رائحة الدموع ..

9 0 00

عندما رأيته ممداً فوق فراشه في المستشفى .. و ساقه محاطة بالجبس .. و وجهه ملئ بالجروح و الندوب .. لم أستطع احتمال المشهد فانفجرت باكية و أنا أشعر كأن سكيناً قد غاصت في قلبي ..

و رمقتني أمي بوجه غاضب أشد الغضب و صرخت في : كُفي عن هذا البكاء ياوجه الشؤم ..

تواريت خجلي و أنا أحبس دموعي في قلبي .. و رأيت { غادة } أختي و هي تقترب من فراش { ممدوح } و تتوقف أمامه و تتأمل إصابته .. ثم سألته بعينين ضيقتين : مالذي فعل بك ذلك ؟؟ !! ..

أجابها في ألم شديد : بعد أن غادرتكم بالأمس ركبت سيارتي .. فاصدمت بشاحنة ضخمة حطمت سيارتي و ساقي ..

و كان في عينيه معاناة أليمة .. كأنه يريد أن يقول لها بأن تصرفها معه ليلة الأمس هو السبب في اضطرابه الشديد الذي تسبب في حادث السيارة ..

و قال سكرتيره { صلاح } : لولا ستر الله ما كان قد نجا من الحادث .. و قد اضطررت للإنتظار حتى الصباح لأذهب و أخبركم بالحادث .. حتى لا أزعجكم في منتصف الليل ..

أصابني وجوم قاتل .. إذن فقد أصيب { ممدوح } ليلاً .. في نفس الوقت الذي شاهدت فيه الفارس النوراني و هو يسقط من فوق جواده المجنح ..

و قال { ممدوح } لـ { غادة } و هو يجاهد ليخفي آلامه : أردت أن أراك بأقصى سرعة .. أحسست أن آلامي ستخف عندما تقع عيناي عليك .. فوجودك بقربي يخفف عني آلامي مهما كانت ..

جاوبته { غادة } بنظرة صمت متجهمة طويلة .. كان هو مثل بحار فوق سفينة .. قطع آلاف الأميال مبحراً بحثاً عن شاطئ أمين يلقي نحوه مرساته .. و واجه العواصف و الأمواج .. و كانت هي تبدو مثل سراب شاطئ لا أمان له ..

و سألته { غادة } متشككة : ما حجم إصابتك ؟؟ ..

أجابها { ممدوح } و قد أغمض عينيه : كسر مزدوج بالساق يحتاج إلى شهرين لالتئامه .. و بعض الخدوش و الجروح المتفرقة ..

عادت تسأله في شك : أليس هناك أي كسور في العمود الفقري أو أي ماكن آخر يمكن أن ينتج عنها عاهة دائمة ؟؟ !! ..

أحسست بألم يعتصر قلبي و كدت أصرخ فيها أن تصمت تلك الباردة القلب كالموتى .. و كلماتها مثل نصل سيف تذبح و لا ترحم .. و فكرت متألمة .. كان أول ما فكر فيه { ممدوح } بعد إصابته أن يراها عسى أن تكون بلسم جراحه و أمل شفائه .. فكانت كلماتها مُرة الطعم كدواء لا فائدة منه ..

قال { ممدوح } متألماً : هل كنت تتمنين لي أن أصاب بعاهة دائمة ؟؟ ..

أجابته بغضب بارد : هل أنت غاضب لأنني أطمئن عليك ؟؟ ..

كنت اعرف أنها تريد أن تطمئن على نفسها .. هي أختي و أعرفها جيداً .. كان من المستحيل أن تستمر مع إنسان عاجز ..

و جاء صوت الطبيب من الخلف يطمئنها قائلاً : لا تخشي شيئاً .. إن اصابته بسيطة و سيشفى منها و لم تترك أي أثر .. إنها مسألة وقت فقط ..

و قال { ممدوح } و هو يبذل إرادة قوية لإخفاء آلامه : أريد أن أغادر هذه المستشفى .. لا أتحمل وجودي بين جدرانها ..

كنت أعرف أنه يكره المستشفيات بالذات .. بعد أن عانت والدته من المرض وقتاً طويلاً قضته في مستشفى خاص بعد إصابتها في حادثة هي و أبيه .. و بعد أن ماتت أمه صار { ممدوح } لا يطيق بقاءه في أي مكان يذكره بتلك الذاكرى المؤلمة .. سمعته من قبل يخبر { غادة } بذلك ..

قال الطبيب مهوناً لـ { ممدوح } : يمكنك العودة إلى منزلك و البقاء فيه طوال فترة العلاج .. بشرط وجود ممرضة بجوارك لتساعدك و تنازلك الدواء بانتظام ..

هتف { ممدوح } في راحة : لا مانع لدي .. المهم أن أغادر المستشفى في أسرع وقت ..

و لكن { غادة } التصقت عيناها بالممرضة الجميلة التي كانت تعد حقنة منومة لـ{ ممدوح } و هتفت في عصبية : لا .. لن أسمح لأي ممرضة بأن ترعاه ..

قال الطبيب : إذا كنت تريدين أن تقومي بهذه المهمة فلا مانع لدي .. فهو على أي حال ليس في حاجة لممرضة متخصصة .. فقط يحتاج لمن تسهر بجواره و خاصة في الليل لتلبية أي حاجة يريدها ..

