قضيت نهاري في أعمال المنزل .. و خرجت { غادة } مع خطيبها و أمي .. سافروا إلى { الإسماعيلية } لقضاء يوم جميل في { شاليه } يمتلكه { ممدوح } هناك .. و تركوني وحدي في المنزل ..
و عندما سأل { ممدوح } عني .. قالت له أمي بأنني لا أحب الخروج .. و أنني سأبقى لأعمال المنزل من طبخ و غسل و نظافة ..
كانت هناك علب و أكياس و هدايا عديدة في حجرة أمي .. و كان ضعفها في حجرة { غادة } أختي .. فساتين و أحذية و حقائب جميلة .. و علب مكياج أنيقة ..
أعجبني فستان أبيض بلون الفل .. كان على شكل وردة كبيرة .. رأيته معلقاً في دولاب أختي .. لم أستطع منع نفسي من لمسه و تأمله .. وضعته فوق جسدي و أنا أنظر إلى المرآة ..
أغمضت عيني و أنا أرتديه .. كنت أخشى من أن أفعلها و لو من وراء ظهر أختي .. لا أحب أن آخذ أشياء الآخرين .. حتى لو أخذوا أشيائي ..
و كان الفستان رائعاً .. كأنما صنعته يد ساحر .. لطالما تمنيت أن أرتدي مثله و لو لحظه واحدة في عمري كله .. كان في حياتي أمنيات كثيرة أدرك استحالة تحقيقها ..
و لا أدري لماذا في تلك اللحظة قصة { سندريلا } .. الفتاة الفقيرة المسكينة التي جاءتها ساحرة طيبة القلب فمنحتها فستاناً جميلاً لتذهب به إلى حفل الأمير .. فأحبها الأمير و بحث عنها حتى وجدها فتزوجها .. دون أن يهتم بفقرها أو تواضع حياتها ..
و لكن .. كان ذلك فيما مضى .. و لم يعد في زماننا ساحرات طيبات .. و كنت أدرك أنني سأعيش و أموت دون أن تمتد يد نحوي .. أو يخفق قلب بجوار قلبي ..
كانت { سندريلا } رائعة الحسن .. و تزوجها الأمير بسبب حسنها الطاغي ..
و كان أمامي فستان { سندريلا } الأبيض ..
و لم تكن { سندريلا } هذه المرة غير { غادة } .. أختي .. و كان الأمير هو { ممدوح } خطيبها .. الذي أنتقاها من آلاف الفتيات و أحبها و قد فتنه جمالها ..
كنت أعرف أنني لا يمكن أن أكون { سندريلا } أبداً .. و لا في أحلامي ..
كان مكاني هنا .. في هذا المكان .. أقوك بأعمال الخادمات .. أما { سندريلا } فقد كان أميرها يفتح لها أبواب القصور المسحورة .. و يغترف لها كنوز الدنيا ما تشاء .. و يحقق لها الأمنيات حتى ما لم تكن تتمناه ..
لم يكن من حقي حتى لمس فستان { سندريلا } .. فأعدته مكانه .. و تركت دموعي تسقط في صمت ..
و لم يكن هناك من يمكن أن يشعر بي .. أو يمسح دموعي .. كنت دائماً وحيدة في هذه الدنيا ..
و في المساء المتأخر عادت أمي و أختي .. أوصلهما { ممدوح } بسيارته ثم انطلق عائداً إلى بيته .. جهزت لأمي و أختي العشاء .. و لكنهما قالتا إنهما تناولتاه في مطعم راقٍ بالإسماعليه مع { ممدوح } قبل عودتهم ..
في الصباح التالي ذهبت إلى عملي .. و استقبلني زملائي يسألون عن أخبار الخطبة و العريس ذي الحظ السعيد .. حملت لهم معي علبة { شيكولاتة } رحت أوزعها عليهم ..
و قال أحدهم و هو يملأ كفيه منها : عقبالك ..
و قال آخر بلهجة لا تخلو من السخرية : إن شاء الله ..
و أتى ثالث بجريدة الصباح .. كانت تحمل صورة العروسين في باب المجتمع .. و انهالت تعليقات الجميع تطري جمالهما و حسنهما ..
مضى الوقت و انصرف الجميع لأعمالهم .. و انشغلت بعملي و أرقامي .. بين الحين و الآخر أتوقف مندهشة عندما يطوف بذهني ذلك الحلم فأتساءل : ترى من يكون ذلك الفارس ذو الهالة النورانية .. هل سيكون زوجي و حبيبي المنتظر .. ذلك الإنسان الذي سيختارني من كل نساء العالم .. و يرى في شيئاً آخر جميلاً غير نظارتي الطبية السميكة و أنفي الكبير و شعري الخشن ..
