صار وجود { ممدوح } في بيتنا الصغير شيئاً مألوفاً .. كانت أختي { غادة } تحاول أن تنزعه انتزاعاً من بيتنا .. كأنها تخجل من مسكننا المتواضع .. و دائماً تطلب منه أن يذهبا إلى أماكن أخرى لقضاء الوقت و النزهة .. و كان هو يقول لها دائماً : إنني أحن إلى بيتكم الصغير الدافئ .. إنه يشبه بيتنا الصغير القديم ..
و كانت ترد عليه غاضبة : يبدو إنك تحب الفقر ..
ثم تجبه على أن يصطحبها في نزهة بعيدة .. إلى أماكن لا يذهب إليها إلى الأغنياء ..
و ذات يوم كان { ممدوح } في بيتنا فقال لأمي : الخادمة التي كانت تعمل عندي تزوجت و تركت العمل .. هل يمكنك أن تساعديني في البحث عن أخرى تحل مكانها ؟؟
ففكرت أمي لحظة ثم أشارت نحوي و قالت : يمكن { لسعاد } أن تذهب كل أسبوع إليك مرتين لتقوم بأعمال النظافة و غيرها ..
فشحب وجه { ممدوح } و هتف على الفور في غضب : ماذا ؟؟ !! .. هذا مستحيل ..
و يومها بكيت كما لم أبكِ من قبل .. كنت خادمة في نظر أمي .. و لا أزال حتى الآن أذكر نظرات { ممدوح } الغاضبة المستنكرة .. و نظرة السخرية و الاحتقار التي ارتسمت في عيني { غادة } و هي تقول لخطيبها : بصراحة .. لن تجد من هي أفضل من { سعاد } في شئون النظافة و الغسل .. فمواهبها الحقيقة تظهر في هذه الأشياء فقط !!
صدقوني .. برغم ذلك أيضاً لم أكرهها ..
و صار منزلنا مكدساً بالهدايا .. المئات من حقائب الهدايا .. لم يكن لي فيها واحدة .. و لم يفكر { ممدوح } في أن يحضر لي هدية صغيرة .. و يبدو أني كنت شيئاً مهملاً منسياً بالنسبة له أيضاً .. كما كنت بالنسبة لأمي و أختي .. أو لعلهما كانتا تمنعانه من إحضار أي هدية لي .. و لم أكن أريد منه شيئاً .. يكفي أن أرى سعادة أختي و أمي في وجوده معهما ..
و صار قلبي يتوهج بالسعادة كلما سمعت طرقات { ممدوح } المميزة فوق باب شقتنا .. كنت أحب دائماً أن أراه .. أن أسمعه يتحدث إلى { غادة } و ينطق بكلمات الحب إليها .. و هي تستمع إليه و فوق ملامحها الفاتنة ابتسامة رضا ..
كنت أراه إنساناً نبيلاً ندر وجوده في هذا العالم القاسي .. إنساناً مستعداً للعطاء بلا حدود و بلا مقابل .. كان حبه لأختي صافياً سامياً .. و كان مستعداً لأن يفعل أي شئ لإرضائها .. و لو على حساب نفسه ..
لم أسمع { غادة } أختي تنطق أمامه بكلمة { أحبك } .. و لكنه لم يكن يشكو أبداً ..
و عندما كانت حجرتي الضيقة الصغيرة تضمني إليها و تُغلق بابها علي .. كنت أرفع عيني إلى السماء و أهتف من أعماق قلبي : يارب .. امنحني الإنسان الذي يهبني مثل هذا الحب .. الإنسان الذي يحيطني بكل تلك المشاعر الدافئة و الحنان .. يارب امنحني انساناً أحتل في قلبه و لو ركناً ضئيلاً .. فأكون مستعدة لأن أمنحه قلبي و مشاعري .. أمنحه حياتي كلها .. ماضيها و حاضرها و مستقبلها .. فتكون حروف اسمه هي نور عيني و كلماته نبض قلبي ..
