الفصل 1

15 0 00

من غور الحياة أرفع اللهم صوتي ، من وادي الأرُْدنّ أحمل إليك يا رب وزري ، من أعماق . الأرض أنظر ضارعا إلى جبال قدسك وإلى شمس رحمتك وإلى سماء حبك في الربيع الأول من هذا القرن توفيت في الناصرة امرأة اسمها سارة ولم يكن عند فراشها ساعة النزاع غير راهب من رهبان الدير الذي كانت ترعى مواشيه وفتاة لا تتجاوز الخامسة عشرة من سنها ، ولقد كان البؤس رعي سارة والشقاء موردها حيث سارت وحيث جلست وفي كلّ بيت خدمت فيه .

على أنها لم تكن ممن يأكلون خبز المذلة ويغضون على الحيف والأذى ، ولم تدخل الدير طفلا فتخدم فيه فتاة لتتعود الرضوخ والاستسلام فتسوم نفسها طاعة الصغار وتتحمل دفعا للجوع تفوّق الأسياد والرؤساء ،

وليس أشد من بلية البائس غير بلية البائس العزيز النفس .

جاءت سارة الناصرة من السامرية في الثالثة والعشرين من سنها ، ووقفت مكرهة في الأبواب تقدم خدمة وتطلب عملا ، وكانت قبل ذلك تقيم ووالدها الأرمل في قرية قرب جنين وتساعده في أشغاله وفي سهراته ، فتقضي حاجات البيت كلها بإتقان وعناية لا مزيد عليهما فتطبخ وتغسل وتستقبل الضيوف — وترعى في بعض الأحايين الجِمال ؛ جِمال أبيها ، وقد يستغرب القارئ ذكرنا الضيوف في بيت الجِمال ، وقد يستغرب أشياء أخرى في هذه القصة ، ولكن الحقيقة في غور الحياة وقد أبعدتنا عنها زخارف التمدن أمست غريبة بيننا ، الفقر والبؤس والعار والشقاء تحجب عن الناس اليوم في معاهد الإحسان المتعددة التي شيدت لتربية الجهل واستخدامه لا لمناهضته واستئصاله .

والمستقبح في هذه القصة هو أدنى إلى الواقع من المستملح فيها ، لا غبار من الخيال عليه ولا يد للتصور فيه .

قلنا : إن سارة كانت تساعد أبيها حتى في سهراته ، وإليك البيان ؛

فقد كان الجمّال قصّاصا أيضا يقص في الخانات وفي بيته قصص الأقدمين في حلْقة عامرة من المكارين والمسافرين والفلاحين ، بل كان بيته شبه ملعب رسم الدخول إليه شيء من التبغ أو السكر أو البن ، وما أجملها حلقة في ليالي الشتاء في الليلة القرّاء ، وقد أضرمت النار في الموقد ،

ودارت سارة عليهم بالقهوة وبدأ والدها يتلو مقدمته الشهيرة كان ما كان … إلخ

- برغوث على صدرك يا سارة .

– اجلسي قربي الله يحرسك لوالدك .

– كردم أبو آدم حفر البحر ومن يحفر قبري الليلة ؟

- تسلم يا نور العيون !

– ما أطيب قهوتك يا سارة !

– يا بنت أمير العرب هاتي بصة .

– الليلة من ليالي العجوز اسمعوا الهواء يزمر .

– والموقد يرد عليه .

– اسمع يا شيخ بدأت القصة .

– نشكر الله على سلامة البرغوث . وما هذه إلا شرارة من الموقد الذي كانت تضطرم ناره في ذاك البيت ،

في وسط حلقة لسانها الجمال القصّاص ، وروحها ابنته ساقية القهوة ،

وكانت سارة ذكية الفؤاد ، فصيحة اللسان ، عظيمة الحافظة ، أخذت عن أبيها وفاقته في صناعته ، فإذا كان في سفر ليلة ما تقوم مقامه فتضحك الحضور وتبكيهم وتهيجهم وترعبهم ، بما تقص عليهم من الخرافات ومن حكايات الجان والعفاريت .

