ليس في العناصر الطبيعية وقواها ما يستمر أبدا ثائرا ، أو يستقر أبدا هادئا ، وليس في قوى الإنسان ومقاصده ما يخالف النواميس الطبيعية ، تطمو السواقي والأنهار ، ثم ترسب ، ثم تغور ، ثم تجف ، ثم يبعث الله فيها ماء الحياة ؛ لتعيد على مسمعه نشيد التراوح الأبدي بين الحب واليأس ، والثبات والتردد ، والخيبة والأمل ، وكذلك في الأنفس البشرية ، وفي السامية منها خصيصا ، تملؤها المقاصد النبيلة نورا ، تكللها المساعي الشريفة آمالا ، يعلو بها الإيمان والإحسان إلى ذروة الإلهيات فتنور
هنالك سوسنا ذهبيا ، ثم يبعث الله من لدنه رسولا لا يفرق بين فصول السنة ومراحل السالكين ، ولا بين سوسن الرُبى وزنابق الغور ، ولا بين سواقي الجبال والأنفس البشرية .
ونفس القس جبرائيل الفائضة حبا وإحسانا أخذت بعد أن سرق الطفل أن ترسب وتغور ، فلقد وصل في جهاده إلى محجة تعجز النفس أن تتجاوزها مهما تعاظم عزمها دون أن يعترضها عارض يوقفها قليلا فتستريح ثم تستأنف السير والسعي ناشطة مطمئنة ، وأما الحادث المحزن هذا فبدل أن يوقف القسيس أقعده ، وأسكنه ، وزعزع من العزم والإيمان .
لقد فكّر لأول وهلة أن يبحث عن الطفل علّه يظفر به فيعيده إلى أمه ، وراح صباح ذاك اليوم ووجهته الحمامات قصد الاستقصاء ، ثم انثنى عن عزمه وأحجم آسفا يائسا ، وتاه في الحقول والجبال معظم النهار يساجل نفسه في الأمر وهو يحسّ منها وَهْنا واضطرابا . من يوم تولى شأن مريم وأخذ على عاتقه أمر تربيتها لم يهدأ له بال ، ولم تصف له حال من الأحوال ، خلصها من الدير فوقعت في أشراك أشرّ من أشراكه وأخبث ، فجاهد في سبيلها دون أن يحفل بوشايات الأقارب والإخوان وبتنديد النساء والرهبان ، ثم خلصها
من السجن وفادى بمنصبه وبنفوذه من أجلها ، بل اقتبل الفضيحة والعار وخرج من الدير قبل أن ينتصر على خصومه فيه ؛
خرج منه مدحورا مذموما وجاء بالفتاة يعيشوإياها على شاطئ البحيرة متنكرين ، جاء يستر عارها ويعينها طاقته على مشقة قدسها الله فيداوي نفسها ونفسه الكليمتين ويُكَفِّر نوعا عن ذنب ابن أخيه .
ولقد أعياه الجهاد في الناصرة وأسقمه ضجيج الناس ، وقد أسكرتهم أحاديث الإفك والفسق والافتراء ، ففرّ من المجتمع البشريّ هاربا يناجي الله في البرية ويستمد منه تعالى ما يعينه في بلاياه . وها الأقدار ثانية تعيد الكَرّة عليه ، فآثر معقوله هذه المرة على شعوره ولم يحرك في سبيل الطفل المفقود ساكنا ، وقد يستغرب مثل ذا التصرف من القس جبرائيل ، ولكنه لا يستطيع في ذا الوقت أن يثير في طبريا ما هرب منه في الناصرة ، فإن له في مريم قصدا يستوجب الستر والتنكر وإذا لجأ إلى الحكومة ينفضح أمره ويخذل لا شك في مسعاه .
