يا صديقتي ! وها إنك لم تزالي تسعلين ، بالله أن تقبلي ضيافتي ، البيت في الجيزة على شاطئ النيل جميل .
– لا تحدثني بالبيوت ، لا تحدثني بالضيافة ، أنا راضية بما أنا فيه الآن ، هذا البيت يكفيني ، ومرجانة والحمد لله ومحمود لا يهجرانني .
– تبصري بما أقول ، البيت في الجيزة مهجور ، انْقلي إليه تقيمين فيه وخادماك ، وإذا أحببت أن تدفعي أجرته أقبلها منك عندما تشتهرين بلندرا .
– اعذرني ، أفضل أن أبقى هنا ، سأقيم في هذا الحيّ ، في هذا البيت إلى أن يجيئني خبر منك ، عزمت عزمي ولا أتحول عنه .
– كما تريدين ، أوترفضين عيادة طبيبي يعالج سعالك ؟
– لا .
– حسن ، بارك الله فيك . – أوترفضين عزيمتي الليلة إلى العشاء ؟
– أين ؟
– في الكنتينتال ، لا أغير عاداتي ولا ينبغي لك أن تغيري عاداتك ، أحب أن يراك الناس معي ، أفتخر بذلك ؛ لأني كما تعلمين أحتقر هؤلاء الناس ، كانوا أمس يهتفون لك كالمجانين ، واليوم ينبحون عليك كالكلاب عليهم لعنات الله وإبليس ، قومي بنا ، لا يهمني اليوم بالقاهرة غيرك .
– والموميات .
– والموميات ، عليك نور .
– انتظر ريثما ألبس ثيابي .
– ولتكن أحسن ما عندك وأجمل .
وخرجت غصن البان من غرفتها الخصوصية بعد نصف ساعة وقد ارتدت ثوبا من الحرير الرماديّ ، أنيق الزي ، بسيط التخريج ، وقبعة مخمل من لونه صغيرة شبيهة بالعمامة في مقدمها ريشة بيضاء تبدو فوق جبينها البرّاق كطائر من الحمام أسف على الماء .
– وما هذه الذخيرة يا غصن البان ؟
– ألم ترها قبل اليوم ؟ هي سلواي الوحيدة ألبسها في أيامي السوداء فتسليني ، تشجعني ، تعزيني ، امش ولا تحفل بها .
– بل شوقتني إلى الاطلاع على سرّها .
– سرها هنا
وأشارت إلى قلبها
— امش يا سر همت ولا تكن … – فضوليا ،
- ممنون ، ممنون ، تفضلي .
وخرج وإياها من ذاك البيت الحقير ، فوقف محمود عند الباب ويده على رأسه ، واجتازا زقاقا لا نور فيه غير أنوار القناديل الضئيلة المعلقة فوق الأبواب ، فتري المارين أشباحهم ولا تنير سبيلهم ، والرواشن فوق رءوسهم إلى الجانبين تكاد تقع بعضها على بعض ، ولما وصلا إلى الشارع العمومي ركبا عربة سارت بهما إلى الكنتينتال .
وبعد العشاء ونزهة في الجيزة شيعها سر همت إلى بيتها قرب نصف الليل وودعهاعند الباب ، وكان محمود لم يزل جالسا هناك ينتظر سيدته ، فلمّا دخلت باب الرواق استفاقت مرجانة فجاءت تفرك عينيها وتقول : أتريدين حاجة مني ؟
– لا يا مرجانة ، روحي نامي .
وصعدت غصن البان إلى غرفتها منقبضة النفس مضطربة البال تفكر بسرهمت ووعوده ، وتقول : ومن يصدق منهم يا ترى ؟ خدعوني كلهم خدعوني ، ولم يزالوا يحاولون ، ولكني لست اليوم تلك الساذجة ، بيت على شاطئ النيل ، شهرة في لندرا ، وكيلي ، صديقي ، ما شاء الله ! أوتلام الراقصة الخاملة المسكينة الضعيفة إذا خدعت وابتذلت وامتهنت ؟ !