وكان أبوها يعزها ويعجب بها كثيرا ، ويستصحبها في أكثر سفراته فتسير في القافلة إلى القدس والكرك والشام ، وتفتن حيث تقطن وتضرب عند اللزوم ضربة يعجز دونها الرجال .

فتاة ترمي بعينيها وترمي بساعدها ، شديدة البأس ثابتة الجنان لا يتجهمها الليل ولا تستوقفها القفار ،

طالما اجتازت وادي اليرموك وحدها توصل السير بالسرَى ، وهي تغني بصوت جهْوريّ رنان أدوار من العتابا والميجانا تردد الأودية صداه ، وتصغي إليه وحوش الفلاة ، وما أشبهها بالشهيرات من نساء العرب اللواتي فقن الرجال فصاحة في المجالس وبأسا في ساحات الوغى .

ولكنّ اليوم الأسود لم يمهل يومها ، جاءها وهي صبية يسوق إليها من مثله الأيام والسنين ، جاءها يوم تزوج أبوها فكانت خالتها بليتها الكبرى ، ولم تكن سارة لتطيق التحكم والتأمر ، فوطنت النفس على أن تهجر البيت .

وكان قد حدث لها حادث منذ أشهر فعجّل عليها بالفرار ،

فخرجت من أبيها وهي حامل في شهرها الخامس لا تعرف ملجأ تلجأ إليه ، فأقامت بضعة أسابيع في بعض القرى حول المرج ثم رحلت إلى حيفا لتخفي هناك عارها ، ولكنها ضلّت الطريق فمشت شمالا حتى وصلت إلى شفا عمرو ، وهناك بين تلك النواويس خارج البلد جلست تستريح ، وكانت قد بدأت تشعر بانحلال في جسمها وتقطع في أوصالها ، فأوت مساء ذلك اليوم إلى كهف من تلك الكهوف التي كانت قبورا في قديم الزمان ، وعرفت لأول مرة في حياتها ما هو العذاب وما هو الخوف وما هو القنوط ،

ألا فإن هذه أول تجاربها .

حاولت أن تنام فحال دون ذلك ما أصابها من الآلام التي أخذت تزداد حتى أحسّت سارة أنها دفنت حية في ذاك القبر ، حية في قبرها تئن من الأوجاع ، وصاحت نصف الليلصيحات لم يسمعها غير الله وَوَلَدت كما تلد البدويات وهنّ في الطريق راحلات ، ولكنها ولدت طفلا ميتا ، فكان غمّها أشدّ من أوجاعها .

وعند بزوغ الفجر لفّت طفلها بالمنديل الذي كانت تحمل فيه زادها ودفنته في الناووس الذي ولد فيه وغطّته بأغصان من شجر الزيتون ، وأقامت وإياه هناك بضعة أيام تندبه وتندب حظها ، وبعد أن نقهت قليلا وأحست من نفسها بشيء من القوة ، خرجت من ذاك اللحد والمهد لا تدري ما تصنع ولا ترى أمامها طريقا تنشّط خطواتها ، أترجع إلى قريتها وقد كرهت الإقامة فيها ؟ أتدخل شفا عمرو وهي لا تعرف أحدا هناك ؟

أطرقت مفكرة حائرة بائسة ، فتذكرت أن أحد أبناء بلدها إلياس البلان يعلّم في مدرسة ابتدائية في صفورية ، فصعدت في الجبل تقصد تلك البلد علّها تحظى بلقائه فيفتح لها بابا للارتزاق ، ولكنها لم تجده في صفورية ، وقيل لها : إنه نقل منذ سنتين إلى الناصرة ودخل الدير …

هناك ، الدير ! وقعت هذه الكلمة في قلب سارة كما يقع الندى في نخاريب الصخور فينيرها ، فتحت لها بابا ظنته باب الخلاص فكان شركا من أشراك القدر جديدا ، ولعل القدر في بعض أطواره مثل البشر إذا وقعت الطريدة بين يديه لا يفلتها أو يذبحها .

