– ولكنه لطيف كريم ، يا أمي ، وعدني ببيت وبعريس إذا قبلت نصيحته وأصلحت حالي وندمت على خطاياي .
– هل هو كاهن نصراني ؟
– لا هو رجل غنيّ ، له أملاك في جهة تلحوم وعنده أجراء ، ويريد أن أقيم هناك معهم فأخدم في بيته ويزوجني بشابّ ظريف ابن أحد أجرائه .
– ما لك وهذا التلفيق ، هو خدّاع منافق مثل سائر الرجال ، كم يدفع أجرتك في الأسبوع ؟
– مجيديين .
– مجيديين فقط ؟ اطلبي منه أربعة مجيديات ، يدفعها ، وحق الله إذا كان يحبكيدفعها وابقي معه إلى أن يسافر إلى بلاده ، ثم عودي إلى شغلك ، ولا تغرك تلفيقاته ، من يعيشني إذا بعدت عني وأنا الآن مريضة ، وافرضيأنني شفيت غدا فلا أحد يلتفت إليّ ، ولّت أيامي ، يا بنتي ، كبرت وشبت من الويل والشقاء ، ألا ترين كيف هجرنا ذاك اللعين أبو هذا الولد ، لا عاشت الأولاد ، ولا عاش الرجال !
وكان الطفل إذ ذاك نائما فاستفاق وجعل يبكي ، فجذبته بعنف إليها ودقت برأسه على صدرها وهي تقول : ارضع ترضع السم ، ارضع ترضع البلاء ، سأرميك في البحيرة يوما ما وأرتاح منك ومن بذرة أبيك ، هاتي الإبريق يا هيلانة ، أحسّ أنّ في جوفي أتون نار ، آه ما أحلى الموت ! هنيئا للموتى !
– أنت دائما يائسة يا أمي ، ويحق لك أن تفرحي اليوم .
– نعم يا بنتي ، الجنة التي نحن فيها تفرح القلب ، اسمعي ألم تقولي لي : إن الامرأة التي مع هذا الرجل حبلى ؟
– بلى .
– ارجعي إذن إلى بيته ، وابقي عنده إلى أن تلد فأخبرك بعدئذ ما تفعلين ، واطلبي منه أربعة مجيديات كلّ أسبوع ، أفهمت ؟ أواه ! أين جمالي يخدمني الآن ؟ فإني الآن أعرف كيف أنتفع به ، كفاك ، كفاك يا بن الستين كلب ! قطّعت ثديي ، هس ! لا تبك ، لا تبك . الإبريق يا هيلانة ! احترق قلبي والله ، احترق كبدي . أفهمت ما قلت لك ؟ اطلبي منه أربعة مجيديات كلّ أسبوع ، وهبيه البيت والعريس . – وربما كان هو العريس بنفسه ،
- والله يا أمي ! هو شلبي وكريم ولطيف وغني ، أحبه والله أحبه .
– الله يعمي قلبك ، حمارة ، دابة ، ماذا يريد الرجل من بنت الهوى ؟ زواجها ؟ لم تزالي بسيطة يا هيلانة ، يتمتع بك ويتركك مثلما تركني ذاك النذل ، الله يبليه بالبرص ، الله يبليه بالطاعون ، أتعرفين ما كنت أصنع لو كنت اليوم صبية جميلة يا بنتي ؟ أعطيني الإبريق ! لو كنت اليوم صبية جميلة لبنيت علية على شاطئ البحيرة أكرسها للغرام وللموت فأمتص فيها حياة الرجال وأجعلهم بعد ذلك طعما للأسماك ، أواه ! روحي إلى شغلك يا بنتي ، أعطي وانسي ! ولكن لا تنسي أن تطلبي من معلمك أربعة مجيديات .
وعادت هيلانة إلى بيت القسّ جبرائيل لا تعرف بأي نصيحة تنتصح : أبنصيحة أمها ، أم بنصيحة الغريب سيدها ؟ ولكنها استسلمت إلى التقادير وظلت تخدم القسيس ورفيقته شهرين لتطبخ وتغسل الثياب وتجيء إلى البلد تقضي حاجاتهما وتبتاع لهما زادا ، وكانت ترافقهما في نزهاتهما أيضا ، كأنها تقيم معهما رفيقة لا خادمة ، وكان سيدها يحسن إليها ويرشدها ويعاملها ومريم معاملة واحدة .