يارب .. هبني لحظة سعادة تعوضني أيام شقائي و تعاستي .. هبني إنساناً يعاملني بإنسانيتي .. يعوضني عن فقداني لأبي .. و يعزيني عن حرماني من حنان أمي و أختي .. يارب .. ضع في طريقي ذلك الانسان الذي لا ينظر إلى ملامحي الخاجية .. بل يبحث بداخل قلبي و مشاعري .. لا أريده غنياً و لا وسيماً .. يكفي أن يكون له قلب يتسع لوجودي بداخله ..
و كنت أبكي كثيراً و الأيام تمضي و تجري .. و أفق حياتي يبدو مظلماً ليس فيه بصيص نور أو أمل .. و { مخلوف } ينعق في أذني مثل الغربان السوداء .. فيزيد آلامي و شقائي ..
كنت أدرك أن هذا الانسان الذي ابحث عنه لا وجود له في هذا العالم القاسي .. و أنني ربما أنفق عمري كله في انتظاره .. بلا فائدة .. و برغم ذلك كنت أتحمل صابرة .. و لا أشكو ..
و بدأت تظهر في الأفق بعض المشاكل الصغيرة بين { ممدوح } و { غادة } .. أحياناً يكون هناك موعد بين { ممدوح } و أختي ليصطحبها للخروج .. و عندما يأتي لا يجدها .. و يظل في انتظارها ساعة أو اثنتين .. و عندما تعود تتعلل له ضاحكة بأنها تأخرت عند الكوافير .. أو أنها كانت لدى بعض صاحباتها و سرقها الوقت .. و كنت ألمح الضيق و الألم في عينيه .. و كان ذلك يحزنني لأنني أراه إنساناً طيباً صريحاً لا يستحق تلك المعاملة .. و ذات مرة سألت { غادة } : لماذا تتعمدين ترك خطيبك ينتظرك وقتاً طويلاً ثم تعودين بحجج تافهة ؟؟ !! .. كأنك تتعمدين إيلامه ..
فأجابتني : هذه أمور لا تفهم فيها إلا النساء .. فالرجل يحب دائماً أن تتدلل عليه فتاته ..
قلت بدهشة : و لكنه خطيبك .. و هو صريح و واضح معك .. فلماذا لا تفعلين نفس الشئ معه ؟؟ !! ..
هتفت غاضبة : مالك أنت و هذه الأشياء .. إنني أعرف مصلحتي و لا أنتظر نصائح منك .. و عندما يأتيك خطيب مارسي نصائحك على نفسك معه ..
و ساخرة أضافت و هي تتأملني : هذا إن جاء خطيب !! ..
و برغم سهام كلامها .. و الجراح التي كانت تتعمد أم تضيفها إلى مشاعري .. إلا أنني لم أكرهها أبداً .. فهي أختي .. و أنا أحبها مثل نفسي ..
و بدأت أتنبه إلى أن تعمد { غادة } التأخير أو الدلال على { ممدوح } خطيبها .. ليس لأنها تمارس معه نوعاً من أنواع الإثارة و الدلال .. لا .. بل كان ذلك لأن هذه طبيعة تكوينها و طبعها الذي نشأ معها .. و هو عدم الاهتمام بأحد آخر غير نفسها .. كنت أنانيتها هي التي تفرض عليها ذلك الأسلوب في التعامل .. و أن عينيها لا تبصران في صفحتها غير نفسها .. و كنت أرى { ممدوح } يتحملها في صبر دون شكوى .. فقد كانت عيناه تفصحان عن حبه الكبير لها .. و استعداده للتسامح معها باستمرار .. كما عرفت أن { ممدوح } يتيم الأب و الأم .. توفي والداه في حادث سيارة و هو صغير .. و لذلك لم يكن لمشاعره أي اتجاه غير تلك الانسانة التي احبها و اختارها شريكة لحياته .. و لكن { غادة } كانت تستغل حبه أسوأ استغلال .. في فرض مزيد من الدلال عليه .. و اظهار عدم مبالاتها به في كثير من الاحيان .. و طلب الكثير من الهدايا الغالية .. و التي لم تكن لها حاجة بها غير ان تطلب .. و أن ترى من يحبها ينفذ طلباتها .. و مامن مرة تقابل الاثنان في شقتنا .. الا و سمعت { غادة } تسأل { ممدوح } : كم كسبت اليوم ؟؟ !! ..
