في المساء عندما أتت { غادة } لرؤية { ممدوح } تظاهر بالنوم كي لا يراها .. و لم تمكث هي طويلاً و غادرت المكان ..
و في الأيام التالية لاحظت أنه لا يتحدث عنها أبداً .. و لم يطلب رؤيتها .. و في أغلب الأحيان كان يتظاهر بالنوم عندما تأتي .. حتى أنها قالت لي غاضبة : هل تضعين له منوماً عندما تعرفين أني قادمة لؤيته ؟؟ !! ..
و لم أستطع أن أخبرها بالحقيقة .. و في المرات القليلة التي قابلها { ممدوح } .. كان اهتمامها منصباً على عمله و شركته .. و ضرورة أن يكون على اتصال بالشركة و أن يحترس من سكرتيره { صلاح } .. لئلا يتلاعب بحسابات و أعمال الشركة في غيابه .. في الوقت الذي كنت أرى فيه { صلاح } يتفانى في عمله لتعويض غياب { ممدوح } ..
و لاحظت أن { ممدوح } كان يتقبل حديثها بلا مشاعر كالسابق .. لم تعد تطل من عينيه فرحة رؤيته لها كما مضى .. و كانت إذا أطالت الجلوس معه يتعلل بالصداع أو حاجته إلى النوم .. و بعد مغادرتها المكان كان يظل مستيقظاً شارداً .. كأنه يسبح بعقله في بحيرة عميقة من الأفكار المتصارعة ..
و بدأت اعتاده و ذاب خجلي منه تدريجياً .. عرفت انه يحب القراءة في الفلسفة فأحضرت له العديد من كتبها .. و ملأت حجرته بالورود التي يحبها و التي ملأت حجرته بعطر رقيق ..
صرت أفعل كل ما يحبه .. أجهز له أنواع الطعام التي يفضلها .. أشتري له الأغاني و شرائط الموسيقى التي تروق له .. تعلمت صنع الفطائر و العصائر المختلفة التي يفضلها .. كنت ألبي طلبه قبل أن ينطق به .. و أقرأ في عينيه ما يريده دون أن يقول ..
و كنت أسهر طوال الليل بجواره .. لا أسمح للنوم أن يتسلل إلى جفوني أبداً .. و كان هو يشفق علي و يحاول أن يجعلني أذهب إلى فراشي لأستريح لإارفض بشده ..
و أحياناً كان يغلبني النعاس و أنا جالسة أمامه فوق مقعدي .. و أستيقظ لأجده قد نهض و تحامل على نفسه و أعد عشاءه أو تناول دواءه دون أن يوقظني .. و كنت ألومه بسبب ذلك .. فكان يبتسم و لا يرد ..
و بدأ يتماثل للشفاء سريعاً .. و طلبت مني { غادة } أن أترك خدمة خطيبها فشعرت بقلبي ينقبض بشدة .. و لكن { ممدوح } رفض أن أتركه قبل تمام شفائه و انتزاع الجبس من قدمه ..
و لاحظت أنه يقضي بعض أوقاته في مشاهدة التليفزيون ثم يمل منه سريعاً .. و كان لاعباً ماهراً في الشطرنج و لكنه لا يجد من يلاعبه لأني كنت أجهل هذه اللعبة .. و اكن جهلي بها لم يستمر طويلاً .. و ذات يوم أحضرت رقعة الشطرنج أمامه و قلت له باسمة : هل تلاعبني ؟؟ ..
فقال بدهشة عظيمة : و لكنك أخبرتني من قبل أنك لا تعرفين كيف تلعبين الشطرنج ..
قلت بخجل : اشتريت كتاباً تعلمت منه أصول اللعبة .. حتى ألاعبك فأخفف من إحساسك بالملل ..
فرمقني بنظرة ودود .. و صار الشطرنج بعدها هو لعبتنا المفضلة .. و صرت ماهرة في الشطرنج لدرجة أني هزمته بعد عدة أيام .. فنظر نحوي بدهشة شديدة و قال : غريبة .. لقد ظننت أنك ..
و بتر عبارته .. أحسست أنه كان سينطق بكلمة { غبية } .. قلت في حزن و وجهي منكس إلى الأرض : لماذا ظننت ذلك ؟؟ !! ..
قال بإحراج : هذا انطباع خرجت به عنك بسبب عدم اهتمامك بأي شيء آخر غير الأعمال المنزلية .. و إطاعتك لأوامر أنك و أختك دون مناقشة ..
قلت في حزن : إنني أفعل ذلك حتى لا أغضبهما .. و أستطيع أن أرفض .. و لكني أجد سعادتي الحقيقة في العطاء .. إن النبع يكون أكثر سعادة عندما يرى الآخرون ينهلون من مائه ليرووا ظمأهم .. فما فائدة النهر إن لم يرتو منه العطشى ؟؟ !! ..