جاءت سارة الناصرة وقد كدّها الجوع والتعب فسارت توا إلى الدير الذي أهديت إليه فلقيت هناك ابن بلدها الأخ إيلياس البلان ، فتنفست الصعداء وشكرت ربها ، وأول ما فاهت به هاته الكلمات : دخيلك مت من الجوع والتعب .

فتأهل الأخ إيلياس بها وطيب نفسها وأدخلها غرفة قرب المطبخ وجاءها بخوان عليه بضعة أرغفة من الخبز وقالب من الجبن وشيء من الزيتون وجفنة من الطعام .

وبعد أن أكلت واستراحت سألها حاجتها ،

فقالت إنها تريد أن تدخل الدير ،

فابتسم ابتسامة ثبّطت من عزمها وأخبرها أن رغبتها لا تتحقق إلا بشروط قد يصعب عليها إتمامها ،

ثم قال : أديرة الراهبات هنا كالشركات العقارية ؛ هل عندك شيء من العقار توقفينه للدير ؟ هل عندك مال تدفعينه رسم دخولك ؟ هذه أهم من النذور الثلاثة ، أتخدمين ؟ حسن ، ولكن الواقفات في أبواب الأديرة يطلبن الخدمة كثيرات مثلك . على أنه وعدها خيرا ،

وبعد أيام عادت إليه فأنزلها في بيت لأجراء الدير تساعد الفلاحين وتغسل ثياب الرّهابين ، ثم نقلت إلى المطبخ لإحسانها الخدمة ؛ فأحبها رفاقها من الخدم وأعجبوا بحسنها وخفة روحها وزلاقة لسانها ، وكانوا يجتمعون كلّ المساء عندها في المطبخ وبينهم بعض الرهبان ، فتقصّ عليهم المضحك المبكي من قصصها العجيبة ونوادرها الغريبة ،

وأول من أعجب بها وأحبها الأخ إيلياس الذي دخل ذاك الدير ليتمم فيه علومه . وكان لم يزل في ريعان الشباب يملكه من النساء حُسن الوجوه وسحر العيون ، وما لبث أن فُتِن بسارة ، استهوته الفتاة فخدعها ؛

اختلى بها سرا مرارا وعللها بالوعود ، وكانت سارة حادة المزاج سريعة التأثر ، في قلبها شعلة من الحب لا تطفئها تجارب الحياة المحزنة ، فاستسلمت إلى الراهب الذي وعدها أن يخلع الثوب الأسود ويتزوج بها ، ولقد برّ الأخ إيلياس بقسم من وعده إذ خرج من الدير في فرصة الصيف مدعيا أنه ذاهب إلى بيته ليتفقد أهله ،

وكان قد أوعز إلى سارة أن ترحل إلى قرية … قرب كفر كنا وتنتظره في الخان هناك ، وفي تلك القرية أقام وإياها بضعة أشهر متنكرا ، ثم تركها وهي في شهرها التاسع عائدا إلى الدير في الناصرة لعلمه أن في نية الرئيس أن يبعثه إلى سوريا ليدرس الإفرنسية في إحدى مدارس الرهبنة هناك ، فهرب من مسئولية فعلته ولم يهرب حينئذ من الدير .

ولما ولدت سارة أقسمت يمينا أنها لا ترضع ابنتها قبل أن تنتقم من والدها اللئيم الخدّاع ؛ لذلك جاءت الناصرة ليلا تحمل لفافة ألقت بها عند باب دير الأيتام ، وهي تقول : سأرجع يا بنتي ، سأرجع إليك وقد انتقمت من والدك .

وراحت تسأل في الدير عنه ، فقيل لها : إنه سافر إلى سوريا .

شكته إلى الرئيس فضحك منها وشتمها وطردها خارجا ، فقالت له والغيظ يحتدم في عينيها : عرفت طريقتكم ؛ استرني أسترك ، الله لا يستر عيوبكم .