ولقد شاهد فوق ذلك من شقاء البنين وال أمهات ما يعذر في نظره السكوت عن سرقة طفل ولد إثما وحراما ، وعاد إلى البيت يسلّي نفسه بمثل ذي التأملات ويبرئها بمثل ذا المنطق الفاسد ،
أعياه الجهاد فتعلل ببؤس العباد ، وصرخ متأوها : تبارك عقم الرمال ! تبارك عقم البحار .
وعوّل ألا يبحث عن ولد مريم وأن يكتم أمر سرقته عن الناس وكان ذلك مستحيلا ، فالقابلة نشرت الخبر في البلد ، وأم هيلانة لتصرف عنها عيون الشبهة وتضيف إثما إلى إثم ؛ أشاعت أنها سمعت أحد النوتيين يقول : إنه شاهد تلك الليلة رجلا على الشاطئ قبالة مدرسة اليهود قرب الحمامات يرمي في البحيرة طفلا باكيا ،
فانتشرت الإشاعة وتجسمت حتى أصبحت عند الناس يقينا ، وقالوا محققين ذلك : إن هذا الغريب لا يكتم مثل ذا الحادث الرهيب ؛ حادث السرقة ولا يسكت عنه لو لم يكن هو الجاني على الطفل وأمه . بل قال أحمد يخاطب محمودا في القهوة : لهذا الرجل على الفتاة معه ثأر يا محمود ، وقد قتل ابنها ورماه في البحيرة انتقاما منها وأشاع أنه سرق ليبرئ نفسه ، وهذا معقول .
ومرّ أسبوعان والقس جبرائيل يعلل مريم بالولد ، ولم يشأ أن يطلعها على الخبر قبل أن تشفى تماما ، ولكن هيلانة بعد أن قابلت أمها جاءت يوما تخبر مريم أنها سمعت الناس يقولون : إن سيدها رمى الطفل في البحيرة ليلة ولد ، فبهتت مريم بين تصديق وتكذيب ، وسارعت إلى القس جبرائيل جائشة القلب تسأله أن يصْدقها الخبر وتلح في طلب ولدها .
– أصحيح الخبر ، قل لي ، قل لي .
– ومن أخبرك ؟
– هيلانة .
وكان قد نما إلى القس جبرائيل شيء من هذه الإشاعات .
– أريد أن أرى ولدي الآن ، هذه الساعة ، قل لي : من هي المرضعة فأذهب بنفسي إليها ، أو أبعث هيلانة الآن تجيئني به ، هيلانة ! يا بنت !
– اسمعي ، يا مريم ! سأبعثها ، سكّني من روعك .
ودخل القس جبرائيل البيت فأعطى هيلانة أجرتها وهو يكظم اغتياظه منها ، وقال : لم نعد في حاجة إلى خدمتك يا بنت ، روحي في سبيلك الله يصلحك ويوفقك .
وراح يردد في نفسه : هذا جزاء الإحسان ، هذا جزاء المعروف .
وولى النهار ولم تعد هيلانة فازدادت مريم قلقا واضطرابا ، فنهضت باكرا وهي لم تنَم تلك الليلة تطالب القس جبرائيل بولدها وتبكي .
– ما بالك لا تتكلم ؟ إذن أنا أبحث عنه ، أنا أفتش عنه ،
وهمّت مريم بالخروج من البيت .
– إلى أين ؟ إلى أين ؟ تعالي أخبرك ، اجلسي وسكّني روعك .
– ابني ولدي ، أين هو ؟ ولماذا لم ترجع هيلانة ؟
– يا بنتي ! سلّمي إلى الرب أمرك ، الرب أعطى والرب أخذ .
– مات ! مات ولدي !
وجعلت تلطم خديها وتنتحب .
– لتكمل مشيئة الرب ، يا بنتي .
فصاحت مريم : كذاب ، كذاب ! أنت قتلته ، أنت رميته في البحيرة ، صدقت هيلانة ، صدق الناس ، أنت ، أنت يا قس جبرائيل .