تأملني بدهشة أكبر كأنه يعيد اكتشافي .. و يرى في مناطق كانت مجهولة عنه و قال : أنت أيضاً شاعرة و فيلسوفة ؟؟ !! ..
قلت و أنا أهرب بعيني : القلوب الجريحة لا دواء لها غير فلسفة أحزانها .. حتى يمكنها تحمل قسوة الحياة ..
أطرق برأسه في شرود و قال : معك حق .. لطالما قلت لنفسي ذلك لوقت طويل ..
ثم عاد يسألني : لكن لماذا تعاملك أمك و أختك تلك المعاملة القاسية ؟؟ !! ..
قلت بمرارة : كأنهما يتبرآن مني لذنب لم ارتكبه ..
قال حزيناً : كانت امك تمنعني من إحضار أي هدية لك .. و كانت تقول أنك لا تجيدين غير أعمال النظافة و الخدمة و ارتداء كل ماهو رخيص .. و كانت تمنعني أيضاً من اصطحابك في نزهاتنا .. و كنت أوافقها خوفاً على تمثالي الجميل .. كنت أخاف على { غادة } .. أي أخاف أن أفقدها لأي سبب .. أحببت صورتها الجميلة .. و لأجل ذلك لم أرفض لها أو لأمك طلباً .. و لكن .. منذ سمعتها تسألني إن كانت خسارة المليون جنيه ستؤثر على حياتنا أدركت أن اهتمامها بي ليس إلا اهتماماً بمالي .. على حين رأيت الدموع تتجمع في عينيك بسببي .. أما هي فلم أشاهد دموعها أبداً .. فالتماثيل الجميلة لا تبكي .. كنت أبحث بداخلها عن مشاعر حب و حنان لا وجود لهما ..
أطرقت بدهشة من حديثه و لم أدر بماذا أرد عليه ..
و رمقني بنظرة ود و أكمل : هل تدركين أنك تشبهين والدتي ؟؟ !! ..
قلت مستنكرة : أنا ؟؟ !! ..
و رمقت صورة والدته الجميلة المعلقة في إطار فوق رأسه و قلت : لقد كانت جميلة جداً .. من الظلم أن تشبهني بها ..
فقال و عيناه ترسلان وميضاً من نور : إن الطفل لا يحب أمه لأنها جميلة .. إنه يحب عطاءها .. يحب قلبها الكبير .. يحب نهر الحنان في صدرها .. يحب أنها تمسح عنه آلامه و تبكي لأجل أحزانه .. يحب أنها تفهم لغة عينيه دون العالم كله ..
أصابني إضطراب و لم أدر ما أقوله و أكمل هو دون توقف : منذ ماتت أمي .. لم يمنحني إنسان ما منحته لي من عطاء و حنان .. بالرغم من أنك إنسانة غريبة عني .. و لن تستفيدي شيئاً مما تفعلينه معي .. ولا كانت لك أي مصلحة مما تفعلينه معي .. ولا كانت لك أي مصلحة في ذلك .. فلا مال تنتظرين مني .. و لاحتى كلمة شكر .. و لكنها طبيعتك الصافية السمحة التي تجعلك تفعلين ذلك معي ..
و رفع وجهي بيديه .. أحسست بخدر من لمسة أصابعه لذقني .. قال و هو ينظر في عيني : لقد مرضت و أنا طفل .. و أذكر كيف كنت أمي تسهر على العناية بي طوال الليل .. و كيف كانت تبكي لآلامي .. و تحاول تسليتي بكل الطرق .. كانت أمي ذات قلب من ذهب .. و كنت أظن أن لا مثيل لها في هذا العالم .. حتى رأيتك عن قرب ..
قلت بصوت مختنق : أرجوك .. كفى .. لا أحتمل المزيد ..
قال بابتسامة حب : أعرف أنها المرة الأولى التي تسمعين فيها مثل هذه الكلمات .. و أعرف أننا نعيش في عالم قاسٍ .. يحكمون فيه بمظهر الإنسان .. و لا شك أنك صادفت الكثيرين ممن حكموا على مظهرك .. دون أن ينقبوا عن كنز الجمال الحقيقي في قلبك .. كنز عطائك الإنساني المتدفق مثل نهر يمنح بلا توقف .. لأنه إن توقف عن الجريان نضب و مات و لم يعد نهراً .. بل صحراء قاحلة ..
و شرد بعينيه بعيداً و هو يضيف متحسراً : إنني أحسد الإنسان الذي سيفوز بهذا الكنز .. و ذلك القلب فأنت تملكين قلباً نبيلاً لا مثيل له ..
أحسست بدموعي تتساقط بلا إرادة مني .. و قلت له بصوت متهدج : تكفيني تلك الكلمات التي سمعتها منك .. و لو مت دون أن أسمع سواها فسأموت راضية .. و تكون تلك الكلمات زادي في دنياي و آخرتي ..