وخرجت من الدير تلعنه وتلعن ساكنيه وسافرت إلى بيروت لتبحث عن الجاني عليها ، ولكن الأخ إيلياس البلان وقد قدّر ما قد يكون من عواقب إثمه غيّر اسمه وخلع ثوبه ولجأ إلى إحدى قرى لبنان يعلِّم فيها الصبيان ، وبعد سنتينعاد يلبي الدعوة السماوية ؛ دعوة الرهبنة ، فلبس الثوب الأسود ثانية ودخل في سلك رهبنة أخرى ، وتدرج إلى رتبة الكهنوت فيها ، فسيم قسيسا وأصبح من المحترمين في الأرض .

وليس كالدير مأوى لأمثال الأخ إيلياس ، ثوب أسود واسم جديد ودير قصيّ ، وبالبعد ذلك مطمئن ، فيا له من إثم لا يقتفي أثره أشدّ أصحاب القيافة حذقا ، يا له من ستر لا يكشفه أكبر رجال الشحنة !

وبعد طويل البحث والتفتيش فوضت سارة أمرها إلى الله ، وأقامت في بيروت تخدم في أحد البيوت ، ثم نقلت إلى الشام ثم إلى بلد في لبنان ولم تثبت طويلا في مكان ، ظلت عشر سنوات في سوريا والشقاء ملازمها والبؤس حليفها ، وقد جفت من تصاريف الدهر طباعها وخمدت نفسها وخشنت أخلاقها ،

فكانت تدخل البيت ضارعة وتخرج منه ناقمة ، ولم تثبت إلا في بيت لبناني سنتين متواليتين ؛ لأن المرأة اللبنانية تتحمل من الخدم أكثر من سواها .

ولا شك أن سارة عربية في أنها تكمن العداء طويلا ولا تنفك أن تطالب بالثأر ، فلما سمعت مرة وهي في لبنان أن الراهب الذي تبحث عنه هو في الناصرة ، حملت رزمة ثيابها وسارعت إلى تلك المدينة ، وكانت تعلل النفس أيضا بلقاء ابنتها واسترجاعها من الدير ، ولكنها لم تفز بواحدة من رغبتيها ؛ لأن الابنة التي جاءت بها طفلا رضيعا إلى الدير ضاعت بين المئات من مثلها في معاهد الأيتام المتعددة بالناصرة ، وتوارى الأخ إيلياس البلان مصعدا في مدارج النسك والتقوى .

وبين هي واقفة ذات يوم في باب الدير الذي كانت تخدم فيه منذ عشر سنوات رآها القس جبرائيل مبارك ، فاعترته رعشة مزعجة وعلا وجهه الاصفرار ، عرفها ولم تعرفه ، فسألها متلطفا حاجتها ، فحاولت أن تكشف له سرّها فاضطرب عليها ، فقالت : أريد أن أخدم في الدير . فأحسن القس جبرائيل إليها وجعلها من أجراء الدير ترعى المواشي .

العشر سنوات التي ولت والثوب الأسود واللحية غيّرت من ظاهر الراهب فلم تعرفه سارة ، ولا أدركت اضطرابه عندما شاهدها ولا السبب في جميل إحسانه إليها ، فالقس جبرائيل مبارك من أسرة كريمة في جنين أمرها في الناس مطاع وكلمتها في الحكومة نافذة ، على أنه لم ينبغ فيها إلا من تولى الوظائف فكان ظالما ، أو تولى أمر أرزاقهم الواسعة الأرجاء فكان مستأثرا أثيما يعامل الفلاحين كما تشاء أطماعه ، ويتصرف بنسائهم وبناتهم كما تشاء شهواته ،

وكان والد سارة الجمّال من عمال بيت مبارك ، يجيئهم بأحمال القمح والحبوب والحطب وغيرها من حاجات العيش ، وكانت سارة كما ذكر ترافق أبيها في سفراته وتساعده في أشغاله ، فتقيم وأباها أياما في بيت أسيادهم في جنين .