وهجمت عليه هجوم اللبوة على صائد اصطاد شبلها ، فصاح بها : مريم !
– لا يخوفني صياحك ، لا ترهبني نظراتك ، ابني مات وأنت قتلته ، أنت رميته في البحيرة ، ويلك يا قس جبرائيل من ربك ! ويلك مني ! والله سأشكوك إلى الحكومة سأخبر الناس ، سأرفع صوتي في كلّ مكان ، إلى الله أشكوك ، أهذا معروفك يا سيدي ؟ أهذه طريق خلاصك ؟ ليتني لم أعرفك ، ليتني بقيت في الدير ، أنت جررت عليّ البلاء ، أنت سبب فضيحتي في بيت أخيك ، وجئت الآن تقتل ابني وترميه في البحيرة ، وما ذنب الطفل ؟ ليتك قتلتني أنا ، اقتلني ، اقتلني وألحقني بولدي بفلذة كبدي ، اسمعوا يا ناس ! هذا الرجل قتل ولدي ورماه .
– مريم مريم .
– لا أسكت ، لا أسكت ، سأبكي وأنتحب وأشكو إلى أن ترد إليّ ولدي ، إلى أن يسمعني الناس فيجازونك ، إلى أن يسمعني الله فيأخذ بثأري منك .
– مريم ، قفي ! قفي أكلمك .
وأمسكها بيدها يصدها عن الخروج وأقفل الباب .
– اسمعي أخبرك حقيقة الحال ، ابنك سرق من البيت ليلة ولد .
– كذب ! كذب أنت قتلته .
– وسنبحث عنه فنلقاه إن شاء الله .
– كذب ، كذب ، تلقاه في البحيرة ؟ أنت رميته في البحيرة .
– مليح ، أنا رميته في البحيرة ، فاعملي ما يخطر لك .
وفتح إذ ذاك الباب .
– روحي ، روحي واتركيني في بلائي وحدي ، ما بالك وقفت ؟ ما بالك سكتّ ؟ آه يا مريم لو علمت ما أنا فيه ، لو علمت ما أنا أقاسي من أجلك ، لو علمت ما أنا أدبر لك ، مريم ، بنتي ! سكّني روعك ، وأنصتي إلى كلامي ، الحياة يا مريم لعنة في الأرض ، لعنة هي الحياة ، خير لي لو لم تلدني أمي ، خير لك لو لم تلدك أمك ، أمك !
أتعرفينها ! أباك أتعرفينه ؟ ألم تلعنيهما أمامي مرارا ؟ كذلك ولدك المولود بالإثم يلعنك ، المجتمع البشريّلم يزل ينظر إلى مثلك وأبناء مثلك نظر الأمير إلى عَبيده ، والحكومة لا تمتعكم بشيء من حقوق الإنسان ، تعيشون مذمومين ، منبوذين ، بائسين ، يائسين ، وحقا لكم أن تعيشوا مثل أسيادكم الأدعياء في مجتمع نخر السوس عظامه وألبسه الظلم ثوب الجلاد .
