الحلم .. و الفارس

8 0 00

رحت أشق طريقي داخل تلك الغابة المظلمة .. كان قلبي يدق بفزع الرهبة .. و نبضي يحتضر خوفاً ..

لا أدري كيف وصلت إلى تلك الغابة .. ولا من الذي ألقاني في جوفها المخيف ..

فتحت عيني لأجد نفسي وسط دروبها المعتمة التي أحس أنها تسلبني طمأنينتي و هنائي .. و أشجارها العملاقة المتشابكة .. التي أشعر أنها توشك أن تلتف حول رقبتي و تخنقني .. و أوراق أشجارها اليابسة الملقاة على الأرض .. فما أكاد أطؤها بقدمي حتى تتكسر تحتها بصوت مفزع .. كأنه آهات كائن يحتضر و يعاني ..

زعق طائر قبيح الصوت بأعلى الأغصان فارتجت فزعاً .. التجأت إلى شجرة قريبة ذات ألوان ودودة لأحتمي بها .. فجأة خرجت من بين أغصان الشجرة حية عظيمة الحجم .. لها وجه انسان اعرفه .. انسان أحبه و يضن علي بحنانه ..

صرخت من الرعب .. اندفعت هاربة و الأغصان تخدش وجهي و ذراعي .. و نعيق البوم يطاردني .. و نقيق الضفادع يسخر مني .. و الغربان السوداء تحلق فوق رأسي زاعقة بصوت شامت .. كأنها تستجلب علي لعنات أبدية ..

جريت و جريت حتى تقطعت أنفاسي .. و ارتميت على الأرض لاهثة .. درت بعيني في المكان الذي وصلته أبحث عن منقذ للأمان .. اكتشفت انني عدت إلى نفس البقعة الأولى .. و أطلت علي الحية ذات الوجه المألوف مرة أخرى .. كان لها ملمس ناعم و ألوان مغرية .. و لكن الموت كان يكمن في أنيابها ذات الطابع البشري .. و نظرات الكراهية في عينيها واضحة حادة ..

كادت تعضني .. صرخت في فزع .. صرخت و صرخت .. فتوقفت الحية عن محاولة إيذائي و تأملتني بعينيها الضيقتين الخبيثتين .. ثم انفجرت ضاحكة ..

اندهشت .. و تراجعت للوراء .. و الحية لا تزال على ضحكها الساخر مني ..

ثم مدت رأسها للأمام و قالت لي : لا مهرب لكِ مني .. أنا التي أتيت بكِ إلى هذه الغابة .. و لذا فأنت ملكي .. أفعل بك ما أشاء .. و ليس لكِ حق الاعتراض .. حتى لو حكمت عليكِ بالموت لا تملكين الاعتراض أو الهرب من حكمي ..

صرخت في فزع متوسلة إليها : أرجوك لا تؤذيني .. إنني لم أوذ إنساناً أبداًَ .. و لا يحمل قلبي مكروهاً لأحد .. فلماذا ترمينني بكراهيتك .. و قلبي لم يعرف غير الحب لكل الناس ؟؟ قال لي بصوت كالفحيح : كثيرون يُعاقبون دون أي ذنب .. و أنت محكوم عليك بعقاب أبدي .. و أنا سجانك الذي يتولى عقابك ..

و قهقهت الحية مرة أخرى فصرخت في جزع و رعب ..

صرخت أطلب من ينقذني فلم يسترجع صدى صرختي غير نعيق البوم و حفيف أجنحة الغرابان .. و تكسر الورق اليابس المحتضر تحت قدمي ..

أغمضت عيني رعباً و قلبي كاد يتوقف عن اللهاث .. لم يكن لي أمل أو مهرب .. محكوم علي بالسجن الأبدي في تلك الغابة القاسية .. ثم الموت كأبشع ما تكون النهاية .. ليس هناك من يمد لي يد المساعدة .. ولا هناك قلب يخفق من أجلي .. و يحزن بسببي ..

أجهشت ببكاء شديد و أنا أخفي عيني بيدي ..

فجأة التقطت أذناي صوت حفيف أجنحة .. كأنها أجنحة ملائكة لها أجراس موسيقية تحمل السكينة و المرة إلى القلوب الثكلى بالأحزان ..

فتحت عيني مندهشة .. فرأيت الحية تتوارى فزعاً .. و نور يضوي في الأفق البعيد مثل هالة نهار .. يكاد يحيل ظلمة الغابة إلى بهجة نور .. لمحت جواداً طائراً له جناحا ملاك .. و هو يسبح فوق رؤوس الأشجار .. و فوق الجواد كان هناك فاس متسربل بالنور .. غارق في الضياء مثل الشمس ..

لم أستطع أن أحدق فيه طويلاً بسبب هالة الضوء المشعة حوله .. آلمتني عيناي الواهنتان .. لم أستطع أن أميز ملامحه .. و لكنني أحببت هذه الملامح دون أن أراها .. كدت أصرخ في ذلك الفارس ذي الهالة أن يسرع لإنقاذي .. و لكن الصرخات لم تخرج من صدري .. و بدا على الفارس كأنه يعرف معاناتي ..

حلق الفارس بحصانه ذي الأجنحة الملائكية قليلاً في الفضاء .. لم يعد للحية أي أثر في المكان .. و كفت البوم عن النعيق و الغربان عن الصراخ .. و ساد الغابة سكون عميق .. رائق .. صاف ..

و اندفع الفارس بجواده المجنح إلى السماء البعيدة .. اختفى و اختفى في قلب السماء حتى لم يعد له أثر غير نقطة ضوء كنجمة مغروزة في قلب الظلام .. كمنارة بعيدة ترشد الحائرين و تطمئن اليائسين ..

هتفت أناديه في جزع و أمل : لا تتركني يا سيدي .. لا تتركني وحدي أيها الفارس ..

و ارتعشت يداي و قدماي بحركة عصبية كأنهما تصرخان معي ..

و استيقظت فزعة .. كنت احلم .. و قد تبلل وجهي بدموع غزيرة .. و يداي و قدماي لا تزالان ترتعشان .. و أنفاسي مضطربة مرتجفة ..

و بدأت أنفاسي تهدأ قليلاً .. لم يكن من عادتي أن أحلم مثل تلك الأحلام العجيبة .. و كنت أنسى ما حلمت به حالما أستيقظ من نومي ..

و لكن حلم الأمس كان لا يزال عالقاً في ذهني كأنه حياة أخرى عشتها بالفعل و تفاصيل حوادثه تدور أمام عيني ..

و تساءلت ذاهلة ما معنى ذلك الحلم .. و من يكون ذلك الفارس النوراني فوق جواده المجنح .. و لمذا أحسست بالطمأنينة لأول مرة في حياتي بوجوده بقربي ؟؟ ..

كل الفتيات كن يحلمن بفارس أحلامهن .. و لم تكن لي مثل تلك الأحلام أبداً .. كأنني أدرك أن حياتي لن يكون لها فارس أبداً ..

فلماذا حلمت تلك الليلة .. و أي سكينة و مسرة حملها إلى قلبي المعذب المجروح ؟؟ و ماذا كان يعني ذلك الحلم ؟؟