ولم تكن مريم لترضى بذلك ، فازداد غمّها واحتدمت نار الغيرة في موقد أحزانها ؛ فنفرت من هيلانة ولم تتمالك نفسها فأخذت تخشن لها الكلام وتسيء معاملتها ، وكانت هيلانة إذا حدثت مريم تكثر من ذكر الرجال وتردد بعض أقوال أمها البذيئة .
– قلت لك مائة مرة : لا ترددي على مسمعي مثل هذا الكلام .
– لا تؤاخذيني ، ولكن مثلك لا تشمئز من ذكر الرجال .
– سدّي فمك .
– أمرك يا معلمتي ، ولكني طالبة الإفادة ، سمعت الناس يقولون : إنك زوجة معلمي ولست ابنته .
– هذا لا يعنيك يا هيلانة .
– بلى يا معلمتي ، هذا يهمني ، فإذا كنت زوجته لا أفسد — والله — بينكما ، بل أعود إلى بيتي ، إلى شغلي .
– وما معنى كلامك ؟
– معنى كلامي : إذا كنت زوجة معلمي فرزقي إذن على الله ، ولو أَحبني فأنا لا أفتن بينكما .
فلم تتمالك مريم أن ضحكت ، فتشجعت هيلانة وتمادت بمثل ذا الحديث ، فأسكتتها مريم وضربتها . فشكتها إلى القس جبرائيل فطيب خاطرها ونصح لمريم أن تعاملها بالحسنى .
– لا نقدر أن نغير خادمتنا كلّ أسبوع يا بنتي ، ونحن نبتغي الستر والبعد عن الناس ، ولا نقدر أن نعيش هنا بلا خادمة ، فاصبري عليها من أجْلي .
وبعد أيام بعث القسيس هيلانة برسالة إلى أجيره في تلحوم ، فأدتها وجاءت بالجواب ، وفي عودتها عرّجت على طبريا لتزور أمها ، وكانت قد تعافت فأخبرتها بما جدّ في أمرها .
– الحقّ معك يا أمي ، كنت أظن أن البيت في تلحوم قصر وإذا هو كوخ ، وأن الشابّ ابن أجير معلمي ظريف وإذا به مثل القرد ، والامرأة التي معه خبيثة شرسة ، وأظنها ابنته أكرهها من كل قلبي ، ضربتني بنت الكلب وعيرتني ، والله لو لم تكن في تلك الحالة لأخذتها بشعرها ومرغت فمها بالتراب ، لكسرت رأسها والله .
– وهل قرب يوم ولادتها ؟
– لا أدري ، ولكني سمعته يقول لها : إن هذا شهرها ، غريبة والله أطوار هذا الرجل ؛ فقد أقام في بيته حاجزا من الخام ، فأنام أنا والامرأة في شقة منه ، وينام هو في الشقة الثانية ، وما رأيته مرة يقترب منها لا ليلا ولا نهارا ، وقد راقبته مرات في الليل وأنا أتناوم ، يظهر يا أمي أنها ابنته .
– لا فرق ابنته كانت أو امرأته ، فهو يحبها وهو غني أليس كذلك ؟
– بلى .
– إذن ينبغي أن ننقل من هذا البيت إلى حارة أخرى في قلب البلد ، فقد دبّرت الأمر وإذا سمعت كلامي وعملت بإشارتي نغتني ، ابقي اليوم عندي تساعديني في النقل ، وغدا تعودين إلى بيت معلمك .
وفي اليوم الثاني عادت هيلانة تحتفظ بوصية أمها وتحمل إلى القس جبرائيل جواب أجيره في سهل المغير ، وقد قال فيه : إنه سافر إلى حيفا وبحث هنالك عن عارف فلم يجده ولم يسمع له خَبرا .
فمزّق الكتاب وملامح الغيظ والفشل تبدو في وجهه .
– وأين كنت الليلة البارحة ؟
– نمت عند أمي .