مريم ، بنتي ، لا يحرمونك الحقوق الاجتماعية والمدنية والدينية فقط بل يفسدون عليك حقوقك الطبيعية ، يقول لك الكاهن : ولدت بالإثم فالجحيم مأواك . ويقول لك القاضي : ولدت خارج الشرع فلا حقوق لك في مجتمع شرعه سلطان . ويقول لك عبيد العادات والتقاليد : ولدت في الفسق والشقاء فافترشي الفسق حياتك والبسي الشقاء حتى مماتك . أما أنا وليّك ، أبوك ، أخوك ، صفيك ، فأقول لك يا مريم : ولدت كما تلد الأزاهر ، وكما تلد الأطيار ، وكما تلد مخلوقات الله جمعاء ، فلا أحرمك عطفي وحبي وولائي إلى أن يحرمك الله نور شمسه ، لا أنبذك يا مريم إلى أن تنبذك الشمس وينبذك القمر ، فاشكري الله الآن على خلاصك ، ولا تسترسلي إلى الحزن فتنتكسي ، أنا لك ما زالت لي قوة تساعدني على السعي في سبيلك في سبيل سعادتك ، جئت بك هذه الناحية لأقيك شر الناس ، لأنقذك من البلاء والعار ، وقد فزنا بشيء من رغبتنا والحمد لله ، ليس لبشر كل ما يريد في الأرض ،
كم من أمهات يلدن ويحزنّ ساعة الولادة ! بل كم من أمهات يمتن في الولادة ! وكم من أمهات يربين أولادهنّ ويفقدنهم وهم في عنفوان الشباب ! وكم من بنات تبتلين مثلك فلا يجدن مأوى يأوين إليه ولا من يعطف عليهنّ ويمد إليهن يدا بيضاء ،
فاشكري ربك ، يا بنتي ، ما زلت معك لا يمسّك شر إن شاء الله .
– وأيّ شر أكبر من هذا الشر ! ليتك تركتني في عاري ، في بلائي ، فأتعزى في الأقل بولدي .
– لتعزيك الآن سلامتك ، يا بنتي .
– لا كانت سلامتي ، لا كانت .
ولزمتها إذ ذاك نوبة عصبية فأغمي عليها وسقطت إلى الأرض ، فنهض القسيس بها يعالجها حتى استفاقت ولزمت ذاك اليوم فراشها ، ثم أخذت بعدئذ تقضي حاجات البيت وقلّما تفوه بكلمة ، وظلّت أسبوعا على هذا الحال ، تخرج ووليّها إلى النزهة على شاطئ البحيرة أو في منحدرات الرّبى ، فتنصت لإرشاداته وتمتثل أوامره وهي ساكنة مطرقة ، وفي ذات يوم سألته عن عارف مبارك ،
فقال لها : إنه بعث يبحث عنه في حيفا فلم يجده ، وقد كتبت إلى أخي يوسف وهو الآن في سوريا علّ ابنه يكون هناك ، وكتبت أيضا إلى مصر ، فعسى أن يجيئني جواب مرض من إحدى البلادين قريبا .
– يا قس جبرائيل !
– نعم يا بنتي .
فنظرت مريم إليه ساكتة وقد ترقرقت عيناها بالدموع ، فطايبها وحاول أن يستطلع ما تفكر به فلم تتكلم ، كأنّ ما في نفسها من الغمّ والحسرة أوقع السكتة في لسانها ، وظلّت كذلك أياما لا تدري ما تصنع وما تقول ، كأن شيئا رهيبا غيّر حزنها على ولدها بدأ يشغل قلبها ويضرم فيه نيرانا زادها السكوت التهابا ، فتسمع في النهار تأججها وتكاد ترى في ظلمات الليل شرارها .