شحب وجه { غادة } و ارتبكت و قالت : أنا .. أنا لم أقصد أنني أريد القيام بهذا العمل .. أنا لا أحتمل السهر ليلاً ..

لمحت وجه { ممدوح } و قد ازرق لونه كأنما هربت كل دمائه .. و اندفعت بلا وعي أقول : سأسهر أنا على راحته .. لن أتركه حتى يشفى و يستعيد قواه .. أما عملي فيمكنني أن آخذ منه إجازة طويلة ..

رأيت وجه أمي يشرق بالراحة لذلك الحل .. و صعدتني { غادة } بعينيها كأنها تريد أن تستشف أهدافي الخفية .. ثم قالت بارتياح : هذا أفضل .. فإن { سعاد } أختي تستطيع تحمل السهر و التعب بلا مشقة .. فهي معتادة على ذلك ..

و كانت المرة الأولى منذ وقت طويل أسمعها تناديني بكلمة { أختي } ..

و وافق { ممدوح } على الاقتراح .. و رأيته يعض على شفتيه ألماً .. و لم أدرِ إن كان ذلك بسبب آلامه أم بسبب صدمته في { غادة } .. و مع الحقنة التي أعطتها له الممرضة الحسناء غرق في النوم ..

و في هدوء نقله الممرضون إلى سيارة إسعاف .. حملته و نحن معه إلى فيلته الصغيرة .. و مدده الممرضون على الفراش .. و ترك لي الطبيب قائمة بواجباتي و مواعيد الأدوية و المسكنات و أنواع الطعام .. ثم غادر المكان ..

و رمقتني { غادة } بنظرة طويلة بلا حياء ثم قالت لي : إذا اشتكى { ممدوح } منك لأي سبب أو قصرت في خدمته فسأكسر رقبتك ..

قلت لها بتسامح : لا تخشي سيئاً .. سأضعه في عيني ..

فقالت ساخرة : لا داعي فربما يصاب بالحول بسبب ذلك فيصير مثلك .. و لاتجعليه يرى وجهك كثيراً .. حتى لا يفقد شهيته للطعام ..

و نهضت و هو تقول متأففة : لا أتحمل رائحة الدواء و الجبس .. سأعود في المساء للاطمئنان عليه ..

و غادرت المكان مع أمي .. و ذهب { صلاح } ليأتي ببعض الطعام و الفاكهة ثم عاد و وضعه في الثلاجة .. و طلبت منه الانصراف لتسيير شئوون شركة { ممدوح } ..

و بقيت وحدي أتأمل ملامحه و هو غارق في سكون النوم .. لأول مرة أقترب من رجل إلى هذا الحد .. و لأول مرة كان قلبي يخفق بهذا الشكل .. كانت له ملامح نبيلة .. و كنت أتمنى لو ظللت عمري جالسة أمامه أحدق في وجهه ..

خيل لي أن وجهه يتألق بأنوار غامضة قادمة من سماوات بعيدة .. كأنما ملامحه قد اكتست بنفس نور الفارس النوراني ..

كان لا يستحق ما جرى له أبداً .. و رأيته يتأوه بألم بسيط برغم وعيه الغائب .. و كنت مستعدة لأن أبادله آلامه براحتي بلا مقابل .. و لم أستطع منع دموعي من أن تنهمر حزناً عليه ..

و توقفت عن البكاء ذاهلة عندما شاهدته يستيقظ فجأة .. و حدق في مندهشاً ثم سألني : لماذا تبكين ؟؟ !! ..

ارتبكت كأنه ضبطني أسرق .. و قلت في خجل : لقد تألمت بسبب ماجرى لك .. فبكيت رغماً عني ..

نظر نحوي لحظة و قد ارتسم في عينيه تعبير من الدهشة .. و تلفت حوله متسائلاً : و أين { غادة } ؟؟ ..

قلت باضطراب : إنها لم تحتمل رائحة الدواء و الجبس .. فخرجت و قالت أنها سوف تعود مساءٍ للإطمئنان عليك ..

اكتسى وجهه بمرارة شديدة و قال : لم تحتمل رائحة الدواء .. و هل كنت سأتركها أنا إذا أصابها مكروه ؟؟ ..

و في مرارة أشد أكمل : إنني حتى لم أرَ الدموع في عينيها لما جرى لي كأنني غريب عنها .. يفصلني عن قلبها آلاف الأميال .. و أراك أنتِ تبكين بدلاً منها ..

قلت ألتمس لها عذراً : أنا ضعيفة القلب .. و هي قوية المشاعر ..

لم يعلق على ما قلته .. و سألته إن كان يريد تناول أي وجبة طعام أو عصائر فهز رأسه رافضاً .. و أدار وجهه بعيداً عني .. كأنه يريد أن يهرب مني و من العالم كله ..

لم أسمعه و هو يبكي .. و لا رأيت عينيه تسقطان الدموع ..

و لكن .. كان للدموع رائحة أعرفها تماماً .. و أحسست بتلك الرائحة تغزو قلبي من عينيه فعرفت أنه يبكي في صمت بعيداً عن العالم كله ..

و في تلك اللحظة أحسست أن دموعه قطرات دماء تنزف من قلبي .. و تمنيت لو أنني منحته حياتي كلها .. فداء دموعه .. حتى لا أراه يبكي مرة أخرى ..

هل يا ترى سعاد تحب ممدوح ؟؟ و هل من المعقول ان يكون يبادلها مشاعرها ؟؟ أم سيكون حب من طرف واحد ؟؟