و كانت تصيبه الدهشة من سؤالها .. لمحت ذلك في عينيه أكثر من مرة و أنا اقدم المشروبات المثلجة له .. كان أحياناً يتهرب من الاجابة على سؤالها ..و احياناً يجيبها اجابات مقتضبة .. و ذات مرة أقبل سعيداً .. فسالته { غادة } عن سر سعادته فأجابها : اليوم عقدت صفقة سأكسب فيها مائة ألف جنيه ..
فلمعت عينا أختي و قالت له : إذن فستكافئني بهدية مناسبة .. ما رأيك في أسوار من الألماس .. لا أريدها غالية .. يكفي أن يكون ثمنها خمسين ألف جنيه ..
و مالت عليه في دلال و شعرها الاشقر الحريري يداعب وجهه .. و اضافت قائلة : و بهذا نكون قد اقتسمنا ارباحك .. نصفها لك .. و نصفها لي ..
و ابتسمت ابتسامتها الساحرة .. و ظهر شيء من التردد في عيني { ممدوح } .. و لكني رأيت وجهه يشرق بابتسامة حب بعد لحظة و هو يتامل عينيها الزرقاوين الساحرتين ثم قال لها : سآتي لك بكل ما تريدين .. إنني أحبك و مستعد لأن أفعل أي شيء يسعدك مهما كان ثمنه ..
و ذات نهار آخر كان هناك موعد لخروج { غادة } و { ممدوح } .. و جاء هو ليجدها نائمة على فراشها و أخبرته أنها مريضة و لا تستطيع مغادرة فراشها أو الخروج معه .. و اندهشت انا لانني كنت اعرف انها ليست مريضة ابداً .. و كانت منذ قليل في تمام حيويتها و نشاطها ..
و ظهر الحزن الشديد على وجه { ممدوح } و هو يقول لها : هل آتي لكِ بطبيب ؟؟ !! ..
فأجابته { غادة } و هي تدعي الألم : لا .. سوف يخف ألمي اذا ارتحت و نمت .. أنا آسفة يا { ممدوح } لن استطيع الخروج معك اليوم كما اتفقنا ..
فقال لها { ممدوح } : لا عليك .. كنت أنوي مفاجأتك اليوم عند خروجنا بشراء السيارة { الأسبور } التي اعجبتك من قبل ..
قفزت { غادة } من فراشها في سعادة هاتفة : لماذا لم تخبرني لذلك من قبل .. سأخرج معك فوراً لشراء السيارة ..
فسألها بدهشة : لكن .. ألست متعبة ؟؟ !! ..
فأجابته و وجهها الفاتن ينبض بالسعادة : لا .. لقد ضاع تعبي و إرهاقي ..
و لمحت الدهشة في عيني { ممدوح } .. و هو يبدو حائراً من تصرفات { غادة } ..
مسكين { ممدوح } .. إنه لا يدري فلسفة { التمثال الجميل } .. و لا تعليمات أمي لـ { غادة } فالطيبون تفوتهم أشياء كثيرة لا ينتبهون إليها بسبب صفاء قلوبهم ..
و ذات مساء دق جرس شقتنا الصغيرة .. كان الوقت متأخراً .. و تجاوزت الساعة الحادية عشرة مساءً .. و أصابني قلق كأن جرس الباب نذير شؤم ..
أسرعت أفتح الباب فوجدت { ممدوح } أمامي مشوش الوجه غير منهدم كعادته و وجهه شاحب .. و هتف يسألني بصوت متحشرج : أين { غادة } ؟؟ !! ..
أجبته بقلق شديد : إنها نائمة في حجرتها ..
و بقلق لا مزيد عليه سألته : ماذا هناك .. هل حدث شيء يسيء لك ؟؟ !! ..
و تجمعت الدموع في عيني لمنظره المتألم .. و تمالكت نفسي حتى لا أجهش بالبكاء أمامه .. من قبل حتى أن أعرف مالذي يضايقه أو يؤلمه ..