والقسّ جبرائيل — وهو لا يدري لسذاجة فطرية فيه أن الفتاة تسيء فهم كلامه ولا تهتدي إلى الصواب في تصرفه —
كان يواظب على خطته صابرا ، متجلدا ، متيقنا أن سعادة مريم موكلة بها ، فخاطبها مرة يقول : لِمَ هذا السكوت يا بنتي ؟ ما بالك لاتكلميني ؟ لم أنت دائما يائسة ؟ ألم أخلصك من السجن ؟ ألم أنقذك من الموت ؟ ألم أخرج من الدير وأتنكر في هذه الأثواب من أجلك ؟ ألم أقتبل الفضيحة والعار حبا بك ؟ ألم أبذل ما بوسعي لأعيد إليك طهارة ماضيك ؟
لقد أخطأت مرة وجلّ من لا يخْطأ، وسوف لا تخطئين ثانية بإذن الله ، فقد ذقت مرّ الحياة …
فقاطعته مريم قائلة : نعم وذقت حلوهاأيضا ،
ووقع عندئذ نظرها على نظره فارتعشت نفسها ، بل أحست بسحر عينيه يجري في عروقها كلها فيسكّن آلامها ، بل شعرت بلذة غريبة من مجرد نظراته تلك الساعة ، فأخذها بيدها وأجلسها إلى جنبه قائلا : حلو الحياة يزول يا بنتي ، وذكراه حينما يزول تؤلم ، أما مر الحياة فيلازمنا إلى القبر ، حقيقته وذكراها كلتاهما مكربة مريعة ، كلتاهما توجع وتغم ،
وليس أشقى من المجرمين غير البائسين الذين يولدون خارج الحظيرة ، يولدون ونير العبودية على رقابهم ، يلعنون في المهد ، يرهقون في المدارس ، ينبذون في المجتمعات ، ويساقون إلى المآثم والجرائم ، ألا تذكرين كيف عوملت في الدير ؟
فلو كان لك أب يكرمك وأم ترعاك لما شقيت يا بنتي ، فلا تحزني ولا تجزعي ، روحي إلى طبريا تشاهدي هناك شقاء البنين والأمهات ، مريم ، إني أحبك ، أحبك من صميم قلبي ، وأود صالحك ، وأنشد سعادتك ، وأسعى في سبيلك طاقتي ، أحبك ابنة لي وأختا ، ولقد نجوت الآن من البلاء والعار وستكونين رفيقتي إن شاء الله في هذا الوادي ؛ وادي الدموع ، ستقيمين معي إن شئت وستلاقين دائما ما يسرك ويرضيك ،
سيفتح الله طريقا لك تتنعمين فيها ، وإذا كنت تتضجرين مني ولا تريدين الإقامة قربي فسيكون لك من تحبين ، ولكني أقسم بالله إنني لما أكون قربك أشتم شذاء نفسك فأنتعش ، وأرى في عينيك نورا يشع في فؤادي فيدفئه ،
النور يا بنتي ، في النور خلاصنا ، في النور سعادتنا ، شذا الورد خير من الوردة ، خيال الشجرة قصيدة حبها ، أنعام الأطيار ألذ ما فيها ، أنت الآن ابنتي ، ولي في ظلك ونورك ونغمات صوتك وطيب شذاك ما يخفف أمانيّ فيك إن شاء الله .
لا ، لا ، لن أعود بك إلى الدير ، فإني أعلم منك بأسراره وخباياه ، ولكني أعد لك في سويداء قلبي مركزا لا تمسه يد بشرية ولا تدنسه الأهواء والشهوات ، في الحياة الروحية يا مريم ، وفي البعد عن الناس وعن الأديرة تمام السعادة ، وإن لك بيتا على شاطئ هذه البحيرة في هذه الأرض المقدسة تقيمين فيه ومن تحبين ، لا إخالك تجهلين يا مريم ما أقاسيه في مناهضة الميول السافلة وفي مكافحة الشهوات ،
هاتي يدك أرفعك إلى الذروة التي وصلت إليها ، انظري إليّ ، هاتي يدك أرفعك فوق ما فيك وفيّ من آثار بربرية وغرائز حيوانية ، لا شيء يدوم يا مريم غير الروح وآثارها السامية ، اللذات تزول يا بنتي ولا يزول قرفها ، ولا تزول سوء مغبتها ، ما بالك ؟ ألا يروقك كلامي ؟ أتتضجرين مني ؟ تكلمي ولا تخافي ، ألا تريدين أن تبقي معي وأن تقيمي في الأقل بجواري ؟
أنا مدبر لك ما يرضيك في الحالين ، فلا تتبرمي ، ولا تستسلمي إلى السكوت واليأس والسويداء .
– ليس في طاقتي ، ولا أعرف كيف أعبر عما في قلبي ، فلا تؤاخذني إذا سكتّ .