يتحجر قلبها وتفسد أخلاقها وتتجعد بشرتها ، فتتاجر بجسدها كما يتاجر محيي الدين بمكارمه ، وسر همت أيضا ، سر همت مثله ولا شك ، أتلام تلك المسكينة ياترى إذا قبلت حبّ من يخطب ودّها كما لو كان حقها دون أن تبادله حبها ، يخدعها فتخدعه ، يهينها فتهينه ، يضحك منها فتضحك منه ؟ !
والناس يحتقرونها ويزدرونها ولايدركون الأسباب التي شوّهت نفسها وقتلت فيها الصدق والطهر والوفاء ، ولا يحفلون بتلك الأسباب وإن أدركوها .
خلعت برنيطتها ثم نزعت السلسلة من عنقها فرفعت الذخيرة إلى فمها تقبلها .
وبينا هي واقفة أمام المرآة تناجي تلك الذخيرة ، كان رجل قادما في ذاك الزقاق يعد إلى يمينه الأبواب ، فوصل إلى المقصود منها وإذا بمحمود جالس على الأسُْكفّة تحت القنديل وقد بدت أسنانه كالعاج المنقّى يعد سبحته ويتمتم متغنيا ببعض الأشعار على نغمات عود في الحارة المجاورة .
– هذا بيت غصن البان ؟
– نعم .
فهمّ الرجل بالدخول فاستوقفه محمود قائلا : حاجتك إيه ؟
فدخل الرجل ولم يحفل به فلحقه العبد وأمسكه بجبته .
– تريد إيه يا شيخ ؟
فتفلّت الرجل منه وضربه على وجهه ضربة أطفأت نور عينيه فوقع إلى الأرض ، فتركه يئن ويلهث ويسبّ ، وتقدم مسرعا فإذا هو في رواق صغير فيه نوفرة متهدمة جافة بل نائمة لا صوت لها ، وإلى يمينه باب ودرج يوصل إلى الدور الثاني ، فنظر الرجل إلى الشبابيك فيه فلم ير نورا إلا في واحد منها ، فصعد الدرج ومحمود وراءه ينادي : يا مرجانة ، يا مرجانة !
وذهب توا إلى الغرفة المنورة فوجد الباب مفتوحا وغصن البان مدبرة تخلع ثيابها ، فلما رأت الخيال الأسود منعكسا أمامها في المرآة ذعرت وصاحت مستجيرة ، وسارعت إلى الباب تقفله ، ثم نادت من الشباك : يا محمود ، يا مرجانة ، يا مرجانة ، يا محمود ! فطم أنها الرجل من الخارج قائلا : لا تخافي يا بنتي ، الْبسي ثيابك يا مريم وافتحي .
– يا محمود ، يا مرجانة ، دهتكم داهية ، من الغريب الواقف في الباب ؟
فجاء محمود ويده على عينه يصيح ويتوعد الغريب .
– يا بنتي يا مريم لا تخافي أنا القسّ جبرائيل ، صديقك القس جبرائيل مبارك ، الْبسي ثيابك وافتحي الباب !
فسمع القس جبرائيل غصن البان تهمس اسمه همسا أشد من الصياح وساد داخل الغرفة سكوت عميق قصير ، ثم قالت تخاطب محمودا : دع الرجل يا محمود ، رح نم .
وبعد هنيهة فتحت الباب وقد ارتدت غلالة خضراء ، ووقفت تحت العتبة كالتمثال لا تبدي حراكا ، نظرت إلى الراهب نظرة جامدة باردة ، ثم قالت : وماذا تبتغي مني اليوم ؟
– ما أبتغيه من خمس سنوات ولم أزل أبتغيه .
– وكانت بغيتك قريبة منك فلم تظفر بها ، فكيف إذا أصبحت بعيدة عنك بعد السماء من الأرض ؟
– البعيد من الله أقرب إليه من القريب منه .
– اتركني إذن قريبة من الله .