و ظهرت { غادة } من الخلف في رداء نوم فاخر .. في تلك اللحظة تنبهت إلى جلباب نومي الرخيص فأصابني الخجل و أسرعت أتوارى في حجرتي .. و كان بابها مفتوحاً .. فشاهدت { غادة } تقترب من { ممدوح } و تسأله في صوت يحمل رنة تساؤل و غضب : مالذي أتى بك في هذه الساعة ؟؟ !! ..
أجابها في صوت مقتول بالألم .. كارثة يا { غادة } .. خسرت أكثر من مليون جنيه ..
أصابها ذهول و هي تردد خلفه : خسرت مليون جنيه .. ياللمصيبة ؟؟ !! ..
أجابها و هو ينهار على أقرب مقعد بالصالة : قمت بشحن بضاعة للتصدير إلى الخارج .. و لكثرة مشاغلي و أعمالي نسيت التأمين عليها .. و غرقت السفينه المحملة بالبضاعة فضاع علي ثمنها ..
صرخت فيه { غادة } بتوحش : أيها الأحمق .. هل كنت في غير وعيك فنسيت التأمين على تلك البضاعة ؟؟ !! ..
تأملها بوجه زاد شحوبه و هو يقول لها : لقد جئت إليك لتخففي عني و ليس لتلوميني ..
عادت تصرخ فيه : تخسر مليون جنيه و تريدني أخفف عنك .. ألا تعرف أن نقودك صارت هي نقودي أيضاً منذ لحظة خطبتنا .. هل تظن أننا نستطيع أن نعيش في سعادة إذا خسرت كل نقودك ؟؟ !! ..
تأملها { ممدوح } بوجه ممتقع .. و اقتربت هي منه كنمرة متوحشة و هي تسأله : و هل ستؤثر هذه الخسارة على عملك .. أخبرني .. هل ستضطر إلى بيع الفيلا أو الشركة .. أو أي شيء آخر لتغطية هذه الخسارة ؟؟ !! ..
أجابها في مرارة و هو يهرب منها كأنه يبحث عن مرفأ أمين ليرسو عليه و قال لها : لا تخافي فلن أبيع شيئاً .. فإن لدي الكثير في البنوك و لن تأثر في تلك الخسارة .. و لكن كأي تاجر لا يكسب مثل هذا المبلغ بسهولة .. لكي لا يتأثر عندما يخسره ..
تنهدت { غادة } في راحة و التقطت انفاسها .. و ارتسمت ابتسامة باردة على وجهها لأول مرة .. فقد حملت كلمات { ممدوح } بعض الاطمئنان إليها ..
قال { ممدوح } في مرارة : كنت أنتظر أن يكون خوفك علي .. لا على المليون جنيه الضائعة ..
قالت له دون أن تداري لومها : و هل مثل هذا المبلغ شيء هين حتى لا أخاف عليه ؟؟ !! ..
و زادت ابتسامتها و هي تقول : سوف تعوض هذه الخسارة .. أنا واثقة من ذلك .. و ستزيد ملايينا فنتمتع بها ..
و أكملت مؤكدة : أنت تعلم أن الانسان لايمكنه أن يحقق السعادة بلا مال كثير ..
هز رأسه في صمت .. و اتجه ليغادر المكان دون أن تستوقفه { غادة } .. و أغلقت باب حجرتي بعدها ..
أحسست بألم يشل قلبي .. كان ألماً بسبب { ممدوح } .. لأول مرة أراه بمثل تلك المشاعر الحزينة .. لأول مرة أراه مجروحاً متألماً .. و في حاجة إلى من يمد إليه يد المساعدة و الحنان ..
كان في حاجة إلى كلمة عطف و تهوين .. بحاجة إلى قلب يواسيه و يخفف عنه .. و لكن { التمثال الجميل } لم يكن لديه أي مشاعر يمنحها له ..
و وجدت دموعي تسقط حزناً عليه رغم ارادتي .. فلم يكن { ممدوح } يستحق كل ذلك الجفاء و القسوة من { غادة } ..
و نمت و قد بللت الدموع وسادتي ..
مسكين انت يا ممدوح فقد تلقيت من المراة التي تحب قسوة لا تستحقها