– ولكني أود أن أصرف أفكارك عن حزنك ، فإن التفكر الدائم في ما كنت فيه يضرك .
– الموت خير لي من الحياة ، ولو فهمت معنى كلامك فلا أفهم معنى ما في نفسي ، وما في نفسي يكاد يقتلني .
– اعترفي لي بذلك يا بنتي ، ولا تخافي ، الاعتراف مرهم للقلوب الكليمة .
– وكيف أعترف لك وأنت سبب حسرتي وبلائي ، منذ عرفتك يا سيدي منذ رأيتك أول مرة منذ أخذت يدي بيدك ، سرى إليّ منك شيء عجيب لا أعرف ما هو نَوَّر فؤادي وفتح عيني وبدّد غيمة أثقلت وقتئذ نفسي وأظلمتها ،
ولم يزل ذاك الشيء العجيب ينمو فيّ ويزعجني ، يعذبني ، وبالأخص حينما أكون قربك .
وسكتت مريم هنيهة محنية الرأس ثم نظرت إليه نظرة حادة صافية ، كأنها فازت على ما يقيد نفسها ويضغط عليها ، وقالت : أتريد أن تعرف ما في أعماق قلبي ؟ أتريد أن تطلع على رغبتي ؟ أتريد أن تعرف سبب حزني وكمدي وحسرتي ؟ أتريد أن أريك نفسي التي تحترق وتحرق كلّ جسمي ؟
– تكلمي ، تكلمي ، ولا تخافي .
– بل أخافك ، وأشعر عندما أكون قربك كأني واقفة على شفير الهاوية ، وفيها ما يجذبني إليها ويحببني بعمقها وبظلماتها ، فهل تخطئ الفتاة إذا أظهرت ما في قلبها ، إذا أعربت عن رغبة تحرقها وتحرمها النوم ؟
وسكتت مريم تنتظر جواب القسيس فلم يفه بكلمة ، ثم قالت : ألم تدرك معناي ؟ ولدي ، ولدي ، أنت سلبتني ولدي ، أنت قتلته ورميته في البحيرة .
– لا تعيدي هذا الكلام يا مريم ، لا تعيديه .
– أتنكر أن ولدي مات ، إذن — وهذه رغبتني — أسأل الله ولدا بدله ، وأسألك أنت أنت ، أطلب منك . –
ولكنها حجبت وجهها عنه وطفقت تبكي ، ثم جثت عند قدمي القسيس وأخذت يده تقبلها ، وتقول : سامحني ، واغفر لي ، أنا ابنة خاطئة ، أنا امرأة ضعيفة ، فقيرة ، حزينة ، وحيدة ، ليس لي في العالم غيرك ، سامحني ، سأظل معك ، سأكون خادمتك ، بل عبدتك ، سأذهب وإياك حيث شئت .
– انهضي يا بنتي ، الله يغفر لك ويباركك ، انهضي ، آمني بالله ، آمني بنفسك ، آمني بي ،
الإيمان يا بنتي يذلل كلّ ما في الحياة من الأهواء المهلكة والأميال ، آمني بالله وبنفسك التي هي من عنده تعالى ،
وفكري بمن مشى على هذه البحيرة وقدّس بخطواته وبكلماته هذه الربى ، فكري بالمريمات اللواتي رفعهن الإيمان إلى روحيات السيد المسيح ، اسمعي يا بنتي ! سنبقى هنا بضعة أيام ثم ننقل إلى بيتي في سهل المغير ، وإذا كنت لا تحبين الإقامة هناك نسافر إلى لبنان فنقيم هنالك في ظل الأرز في تلك الجبال المقدسة ، وعسى أن يجيئني قريبا جواب من سوريا فنلتقي هنالك بعارف أو أبعث أستدعيه إلينا .