ولاح في عينيها بريق الشقاء المستهتر وهي تبتسم ابتسامة التهكم . في السنين التي قضتها نائية عن وصيها ومرشدها — خارج السجن — في نعيم الحياة وبؤسها ، نشأ فيها خلق الازدراء والتفوق ، فكان يخفي في بعض الأحيان فطرتها الطيبة ، زالت سذاجتها
كما يزول لون الزهرة وشذاها إذا قطفت وعرضت للشمس ، ولكن تلك الغريزة الحميدة كمنت في قلبها كما تكمن في الزهرة بذور الحياة الخالدة ، والخلق المكتسب فيها ؛ خلق الغواني والممثلات منشأ الغرور والتفوق ، خلق من يقفن كلّ ليلة أمام الناس فتسكرهنّ ضجات الاستحسان والإعجاب ، ذاك الخلق الأنيق الباهر الكذوب خانها تلك الآونة ، ولم تكن لتستطيع أن تخفي ما جاش في صدرها من جيشان الغمّ والأسى ،
فلما أجابت القس جبرائيل الجواب الذي ظنته قاطعا مفحما عبس بها وأجابها قائلا : ما جئت أمازحك .
فارتعدت فرائصها وتساقطت منها حليّ الغرور والتصنع كما تتساقط من الأشجار أثمارها المتهرئة ، فوقفت لا كغصن البان أمام أحد مريديها معتزة شافنة ، بل كمريم الناصرية أمام الله صاغرة خاشعة ، نظرة من نظرات القسيس القاسية أحيت فيها حقيقة حالها ، كأنه تناول الوردة البالية فنفخ بها فتطايرت بتلاتها وبدت في قلبها العاري بذور الحقيقة الرائعة ؛
بذور الحياة الطاهرة ، فمدّت غصن البان يدها إلى الراهب كأنها تقول : خذ ما تبقى في قلبي وازرعه حيث شئت .
– ما جئت أمازحك .
ثم قال دون أن يقترب منها : تعالي معي .
– إلى أين ؟
– إلى حيث أشاء .
– سيدي القس جبرائيل .
– ولا كلمة ، هاتي يدك ،
ومدّ يده إليها .
– لي كلمة واحدة أقولها ، ادخل يا مولاي ، ادخل بيتي وإن كان لا يليق بك .
وأخذت يده فأدخلته غرفتها وأجلسته على الديوان أمام سريرها ، فاعترت الراهب هزة حين شاهد وجهها في نور القنديل ، سبحانك اللهمّ ! أتكذب المآثم ، أتخطئ الدعارة ؟ هذه النضارة وهذا الرونق في وجهها ، لقد زادتها السنون جمالا ، وليس في عينيها ولا في فمها أثر من آثار الخطيئة ، إلا أن نظراتها ولهجتها في بعض الأحايين كانت تزعجه .
– أجئت تنقذني مرة ثانية يا مولاي ؟ هل تعرف من أنا الآن ؟ لما هربت وإياك إلى طبريا كنت بنتا جني عليها فصرت أما ؛ أما حزينة ، ثم فررت من تلك البلاد ومنك هاربة ، فخضت عباب الحياة راغبة طامحة مستهترة ، نسيت ولدي ونسيتك إلا في أوقات ال… نسيتك ونسيت قديم بلائي ، قاتلت أهوائي واسترسلت في أهوائي ، مددت يدي إلى الثمار المحرمة ، الثمار التي اشتهتها نفسي ، فقال الناس : إني راقصة بغي ، قاتلت من
حاول هتك عرضي ممن يكرههم قلبي فغلبوني ، لقيت منهم الويل والبلاء ، وقال الناس : هذا الترفع كذب وهذا التمنّع صاغته حيل النساء !
رأوني ساعة استهتاري ولم يرونيفي ساعات عذابي ، رأوني راقصة بغيا ، ولم يروا ما في قلبي من الأماني العالية والمطامعالشريفة ، فكرهت نفسي الرجال وطردت من قلبي الحبّ وذكراه ، إلا أن زوايا هذا القلب الكسير ، في زواياه المظلمة الباردة شيء واحد أعزه وأقدسه وأهتدي به ، شيء واحد يشفع بي أمامك وأمام الله ، أبتي القس جبرائيل ، مولاي ، منقذي ، لا تنظر إليّ غضبا ، عبوسا ، أخاف هاته النظرات ، ترجفني كلماتك ، سامحني ، ارحمني ، ارْث لحالي .