قال وجهه يشع ضياءً : ألم أقل لك أنك إنسانة طيبة و بسيطو .. كثيرون يمتلكون أشياء كثيرة جداً لا يحتاجونها .. في حين أنها قد تسعد الآخرين حولهم .. و لكن نهر العطاء قد يبست ينابيعه في قلوبهم .. فلا يعرفون غير لذة الأخذ .. دون أن يجربوا لذة العاء .. قد لا تكون ملامحك حسناء أو فاتنة .. ربما تكونين مثل وردة ياسمين فواحة مبهجة المنظر للعيون .. و لكن هذا لا ينقص من قدرك أبداً .. إنني أراك وردة برية .. قد لا يكون منظرها بهيجاً و لا عطرها فواحاً .. و لكنها تحمل بين أوراقها و ساقها بلسماً يشفي الموجوعين و المتألمين .. إن جمالك بداخلك .. في قلبك و مشاعرك .. جمال حي لا يمكن أن يموت أو ينضب .. و هناك آخرون جمالهم ظاهر لكل عين .. و لكنه جمال ميت .. جمال بارد بلا حياة .. منظر فاتن قد يُمتعنا لحظة .. ثم يُشقينا بقية حياتنا إن أصررنا على التشبث به ..
قلت و أنا أرتعد : كأنني أسمع تلك الكلمات من الفارس النوراني الذي شاهدته في أحلامي ..
سألني بدهشة : أي فارس ؟؟ !! ..
اضطربت .. حاولت الهرب من سؤاله و لكنه أصر .. اضطررت للإجابة .. أخبرته عن حلمي الأول و الثاني .. و كيف سقط فارسي النوراني .. ثم حادثة سيارته في نفس الليلة ..
رمقني { ممدوح } ذاهلاً .. كأنه يعيد اكتشاف ما تبقى من مناطق مجهولة في مشاعري و أعماقي .. ثم لمحت ابتسامة هادئة تطوق فوق ملامحه و تستقر في عينيه .. و لأول مرة لم أستطع أن أفهم معنى تلك النظرة التي حدجني بها ..
و فوجئت به يقول لي بنفس الابتسامة : لماذا ترتدين تلك النظارة الطبية باستمرار ؟؟ !! ..
أجبته : إنني لا أكاد أرى بدونها ..
قال : يمكنك التخلي عنها و استعمال عدسات طبية مكانها ..
ثم زم شفتيه و أكمل قائلاً : و لكني لا أريدك بدونها .. لا أريد للزهرة البرية أن تحاول تجميل هيئتها بألوان زائفة لا قيمة لها ولا فائدة منها ..
أحسست أنه يحادثني كصديق حميم .. تعودت منه هذا الحديث و التبسط ..
و فوجئت به يقول لي : أخلعي نظارتك .. أريد أن أرى عينيك بدونها !! ..
فوجئت .. ارتعدت اصابعي .. لم أجرؤ .. لم أفهم .. و امتدت أصابعه دون تردد تخلع نظارتي فلم أستطع منعه .. كأنني شللت ..
حاولت الهرب بعيني .. و لكنه أمسك بذقني يمنعني من الهرب .. تأمل عيني و قال في صدق : إنك تملكين عينين رائعتين .. يقولون إن العيون مرآة نفوس أصحابها .. و في عينيك أرى صفاءً و نقاءً لا مثيل لهما ..
عضضت على شفتي بسقسوة .. هل يسخر مني .. اختطفت نظارتي و أعدتها فوق وجهي .. و لم أستطع أن أواجهه بقية المساء .. و كل جزء في جسدي قد اصابه اضطراب هائل .. في نفس المساء أتى الطبيب و قال لـ { ممدوح } أنه يستطيع نزع الجبس في الغد .. فأحسست أن دنيا جميلة رائعة عشت فيها ساعات مسروقة من الزمان ستضيع مني إلى الأبد ..
و في نفس المساء جاءت { غادة } و معها أمي .. كانت { غادة } مبتهجة بأن { ممدوح } سينزع الجبس في الغد .. و قال له : لم يعد هناك أي داع لتأخير زواجنا .. ما رأيك في عقد قراننا الخميس القادم ؟؟ !! ..
و لم أسمع منه أي رد .. لأن الأحزان التي انفجرت في قلبي جعلتني أغيب عن الدنيا .. و الوعي !! ..
ياترى كيف ستكون نهاية قصتنا ؟؟ هل سيتزوج ممدوح من غادة في الخميس المقبل ؟؟ و مالذي حدث لغادة عندما سمعت نبأ زواج أختها غادة و ممدوح ؟؟ هل هي تكن له عاطفة جياشة ؟؟