلة : انتبهي لئلا تفسدي زينتي .. و كنت قد شاهدت العشرات من صديقاتها و سيدات الحفل يقبلنها فلم تعترض أو تغضب .. ابتسمت لها رغماً عني و قلت : مبروك .. ربنا يتمم بخير ..

ابتسمت لي ابتسامة باردة خالية من الحياة و قالق بصوت مشحون بالسخرية و كأنها تتعمد طعني و جراحي : عقبالك ..

سقطت عيناي الحزينة على { ممدوح } .. لأول مرة أتأمله من هذه المسافة القصيرة .. كان أكثر وسامة و رجولة مما قدرت .. في عينيه عزم و قوة .. لا أدري هل كنت مُصحة في ظنوني أم لا .. عندما لمحت في عينيه تعبيراً من الدهشة و الاستياء .. هل كانت دهشته و استياؤه بسبب تصرف أختي معي .. أم أن ذلك كان بسبب منظري المشوش ؟؟!! ..

رأيته من قبل مرتين فقط في منزلنا .. يوم جاء لطلب يد أختي .. و يوم جاء للاتفاق على الشبكة و المهر و ما إلى ذلك .. و لمحني هو عن بعد .. و لم تظهر على وجهه أي معالم للدهشه .. كأنه يعرف أن الدنيا قادرة على فعل الأعاجيب .. أن تخلق الجمال و أن تنجب عكسه .. و أن تنبت النقيضين من بذرة واحدة .. فلماذا كانت دهشته تلك اللحظة ؟؟ ..

همست أغالب انفعالي و أقول له : مبروك أستاذ { ممدوح } .. رنا يتمم بخير ..

و تحركت أغادر المكان قبل أن أسمع رده ..

لا أكاد أرى أمامي .. دموعي توشك أن تخنقني و تسد الهواء عن مسامي ..

آلاف العيون تلاحقني .. عيون مندهشة .. و عيون مستفسرة .. و عيون مشفقة .. و أخرى ساخرة ..

اقتربت مني أمي بنظرة صارمة و همست لي بصوت بارد : امكثي مكانك ولا تتحركي .. دعي أختك و خطيبها و لا تفسدي عليهما ليلتهما .. لا تحاولي الاقتراب منهما مرة أخرى .. فالحفل يتم تصويره بالفيديو ..

و تحركت أمي مبتعدة و تركتني مقتولة بالحزن .. فما الذي فعلته لأفسد على أختي ليلة خطبتها .. و كل ما قمت به أني تمنيت لها حياة سعيدة ؟؟ ..

هل كانت أمي خجلى أن تراني كل هذه اليون القريبة .. و تعرف أنني أخت تلك العروس الجميلة الفاتنة .. ست الحسن و الجمال ..

و ما ذنبي أنا إن كنت لم أخلق بجمالها .. ولا حتى لجزء منه .. ما ذنبي إذا كان الله قد اختار لي هذه الهيئة و تلك الملامح .. و اختار لـ { غادة } أختاً .. جمالها يخطف العقول و القلوب و الأبصار ؟؟ ..

لماذا لم تكن أمي بئر حنان و نبع شفقة يصب في قلبي فيخفف عني هجير أحزاني .. لماذا لا تجئ أحزاني إلا من مشاعرها نحوي .. هي الأصل و أنا فرعها .. فلماذا نلوم أشواك الصبار .. و لا نلوم النبتة التي أوجدته و منحته الحياة ؟؟ ..

أحسست بصداع يكاد يشق رأسي ..

و أشارت ساعتي إلى منتصف الليل .. و لم أعد أستطيع الاحتمال أكثر من ذلك .. فغادرت القاعة دون أن يشعر أو ينتبه لي أحد ..

هرولت أغادر المكان الواسع إلى حجرتي الضيقة .. و فراشي الصغير .. و وسادتي الباردة .. و دموعي تسيل عليها أنهاراً .. ساخنة .. ملتهبة ..

و كان قلبي يخفق بسؤال حزين مرير .. لماذا لا يحبونني مثلما أحبهم ؟؟ ..

آه عليك يا { سعاد } كم عانيت في هذه الحياة و ليس هذا إلا جزءاً بسيطاً جداً من أحزانها و همومها الكثيرة ..