خرّت غصن البان أمامه جاثية وطفقت تقبل يديه وتنظر إليه تارة خاشعة حزينة وتارة بهيجة غانجة ، نفس مريم في قلب غصن البان ، قلب غصن البان في نفس مريم ، إنما هذه الامرأة التي خرّت أمام القس جبرائيل جاثية فأحزنته كلماتها ، وأزعجته حركاتها ، وعذبته منها تلك النظرات المريبة ، وارتعشت جوارحه من قبلاتها الحارة ، فأبعدها عنه قائلا : انهضي انهضي ، وسيري معي .
– لا ، لا ، إليك عني ، دعني في بلائي ، في وحدتي ، في وحشتي ، إن يدك لا تصل إليّ لتنقذني ثانية ، وإذا حاولت ذلك قد تسقط معي ، سر في سبيلك ، ودعني في شقائي .
– إني لأعرف ما في قلبك وما ليس في قلبك امشي معي .
– مستحيل ، مستحيل .
– امشي قدامي .
وأخذها بيدها فتفلتت منه نافرة حانقة .
– البلاء المحيق اليوم بي خير من القساوة التي تمد إليّ يدها ، الشقاء المكتنفني خير من تبرد كلماتك .
– السعادة تناديك وتنتظر قدومك ، امشي معي .
– ولكن رسول السعادة لا يكون ظالما قاسيا .
– مخطئة أنت .
– برهانك ، برهانك أني مخطئة ، أنظرت إلى ما في أعماق قلبي وبششت له ، أأريك ما لم أزل أقدسه فلا تحفل به ؟
– ومن قال لك ذلك يا مريم ؟ إن أوهامك باطلة ، انظري إليّ ، تقدمي مني ، أأسألك عن هذه الذخيرة وهي بادية لناظري ، عزيزة عندي كريمة مقدسة ؟ !
وأخذ الذخيرة يقبلها ويقول في نفسه : رحمة الله عليك يا سارة ،
فلاحت إذ ذاك في وجه غصن البان ابتسامة السرور والرضى وسكتت هنيهة ، ثم أخذت يديه بيديها
وقالت : لا تقساني ، لا تظلمني ، لا تعاملني كمن ظفر بالحياة فأذلها ، عاملني كمن يحب الحياة وإن أذلته ، مولاي القس جبرائيل ، أنا رهينة إشارتك ، أنا خاتم في بنصرك ، ولكني لا أجسر اليوم أن أسألك ما سألتكه مرة ، لقد أفسد الخير سذاجتي ، فصرت أخشى ما أعلم وما أجهل ، أنت تعرف ما أريد ، أنت تدرك بغيتي القصوى ، فقد حفظتها مقدسة هذه السنوات كلها ، وكنت في نعيم الحياة شقية حزينة ، كنت أبكي وأنتحب حين تعتريني لذكراه هزة الشوق ، ولدي ، ولدي .
– سيري معي فيكون لك ما تبتغين ، السعادة تناديك وتنتظر قدومك .
– إلى حيث شئت ، إلى حيث تريد ، حتى إلى الجحيم .
– نحن الآن في الجحيم ، أسرعي ، أسرعي لنخرج منه .
– الآن ؟
– الآن ، هذه الساعة ، هذه الدقيقة .
– وبيتي وأمتعتي و…
– غدا يجيء من يعتني بذلك ، انفضي الآن يدك من كلّ شيء وسيري معي إلى بيتي ، دعي خادمتك نائمة ، وخادمك ، الْبسي ما يقيك هواء الليل البارد ، اقفلي الباب ، هاتي المفتاح .
– بارك الله فيك .