و أي رجل يرضى بفتاة كهذه عاطلة عن الجمال .. و هناك آلاف الحسناوات في كل مكان ؟؟!! ..
أقبلت { سعدية } زميلتي .. و هي حامل في شهرها الرابع برغم أنها أم لستة أولاد .. و قالت لي و هي تتوجع : لا أستطيع أن أمسك قلماً اليوم .. و هناك عمل عاجل يجب انجازه و إلا جازاني المدير بالخصم ..
قلت لها : لا تشغلي نفسك بشيء .. سأقوم بكل عملك ..
هتفت بطرف لسانها : شكراً لك .. أنت صاحبة قلب طيب ..
و أسرعت تكدس ملفاتها فوق مكتبي .. ثم انشغلت بثرثرة مع زملية لها .. عن متاعب الأولاد و مشاكلهم ..
و جاء { مرسي } الزميل المسئول عن استخراج البطاقات الضريبية الجديدة لأصحابها .. و قال لي : لدي مشوار مهم يجب علي انجازه .. و لكنني لا أستطيع ترك عملي في استخراج البطاقات الجديدة لأصحابها و إلا ذهبوا إلى المدير و اشتكوني ..
قلت له بتسامح : سأحل محلك و أستخرج بطاقات جديدة لمن يريد فلا تقلق ..
هتف شاكراً : أنت بنت حلال ..
قلت له : لا تتأخر حتى تلحق بكشف الانصراف فتوقع فيه .. و إلا تعرضت للمشاكل مع المدير ..
لم يهتم بالرد علي و اندفع خارجاً من الحجرة .. ثم عاد و هو يحمل أوراقاً و ملفات كدسها على مكتبي .. و خلفه طابور من المواطنين ممن يرغبون في استخراج بطاقات ضريبة جديدة .. كان علي إنجازها لهم .. وسط ضوضاء شديدة لا أحتملها ..
انهمكت في عملي دون شكوى .. و سمعت { سعدية } و هي تهمس إلى زميلتها و تكتم ضحكة : إنها لا تقول { لا } لأحد أبداً مثل حمارة شغل .. و الجميع يستغل سذاجتها .. و لماذا نتعب أنفسنا ما دام هناك أغبياء يقومون لنا بأعمالنا دون شكوى ؟؟!! ..
هل كانت تتحدث عني .. بالطبع لم يمكنني أن أسألها .. و لكن إذا كانت تقصدني فقد أخطأت .. إنني أساعد الجميع بدافع من حبي لهم .. و من يحب إنساناً لا يتأخر عن مساعدته .. و ليس ذلك غباءً مني لأنني حمارة شغل .. فالعمل الكثير يكاد يقتلني .. و لكنني تعودت العطاء .. و لم أتعود أن أحرج إنساناً أو أرفض له طلباً .. ما دمت أستطيع القيام به ..
أنهيت كل عملي و عمل زملائي .. أحسست أن يدي قد تورمت من كثرة العمل .. و بقي ربع ساعة على الانصراف فجلست مكاني مرهقة متعبة .. و قد خلت الحجرة إلا مني بعد أن أنصرف أغلب الزملاء و الزميلات متحايلين للتوقيع في دفتر الانصراف قبل الميعاد ..
و أقبل مخلوق إلى داخل الحجرة .. على الفور أحسست بانقباض بداخلي .. لا أستريح لهذا الانسان ولا أستسيغ حديثه أو مجرد رؤيته .. و لكنه يفرض نفسه علي بطريقة لزجة .. و لا ادري كيف أتخلص منه ..
و لكنني كتمت مشاعري بداخلي فلا أحب أن يغضب مني إنسان .. و رسمت على وجهي ابتسامة ودوداً ..
كان في الأربعين من عمره .. قصير القامة بطريقة مضحكة .. و يعاني من عرج واضح في قدمه .. و كان له رأس كبير لا يتناسب مع بقية جسده الضئيل .. و يطل الخبث من عينيه الكبيرتين كعيني ثور غبي .. و شاربه الذي كان يتباهى به و يعتني به أشد العناية .. كأنما هو التأكيد الوحيد لرجولته ..
