الحلم .. و سقوط الفارس

9 0 00

رأيت نفسي في الغابة ذاته ..

الدروب من حولي معتمة تتنفس الظلام و لبخوف و الرهبة .. و الأشجار الكثيفة تسد الطريق أمام أي محاولة للهرب .. و أوراق الأشجار الميتة اليابسة تحت أقدامي ترسل أنيناً متكسراً محتضراً ..

الغربان لا تزال تحلق بأعلى رؤوس الأشجار .. و البوم لا يزال ينعق في كهوفه و لكنني برغم ذلك لم أشعر بأي خوف هذه المرة ..

لم ترهبني الظلمة و لم يخنقني الخوف .. و لم يحمل لي نعيق الغربان نذير شؤم .. لا أدري من أين كنت أستقي تلك السكينة و الاطمئنان ..

رحت أتجول بين الأشجار .. بدت و كأنها تفسح الطريق رغماً عنها .. و نعق البوم في وجهي .. لكنه لم يجرؤ على الاقتراب مني ..

أطلت الحية المرقطة برأسها و راحت ترمقني في حذر .. و لكني لم أشعر بخوف عند ظهورها هذه المرة .. و صحت فيها : أيتها الحية الماكرة .. هيا ابتعدي عن طريقي و إلا نالك ما يسوئك .. أنا لا أخافك أيتها الماكرة التي لا قلب لها ..

أسرعت الحية تزحف مبتعدة .. بالرغم من أنني لم أكن أستطيع إيذائها ..

و لا شك أنها كانت تدرك ذلك .. و لكن .. كان من الواضح أنها خائفة من شيء ما .. شيء آخر كانت لا تستطيع مواجهته هو الذي يدفعها بعيداً عني .. و كنت أنا مطمئنة بطريقة لا أستطيع تفسيرها ..

و رأيت نفسي اتطلع الى رؤوس الاشجار كانني ابحث عن شيء ما .. عن ذلك الشيء الذ يسكب الطمأنينة في قلبي .. و ساد الغابة سكون عميق في تلك اللحظة .. و سمعت الأجنحة الملائكية .. فنبض قلبي بالسعادة و أشرقت شمس الفرحة في صدري ..

تملق بصري بالحصان المجنح السابح في الفضاء .. و انشقت رؤوس الاشجار لتكشف عن صفحة السماء المظلمة .. لا يخترق عتمتها غير هالة الضوء النوراني للفارس فوق جواده المجنح ..

قفزت من السعادة لرؤيته ..

عرفت لماذا خشيتني الحية و ابتعد عن طريقي البوم و الغربان ..

لوحت لذلك الفارس النبيل .. بدا و كأنه انتبه إلى اشارتي .. خيل إلي أن عينيه تألقتا بوميض نور ..

لم أميز ملامحه تماماً لبعد المسافة .. و لهالة النور حوله .. و لكنني كنت أستطيع أن أميزة بوضوح هذه المرة عن المرة السابقة .. و اعتادت عيناي على النور القوي الذي يشمله .. و لم أكن في حاجة إلى إخفائها .. و ناديته : أيها الفارس النبيل .. فلتهبط لتنتشلني من هذه الغابة القاسية ..

لم أدر إن كان الفارس النوراني قد سمعني أم لا .. فقد رأيته يحلق بأعلى مرة أو مرتين فوق جواده المجنح .. و يدور في السماء ..

صحت فيه أطلب نفس الأمنية .. و لكنه تجاوزني و انطلق بعيداً ..

انقبض قلبي و عاودني شعور الخوف .. صرخت صرخة يائسة دون أن يسمعني أو يلتفت إلي ..

و لمحت الحية المرقطة توشك أن تطل برأسها .. و نعيق البوم و قد تعالى مرة أخرى ..

ما أن اختفى الفارس النوراني .. حتى عادت إلى الغابة ظلمتها و رهبتها ..

و فجأة شهدت وحشاً مفترساً ينقض من السماء نحو الفارس النوراني .. وحش لا مثيل له في بشاعته .. و اندفع الوحش المخيف يهاجم الحصان و فارسه .. و كاد قلبي يتوقف عن الخفقان من الرعب و الخوف ..

و صرخت في فارسي أطلب منه أن يصمد و يتجلد .. و حاول الفارس المقاومة و لكن الوحش دفعه بقرنيه .. فشاهدت الفارس النوراني و هو يتهاوى من فوق جواده المجنح .. ثم يسقط من أعلى متهاوياً نحو الأرض ..

صرخت في رعب و هلع .. و رددت الغابة الملعونة صرخاتي .. و قد تعالت حولي أصوات البوم و الغربان تكاد تصم الآذان .. و كأنها تطلق صرخات فرح قبيحة لشدة سعادتها ..

استيقظت من نومي فزعة ..

كان قلبي يدق بعنف شديد .. و عرق غزير يكسو جبهتي و رأسي .. و عيناي مليئتان بالدموع .. و صدري يعلو و ينخفض بلهاث شديد ..

تذكرت الحلم فأحسست كأن كابوساً يجثم على صدري .. و مشهد الفارس النبيل يسقط من فوق حصانه الطيار و يهوي إلى الأرض ..

كدت أصرخ مرة أخرى و لكنني تماسكت .. حاولت أن أقنع نفسي بأنه مجرد حلم .. و لكن الاطئنان لم يتسرب إلى نفسي و زاد فزعي و رعبي ..

كنت أشعر كأن ذلك الفارس النبيل إنسان أعرفه و أخاف عليه .. لم أدر أي تفسير لحلمي المزعج .. و لكنني كنت مرتعبة و فزعة و أوقن أن شيئاً فظيعاً سيحدث ..

رحت أبكي و أبتهل إلى الله .. و أنا لا أعرف لمن أدعو بالرحمة ..

و قضيت بقية الليل ساهرة حتى الصباح و روحي مقتولة .. و ثمة إحساس يكاد يشل أنفاسي بحدوث كارثة .. لا يؤخر إعلانها غير مجئ نذير الشؤم ..

في الصباح دق الباب بعنف .. و دق قلبي بعنف أشد ..

أحسست كأن تلك الدقات نذير الكارثة ..

و أسرعت أمي تفتح الباب قلقة .. فاندفعت خلفها في فزع ..

شاهدت { صلاح } سكرتير { ممدوح } خطيب أختي و هو يندفع داخلاً .. و في صوت مفزوع صاح بنا : { ممدوح } أصيب إصابات بليغة في حادث سيارة و هو في المستشفى الآن .. و يريد رؤية الآنسة { غادة } حالاً ..

تذكرت الفارس النبيل الذي هوى من فوق حصانه المجنح ..

صرخت صرخة مرتعبة ملتاعة ..

ياترى ماذا قد حصل لممدوح ؟؟ و هل حالته خطرة ؟؟ .. و هل من المعقول ان يكون الفارس النبيل هو نفسه ممدوح ؟؟ فلنرى ماذا يسحصل لسعاد و ممدوح و غادة