وفي تلك الأيام كان جرجي مبارك ( القس جبرائيل الآن) في العشرين من عمره ، شابا غريبا في بيته لا يشابه خلقا وطبعا أحدا من أهله وطباعه ، عصبيّ المزاج ، شديد النزعة إلى الوحدة ، غريب الأطوار ، كثير الهواجس سريع الغضب سريع الرضى ، في نفسه شعلة دخانها أكثر من لهيبها تزيد بكآبته واضطرابه ،

يظهر له الحق في كل الأشياء في شكل مشوش فلا يصبر عليه إلى أن ينجلي ؛

يضرب الخادم مثلا لإهمال بدا منه ، ويدخل غرفته فيؤنب نفسه على ما فعل ، وقد رأته مرة أمّه في ساعة ملكته نوبة عصبية شديدة يدق برأسه على الحائط كالمجنون ، فراعها ذلك وأخذت تناعمه وتسكّن من روْعه ، فسألها قائلا : متى يرجع أبو سارة من المرج ؟

فقالت الأم : غدا ،

فسكنت إذ ذاك جوارحه وهدأ اضطرابه ، ولما جاء الجمّال تصحبه ابنته ، وهَمّ عند المساء بالرجوع سأله جرجي أن يظل عندهم إلى الغد ، فامتثل الجمّال أمره ، فبعثه في اليوم الثاني بكتاب إلى أحد عمالهم في حيفا ، وتخلفت سارة في بيت سيّدها الشاب ،

وكانت قد شعرت بشيء وحشيّ في حركاته ونظراته ، وأدركت اضطرابه حين شاهدها مع والدها ، ولكنها لم تخشه ولم تنفر منه ، بل استسلمت إليه راغبة تلك الليلة ؛

ليلة كان والدها في حيفا وأحبته حبا شديدا ، ولكنّ جرجي نفر ممّا اقترف ولام نفسه ، ولم يكلّم الفتاة بعدئذ وما نظر قط إليها ، فشقّ ذلك على سارة وراحت تكظم غمها وتستر بليتها ، ولما عاد أبوها من حيفا قال له جرجي : لتبق ابنتك في البيت ذلك خير لك ولها ،

فقبل الجمّال نصيحة سيده دون أن يدرك السرّ فيها ، وامتثلت الفتاة أمر أبيها إلى حين ، ثم هجرت البيت تهرب من ظل خالتها إلى ظلّ أشد منه ظلمة وبلاء .

وبعد سنتين هجر جرجي مبارك بيته وآله أيضا ، فبينا كان سائرا إلى الناصرة ليزور أخاه الأكبر يوسف أفندي مبارك هناك خطر له في الطريق أن يدخل الدير ، وكذلك كان ، دخل الدير في السنة التي سافرت سارة إلى سوريا لتبحث عن إيلياس البلان ، وفطم جوارحه عن الشهوات ، وتاب توبة دينية حقيقية .

ولم تمض عليه سنتان في ذلك الدير حتى أصبح من أسياده المقدمين يهابه إخوانه الرهبان ويكرهونه ، كيف لا وهو لا يبالي عند الحقيقة بشعورهم ولا يراعي خواطرهم بشيء ؟ !

نفر مما كان يشاهده في بيته فنفض عنه غباره ودخل الدير ، دخل الدير فكشفت له أمور ثارت عليها نفسه وهاجت لها ضغائنه ، والقس جبرائيل يأله من يحب ولا يرى فضيلة في من يكره ،

على أنه كان يبذل الجهد ليكون سيد نفسه قبل أن يصير سيد الناس ، وطالما عذبه هذا النزاع بين الشعائر المتناقضة فيه ، بل بين معقوله وهواجسه ، فقد كان يحبّ سارة ويكرهها ، نسيها بعد أن جنى عليها ولكن أثر الجناية ظل حيا يضرم فيه أحيانا تلك الشعلة الحمراء القديمة ، وساعة شاهد الفتاة التي جنىَ عليها منذ عشر سنوات همّ\ لأول وهلة أن يطردها ، ثم حنّ إليها فؤاده وأدخلها تخدم الدير .