تلفت مخلوف حوله ثم رمقني بنظرة ماكرة و قال : الحمد لله .. انتظرت حتى ينصرف الجميع لنستطيع أن نجلس و نتحدث في حرية دون مضايقة من أحد ..
قلت مندهشة : هل هناك حديث خاص بيننا ؟؟ !! ..
رمقني باستنكار لحظه .. ثم طرفت عيناه الكبيرتان و عبثت أصابعه بطرف شاربه و قال مراوغاً : لا تنسي أننا زميلان .. و انا أودك أنت بصفه خاصة و ..
و صمت منتظراً أن أشجعه فلم أستطع منع تجهمي من الظهور فوق ملامحي .. فأنا لا أطيق تلميحاته .. ليس بسبب شكله أو هيئته .. فهو إنسان مهما كانت هيئته .. و لكنني لا أطيقه بسبب لزوجته و خبثه و أسلوبه الملتوي ..
قال بعد لحظة : تصوري أن المدير خصم مني ثلاثة أيام بسبب تأخيري .. هل يظننا خدماً عنده يفعل بنا ما يشاء ؟؟ !! ..
قلت له : للعمل أصوله و لمواعيده احترامها .. و من يخطيء يستحق العقاب ..
قال بضيق : إنني أعمل بعد الظهر في وظيفة أخرى و أعود متعباً في منتصف الليل إلى بيتي .. و لهذا أستيقظ متأخراً و آتي إلى هنا بعد الموعد ..
و بلهجة خبيثة أكمل : أنت تعرفين أن من يريد أن يفتح بيتاً و يتزوج لابد له من عمل إضافي هذه الأيام .. فأقل شقة خلوها يصل إلى عشرة آلاف جنيه ..
و بلهجة ذات مغزى أضاف : و لا بد أن تكون الشقة مناسبة للعروس التي تسكنها .. أنت مثلاً هل تقبلين أن تسكني في شقة صغيرة تطل على حارة ضيقة و تطفح المجاري في الطريق المؤدي لها ؟؟ ..
كنت أشعر أنه يرمي شباكه علي مثل عنكبوت سام .. و أحسست بخيوطه تكاد تخنق أنفاسي .. فلم أستطع أن أرد عليه ..
و لكنه لم ينتظر إجابتي و سألني بغتة : كم يبلغ مرتبك الآن ؟؟ !! ..
قلت بضيق : سألتني هذا السؤال مرتين من قبل فأجبتك ..
قال و هو يهز رأسه كأنه يجري حسبة ما في عقله : لا بأس .. بشيء من الحكمة نستطيع أن نتدبر أمورنا ..
قلت بضيق أشد و أنا لا أحتمل مجرد رؤيته أمامي : ماذا تقصد ؟؟ !! ..
قال بمكر و تصنع خجل : لا داعي لإحراجي .. أنا إنسان خجول في مثل هذه المسائل !! ..
و اهتز شاربه كأنما يأكد ذلك الخجل .. و زاد انقباض قلبي حتى شعرت أن أنفاسي ستتوقف .. و دوى قرع طبول في رأسي ..
قلت و أنا أكاد أبكي : أرجوك .. إنني متعبة و الصداع يكاد يشق رأسي و لا أحتمل أي حديث ..
هتف و هو يهب واقفاً : سلامتك .. لن أطيل عليك .. لي عندك طلب واحد ..
و مد رأسه إلى الكبير للأمام و قال بوجه يحمل ابتسامة صفارء ميتة : أريد منك عشرة جنيهات سلفاً لأول الشهر ..
و قبل أن أنطق قاطعني قائلاً : لا تقلقي .. سأسددهم لك مع ما استدنته منك من قبل .. إنني لا أطلب هذا الطلب بصفتي زميلاً فقط .. إنني أطلبه بصفة أخرى ..
غمز لي بعينيه و هو يضيف بلهجة خبيثة : أنت تفهمين ما أقصد ..
و لا أدري لماذا ذكرتني ملامحه تلك اللحظه بملامح الغربان التي كانت تنعق في الغابة التي رأيتها في أحلامي ..
ارتعدت أمام نظراته .. و أسرعت أفتح حقيبتي و ألقيت بالعشرة جنيهات أمامه .. فاختطفها بأصابعه القصيرة النحيلة مثل مخالب صقر .. و هتف قائلاً : سوف أسددها لك قريباً .. أو نتحاسب عليها عندما نتفق على بقية الأشياء .. فلن يكون بيننا حساب وقتها ..
و أسرع يغادر المكان .. فأحسست كأن روحي ردت إلى صدري ..