ومشت والقس جبرائيل إلى منعطف الجادة فإذا بعربة تنتظر هناك ، فركبت وإياه وراح الحوذيّ يحثّ خيله إلى الجيزة ، ومنها إلى ناحية الأهرام ، وبعد سير ساعة وما يزيد وقفت العربة ، فترجل القسّ جبرائيل وصرف الحوذيّ ودخل وغصن البان في بستان من النخيل ماشين مسرعين جنبا إلى جنب .
– إلى أين يا قس جبرائيل ؟
– إلى بيتي .
– ويلي ! هذه الظلمة مخيفة مرعبة .
اجتازا في ذاك البستان إلى الصحراء فأصبحا بعيدين عن الحقول والسبل فيها ، ضلّ القس جبرائيل الطريق تاه ورفيقته في البادية ، في بحر من الرمال وبحر من الظلمة ، مشيا ساعة فأعياهما المشي ، فرمت غصن البان بنفسها على الرمل تئن من التعب والخوف .
– أين بيتك يا قس جبرائيل ، ربي ! ما عساك تصنع ؟ إلى أين ، آه ما ألطف هذا الهواء ! دعني أستريح قليلا ، اجلس تسترح ، اجلس هنا إلى جانبي ، هواء الليل منعش وظلمة الليل إذا كنت قربي لا تخيفني .
وقف القس جبرائيل وقد أحس من نفسه وهنا ينظر غربا وشرقا وجنوبا وشمالا يسأل الله الهداية ، ولكنّ البادية كلها طريق والليل كله طريق أخرى ولا حاجز في الطريقين ولا حد لهما .
– انهضي يا بنتي ، امشي ، امشي ، الله معنا ، ها قد تراءت لي ظلمة أشد ظلاما من الليل واقفة كالطود هناك ، هذا الهرم ، الله ! ما أقرب الطريق إلى الجحيم وما أبعدها منه ، ما أقصرها ذهابا وما أطولها إيابا !
واستأنف ورفيقته السير ثم وقف فجأة يسند رأسه بيديه من صداع بل دوار أصابه .
– ما بالك يا قس جبرائيل ؟ لماذا لا تجلس قليلا فتستريح ، دعنا ننتظر هنا ريثما يطلع الفجر ، النوم على الرمل تحت السماء لذيذ .
– امشي يا بنتي امشي ، هذا الهرم ، قد اهتدينا إلى الطريق ، وقريبا نصل إلى البيت .
وهبّ إذ ذاك الهواء البارد رسول الفجر فجعل يصفر في نخاريب حجارة الهرم فيستحيل صفيره صياحا بشريا وعويلا ، فخيل إلى القس جبرائيل لما اعتراه من العياء والدوار أن أناسا هناك يقهقهون ويضحكون منه ، بل سمع أصواتا تقول : صفقوا للناسك ! قد فاز بقوت قلبه .
– حيوا الناسك وعروسه !
– خذوا الدفوف واضربوا وارقصوا !
وكان صدى العويل والصفير يتراجع في هبوب الرياح ، فسمع الراهب تلك الأصوات حول الهرم كأنها أصوات خارجة منه .
– لو أَحبها لرحمها ، لتركها تنعم في جحيمها . – لو أحبها لعاش وإياها هناك . – لو أحبها لقتلها .
– تبارك ضلاله ! وتباركت أوهامها !
– خذوا الدفوف واضربوا وارقصوا …
هدأت الريح قليلا ولم يهدأ ما أثارته في قلب القس جبرائيل من الهواجس والأوهام ، فقبض على يد غصن البان وقد تصور أنها تحاول الفرار منه وأسرع في مشيه ، لقد سمع أصواتا لم تسمعها ، ولكنها أحست باضطرابه وسمعت تنهداته ، وكادت نار يده تحرق معصمها .
– ما بالك يا قس جبرائيل ؟ ما بالك ؟
– لا شيء يزعج يا بنتي ، لا شيء .
ولكنه كان يسائل نفسه قائلا : وما هي يا ترى هذه الأصوات المرعبة ؟ أتضحك الأموات منا ؟ أتنذرني بحبوط مسعاي ؟
– يا قس جبرائيل …
– وصلنا يا بنتي ، وصلنا .