وكان يناصرها ويدافع عنها في كلّ أمر يحدث بينها وبين العمال ،

وكثيرا ما كانوا ينمون عليها ويغتابونها لأخلاق فيها عالية سوّدتها عليهم ، فنقم الرهبان على سارة وكان القس جبرائيل نصيرها الوحيد بينهم ، ولقد حير أمرها كل من عرفها سواه ، فمن كان يراها في الفلاة ترعى المواشي كان يشاهد في وجهها كآبة لا تظهر لمن عرفها في الدير وفي المدينة ،

امرأة منوعة صبورة قنوعة تهضم بؤسها وتكظم أشجانها ، وتكلف نفسها البشاشة فتقصّ القصص العجيبة على رفاقها الفلاحين . هذه سارة بنت الدير ، أخت الرهبان ، امرأة كئيبة حزينة ، في صدرها سر كاد يخنقها وحسرة كادت تودي بها ،

تجلس على صخرة في الفلاة أو في ظل صفصافة في المرج ، فتلقي خدّها على يمناها وتتغنى بأهازيج البدو المحزنة .

هذه سارة الراعية بنت المروج والجبال .

شكت أمرها إلى الناس فوقعت شكواها على آذان صماء وصادفت قلوبا مستحجرة ، فلبست لبؤسها درعا من الصبر براقة ، وضحكت مع الضاحكين كي لا يشمتوا بها .

وظلت على هذه الحال سنين ، لا يسمع غير الله شكوى قلبها ساعة تختلي بنفسها في الفلاة ، قريبة من الدير الذي دفنت فيه سرّها الحيّ ، بل من البحر الهادئ — بحر الشفقة والإحسان — الذي غرقت فيه ابنتها .

ولطالما وقفت عند شاطئ هذا البحر تسائل الأمواج عن لؤلؤة قلبها فتضحك الأمواج لسؤالها . على أنها تعرّفت يوما بفتاة تخدم في أحد أديرة الأيتام ، اسمها مريم ، فحنّ إليها فؤادها وأخذت تتردد إلى ذاك الدير ، فتجتمع بها وتحدثها وتمازحها وتقص عليها بعض القصص المضحكة وفيها شيء من سيرة حياتها ، ومرة سألتها اسم أبيها فهزت مريم كتفها ، وقالت باسمة : تقول الرئيسة إن القديس يوسف أبي ، ولي في الدير أخوات كثيرات ، وكانت مريم تستأنس بسارة وتحن إليها وتود لو كانت مقيمة معها ، وقد قالت لها مرة : هنيئا لك ! تروحين وتجيئين حرّة كما تريدين ، وأنا محبوسة في هذا الدير .

وسألتها باكية أن تخلصها منه ، فاغرورقت عين سارة وراحت تفكر في رفع شكوى مريم إلى القسّ جبرائيل علّه يستطيع أن ينقلها إلى ديره .

وبين كانت مرة ترعى المواشي ، رآها القسيس جالسة على عادتها في ظلّ شجرة تردد الأدوار المحزنة وتنتحب ، فاقترب منها على حين غفلة وخاطبها قائلا : لماذا تبكين ؟

فذعرت سارة وسارعت تمسح دمعها فأعاد سؤاله ، ما بالك يا سارة تبكين ؟

فأطلعته على بعض سرها ، أخبرته أنها في ليلة عيد الصليب منذ أربع عشرة سنة ألقت عند باب دير من أديرة الأيتام ابنتها ، وكانت طفلا رضيعا ، وأنها لم تزل تذكر أن الدير الذي جاءت إليه هو في آخر البلد في وسط الجبل ، وأنها تعرّفت هناك بفتاة اسمها مريم وحنت إليها حنوّ الأم إلى ولدها ، وسألته أن يساعدها في البحث عن أصل تلك الفتاة وقصتها ، وأن يسعى في نقلها إلى ديره ،

فامتقع وجه القسيس لهذا الخبر لظنه أن الفتاة ثمرة فعلته ، ولكنه طيب نفس سارة ووعدها خيرا .