فأجابت مريم برأسها بالإيجاب وهي دفينة غمها ، وأقاما في ذاك الكوخ على شاطئ البحيرة أسبوعا آخر كان القسيس فيه يظهر لمريم أضعاف ما عودها من العطف والحب والحنان ، ولكن مريم لم تجد في ذلك تعزية لنفسها أو مرهما لقلبها .
وفي ذات ليلة نهضت من فراشها تهرب من نار ليلها الآكلة ، ومشت إلى الجهة التي ينام فيها الراهب فرأته متربعا في فراشه منكسا رأسه ، كان يصلي ولم يرها فأصبحت واجفة ، خجلة ، وعادت إلى فراشها ذليلة ، وفي اليوم الثاني نهضت على عادتها واليأس مالكها والذبول يحجب وجهها ، فراحت تهيم في البرية وتقول : سئمت لطفه ، سئمت كرمه ، سئمت معروفه ، سئمت تقواه ، سئمته ، مللته كرهته .
وفي ذاك اليوم سافر القس جبرائيل إلى تلحوم ليرى إذا كان جاءه جواب من سوريا أو من مصر ، وبينا مريم عائدة إلى البيت من نزهتها مرّت بالحمامات فشاهدت بعض السياح قادمين من سمخ ، فوقفوا هناك ليتفرجوا على الحمامات ، فسمعتهم مريم يتكلمون الإفرنسية فألقت إلى الامرأة بينهم السلام وعرضت عليها خدمتها : بارايسي مدام ، أتريدين أن تتفرجي على الحمامات ؟
فاستوقفت نظر السيدة الإفرنسية وقد أعجبت بها ، فسألتها مازحة إذا كانت تحب أن تسافر معها إلى فرنسا فتخدم في بيتها هنالك .
فأجابت مريم على الفور بالإفرنسية : وي مدام آفك بليزير .
فقالت السيدة وقد أعجبت بمريم كثيرا : تعالي إلى النزل في طبريا ، سأسافر بعد يومين إلى حيفا ومنها إلى مصر .
- وي مدام آفك بليزير مدام
ولما عاد القس جبرائيل من تلحوم كانت مريم تنتظره في البيت وقد أعدت العشاء ، فأخبرها أنه بعث رسولا إلى أخيه في سوريا وسيعود بعد أسبوع ، وأنه بعد يومين ينقل وإياها إلى البيت في سهل المغير .
– ما بالك لا تجيبين ؟
– إرادتي في يدك .
– حسن ، حسن يا بنتي ، ليباركك الله .
وفي اليوم التالي شخص القس جبرائيل إلى سمخ لقضاء حاجة تختص بأملاكه في السهل فاستغنمت مريم الفرصة وذهبت إلى النزل في طبريا لتقابل السيدة الإفرنسية ، وبعد أن استطلعت هذه شيئا من أمرها وتحققت رغبتها أوعزت إليها أن تجيء صباح الغد باكرا فتسافر معها إلى حيفا ومنها في المساء إلى مصر ، فعادت مريم مستبشرة بقرب خلاصها فرحة بالسفر إلى فرنسا مع سيدة جليلة إفرنسية ،
ولما وصلت إلى البيت كان القسيس يضرم النار في الموقد ليسخن شيئا من الطعام ، فسألها : أين كنت ؟
فأجابت : كنت في طبريا .
– وما غرضك هناك يا بنتي ؟
– التفرج والنزهة .
فسكت القس جبرائيل ثم قال : لا تروحي مرة ثانية وحدك إلى أبعد ، لو أظهرت لي رغبتك لرافقتك ،
وتناول وإياها العشاء مساء ذاك اليوم وهو مسرور بما شاهد في نفسها من الخفة والبشاشة ، ومسرور بقرب رجوع رسوله يحمل إليه وإليها خبرا من أخيه يوسف مرضيا .
ونام تلك الليلة مطمئن النفس ناعم البال ، ولكنه طلب مريم في صباح اليوم الثاني فلم يجدها .