وما كاد يقف في باب كوخه حتى تراءى له خيال أبيض حول رأسه هالة من النور ، فسمعه يقول : أنا الرحمة ، أنا المحبة ، من يميت نفسه يحييها ، ومن يحيي نفسا أخرى يحيي نفسه .
دخل إلى الكوخ يرتعد وجلا وغصن البان لم تزل في قبضته ، فأجلسها على مرتبة من الخشب فيه وأشعل القنديل .
– هذا سريرك ، نامي يا بنتي ، لقد أعياك المشي وأراك ترتعدين بردا ، نامي قليلا .
ثم خلع جبته وغطاها بها .
– نامي قليلا لنقوى على السفر غدا .
ثم أطفأ القنديل وخرج من الكوخ ، فجلست غصن البان على تلك المرتبة ورأسها بين يديها تفكر في مصيرها ، والقس جبرائيل يتمشى على الرمل قلقا معذبا يردد ما أسمعه الوهم من أصوات الليل والقبور .
– لو أحببتها لتركتها في الجحيم ! لو أحببتها لأقمت وإياها هناك ، لو أحببتها لقتلتها ! شياطين الجحيم ! أتتبعني لتهزأ بي ، لتسخر مني ، لتضحك من مسعاي ، هيهات هيهات ! أواه ، رأسي يلتهب وهواء الفجر لا ينعشني . من أمات نفسه أحياها ، من قتل نفسه أحياها ، رب الأكوان ! إن نجومك ورمالك لتخفي الصغير والكبير من أسرارك ، من أحيا نفسا أخرى أحيا نفسه ، والنفس إذا عادت إليها حياتها الدنيا عادت الرغبات معها والأهواء والشهوات ،
كانت مريم ضالة فوجدت ، ومن وجدها ؟ من أنقذها ؟ من ذا الذي عاد بها إلى الحياة إلى مطهر القلوب ؟ أنا الفقير إليك يا ربي ، فهل ينبغي لي أن أقتل النفس الجديدة فيّ تلك التي أحييتها ، لك المجد ، بتحقيق آمالي وبتوفيق مسعاي ؟ لم تزل تظن أن الذخيرة مني ، مسكينة واهمة ، سأكشف لها السر ، سأطلعها عليه ، فتكرهني لذلك ، تلعنني ، وقد تتفلت من يدي فيخفق مسعاي ثانية ، ما العمل ؟ ما العمل ؟
جلس على الرمل قبالة الكوخ يتأمل الربع الأخير من القمر وقد ظهر في الأفق فوق الرمال يرفع سجْفا من سجوف الظلام ، وأقبلت طلائع الفجر الأولى تطارد الليل فتميزت
الصحراء والسهول وبدت رءوس النخيل قرب الهرم كأحمال من الرتم حول الأتون ، وهبّ نسيم الفجر فأنعش الراهب وجدد فيه العزم والثبات .
– سنسافر اليوم ، سنسافر اليوم .
ورفع رأسه فإذا بغصن البان واقفة في باب الكوخ تنظر إليه ، والقمر ينير وجهها ، والنسيم يداعب شعرها ، فنادته بصوت متلجلج مضطرب ودنت منه تخاطبه قائلة : ظننتك هجرتني ، وقد تفعل ، من يعلم ؟ اسمع يا قس جبرائيل ، أحب أن أعرف إلى أين ذاهب بي ؟ وما الغاية من سعيك هذا ؟ أتريد أن تنقذني من موبقات المدينة ؟ هذا مستحيل ، الموبقات ليست في المدينة بل في قلبي ، رح يا سيدي في سبيلك ، ودعني أعود إلى شقائي ، إلى بؤسي ، إلى وحدتي ، إلى جحيمي ، لا تقترب مني أدنسك ، يدي ملطخة بالإثم ، جسمي مدهون بزيوت الفحش والعار ،
في صدري تحتدم نيران الشهوات ، في عيني رماد كان بالأمس نار رغبات سماوية ، في شعري سمّ قبلات العشاق والمحبين ، لا تقترب مني أدنسك ، سر في سبيلك ، عد إلى نعيمك ، ودعني أعد إلى جحيمي .