وبينا كانت الراعية ترعى مواشيها في مكان قصيّ من البلد بعد هذه المقابلة ببضعة أيام ، نامت في أصيل النهار برهة ، فلذعتها في رجلها حية سامة ، ولم يكن أحد هنالك تستغيث به ، وقد حاولت أن تعالج نفسها بيدها ؛ فربطت رجلها فوق الجرح بخيط من الشعر وعادت إلى الدير ، ولكنها لم تصل إليه إلا بعد أن سرى السمّ في جسمها ، فبعثت تدعو القس جبرائيل إليها فلبّىَ مسرعا ، ثم استدعى لها طبيب الدير فأبطأ في مجيئه ، ولما وصل وجد أن السمّ سبق الدواء وأن لا مرد للقضاء ،

ولما أحسّت سارة بدنو أجلها أخذت يد القسيس وقبلتها ، واستحلفته بالمسيح وبالعذراء أن يقضي حاجتها ويعرفها ويتمم وصيتها

- أرجوك أن تبعث إلى الدير … تستدعي مريم ، أحب أن أراها قبل أن أموت ، وهي إذا عرفت بحالتي تحضر حالا .

فبعث الراهب رسولا إلى الدير يستدعي الفتاة ، وبدأ يعرف ، سارة أخبرته أثناء الاعتراف قصّتها كلّها ، فاغرورقت عيناه واضطرب فؤاده ، وبعد أن جعلها في حلّ من ذنوبها

ركع عند فراشها ، فخاطبها قائلا : وأنا أعترف قدّامك يا سارة وقدّام الله وأستغفرك قبل موتك ، أنا جرجي — جرجي مبارك — دخلت الدير بعد أن جنيت عليك ، اصفحي عني واغفري لي .

وأخذ يدها يقبلها فأحسّت بدموع تتساقط عليها ، وأجابته وهي شاخصة بعينها : ما حقدت عليك مرّة ولا شكوتك مرّة إلى الله ، فلا تنس وصيتي أستحلفك بالمسيح ولا تبح لمريم بالسرّ ، وإذا التقيت بابن البلان قل له : إنني سامحت وصفحت ، دخيلك ، أنت ابن بلدي ، أنت أبي ، أنت سيدي ، أنت أخي فكن لمريم أبا وأخا أيضا ، وخذ هذه الذخيرة .أعطها إياها لتحفظها ذكرا مني .

فصعّد القسيس الزفرات ثم صلى عند رأسها ، وقال وهو يسألها أن تردد كلماته : قولي معي يا بنتي من غور الحياة أرفع اللهمّ صوتي ، من وادي الأردنّ أحمل إليك يا رب وزري ، من أعماق الأرض أنظر ضارعا إلى جبال قدسك ، وإلى شمس رحمتك وإلى سماء حبك .

وفي تلك الآونة دخلت مريم البيت ، فمدّت سارة يدها وجذبت الفتاة إليها فقبّلتها ، ثم قبّلتها وضمتها إلى صدرها كأنها تريد أن تطلعها على ما في قلبها ، كأنها تريد أن تسمعها همس الأسرار في نفس الموت ، فشهقت شهقتها الأخيرة وشخصت بعينها ووقعت في أنفاسها الخمدة الأبديّة .

فردد القسيس : من أعماق الأرض يا رب أنظر ضارعا إلى شمسرحمتك وإلى سماء حبك .

وجثت مريم عند جثة سارة تبكيها بكاء شديدا ، وراح القس جبرائيل يتأمل الفتاة وهو يشعر بالاضطراب .