– سنسافر اليوم ، هذه الساعة إن شئت ، إلى طبريا حيث السعادة تنتظرك ، تناديك من تلك الأرض المقدسة ، لا تسترسلي في الأوهام ، وطّدي ثقتك بالله ، لا ترتابي …
– أرتاب في أنك صليبي .
– وستسافرين معي إلى طبريا فتلتقين هناك ومن تحبينه .
– ومن أحبه ؟ عساك تحلم بزواجي ، أنت مخطئ ، ليست غصن البان تلك الفتاة مريم التي كنت تعرفها ، خاطرك الوداع ، أدعو لك بالتوفيق حيث سرت ، وحيث حللت .
وهمّت بالذهاب فأمسكها القس جبرائيل بيدها وأوقفها .
– اتركني !
– قفي قليلا ، ادخلي ، اسمعي كلمتي الأخيرة .
– لا ، لا .
فجرّها إلى الباب فوقفت هناك متمنعة متمردة .
– دعني أذهب إلى سبيلي .
– عبثا تحاولين التفلّت من يدي .
– اتركني ، لا تكرهني .
فضغط على معصميها فصرخت متأوهة والْتوتْ تحت وجهه الناظر إلى وجهها كغصن هصرته الرياح ، فنهض بها حتى كاد خدها يلامس لحيته ، وهو ينظر إليها بعين لاح فيها وميض الشهوة التي طالما خدعتها فأصبحت بين يديه كالعصفور رماه الصائد ، لا تبدي حراكا ،
فحملها إلى داخل الكوخ وهي ترتعد بردا وحبا وجزعا ، وما لبثت أن أغمي عليها ، فمددها القس جبرائيل على المرتبة وطفق يفرك يديها ورجليها ويناديها باسمها مطمئنا مطايبا .
وفي تلك الساعة دخل القس بولس عمون قادما من البلد ، فوقف في الباب والقس جبرائيل مدبر يعالج غصن البان .
– المجد الله يا أبتي .
فالتفت القس جبرائيل مذعورا وإذ شاهد القس بولس تنفس الصعداء : جئت في وقتك ، هذه الابنة مريم ابنتنا ، لقد أغمي عليها من شدة التعب ، ساعدني لنعيد إليها رشدها ، تقدم ، افرك رجليها .
فدنا القس بولس ينظر إلى وجهها فشاهد الذخيرة على صدرها ، فتأملها فإذا هي بعينها تلك الذخيرة التي أعطاها إلى أمها سارة يوم كانت حاملا ، فقبّلها وقبّل مريم هاتفا : بنتي ! بنتي ! سبحانك اللهمّ ، ارحمني يا ربي وارحمها .
جمد الدم في عروق القس جبرائيل ووقف كالشبح بين البنت والراهب محملقا : وهل أنت الأخ إيلياس ؟ !
– نعم أنا إيلياس البلان ، أنا هو .
فصفق القس جبرائيل كفا على كف معجبا مبتهجا ، ثم بسط ذراعيه إلى القسبولس ، فضمه إليه يقبله ويقول : غفر الله ذنوبنا أجمعين ، لقد سامحتك سارة وغفرت ذنبك وهي على فراش الموت ، يا مريم ، يا مريم ، استفيقي يا بنتي ، استفيقي ، افرحي تهللي ، ها قد ظهر قسم من سعادتك ، ها هو ذا أبوك .
– أبي ، أبي !
– نعم أبوك .
فأيقظتها الدهشة وجلست تنظر إلى الراهبين حائرة بائرة .
– أبي أين أبي ؟ من هو أبي ؟
فضمها القس بولس إليه هاتفا : بنتي الحبيبة ، بنتي مريم ! أجثو أمام أمك فيك ، أسأل الله أن يغفر ذنبي ، رحم الله أمك ، غفر الله ذنبي .
وضمها إليه وطفق يقبلها مبتهجا ، مضطربا ، باكيا .