– حسن ، ولكنني أسألك ألا تتغيبي في هذه الأيام أبدا ، لازمي معلمتك ، ولا تغيظيها بشيء ، والتي مثلها اليوم تضيق أخلاقها ، فكوني طائعة أمرها صابرة عليها ، أفهمت ؟
وأعطاها ثلاثة مجيديات .
– نعم ، أمرك سيدي .
– وسأعطيك ليرة عندما تلد معلمتك .
– كثّر الله خيرك .
وراحت الفتاة إلى شغلها ، وراح القسّ جبرائيل يداوي نفسه في الحقول ، وكان الشتاء وقتئذ قد همّ بالرحيل ، فصعد في الجبل فوق الحمامات وجلس على صخرة هنالك بدأت تنطق بجمال الربيع ، فنورت في نخاريبها بعض زهيرات أخذ القسيس واحدة منها ثم نظر إلى ، كتاب الاقتداء بالمسيح وطفق يقلبها في يده وهو يقرأ في كتابه المحبوب البحيرة وقد صفا وجهها ، وهي نائمة تحت قدميه كالطفل في رابعة النهار والنسيم يهز سريرها والحمام فوقها ينتحب وينوح ، فهتف صارخا . – يولي الشتاء والحمام لا يفتأ ينوح ، يجيء الربيع والحمام ينتحب وينوح ، تبتسم الطبيعة لهذه الأماكن المقدسة والحمام فيها ينوح ، تنيرها الشمس فتدفئها وتحييها وينيرها القمر فيخفي معاصيها والحمام لا يزال ليل نهار يبكي وينوح ، فما سرك أيها الحمام وما خبرك ؟ أفي نفسك نفس تلاميذ السيد ؟ أفي صوتك صوت المريمات ؟ أفي انتحابك تتجسد أصوات الدهور وأنين الشعوب ؟ أو هل هو نبأ من أنباء الرب القدوس تردده الأيام والأنام فيسمعناه في مهد روحياته الحمام ؟ آه ، أواه ! وإن في الإنسان مهما تقلبت أطواره ومهما تغيرت أيامه صوتا مثل صوت الحمام حيا أبديا ، آه ، أواه ! إن فيّ سرك أيها الحمام ، وفيّ خبرك ، ولو تممت غدا أشرف مقاصدي وأسماها ، لو تكلل غدا مسعاي في سبيل الفتاة مريم لكان الغد أسعد أيامي ، ولسمعت مع ذلك نوح الحمام ؛ نوح الحمام في الجليل ونوح الحمام في نفسي ، آه ، أواه ! ارحمني يا رب حسب رحمتك ، حسب كثرة رأفتك امح معاصيّ ، اغسلني كثيرا من إثمي ، ومن خطيتي طهرني ؛ لأني عارف بمعاصيّ ، وخطيتي أمامي دائما
وبينا هو عائد إلى البيت زالت سكرته الروحية وأحس بنار الجسد تتأجج في صدره ، فأخفى دخانها نور بره وتقواه وأسمعه اضطرابه صوتا يقول : قسمت يمينا أن أرعى هذه الفتاة وأصونها من تصاريف الزمان ، وحين أراها تهتز لها جوارحي كلها ، يبتسم لها فؤادي ، أحبها وأكرهها ، أودّها بعيدة مني قريبة ، لحظاتها ذبحت نذري ، سكوتها هدم مذبحي ، تأوهاتها فرطت مسبحتي ، كلماتها محت اسم الله من كتاب صلاتي ، آه أواه ! إيلياس البلان ! إيلياس البلان ! أين أنت ؟ عارف ، عارف ! أين أنت ؟ لو علمت اليوم أن أباها في الهند لذهبت بها إليه ، ولو علمت اليوم أن عارفا في أميركا لسافرت وإياها إلى أميركا ، ولكنّ الله وقد أخفى عني وعنها الاثنين يريد أن أحمل الحمل وحدي ، لتكمل مشيئتك يا رب ، لتكمل مشيئتك ، ولكنّ القسّ جبرائيل عبدك إنما هو بشر يا ربي ، ومنذ أخذ يد مريم بيده يوم ماتت أمها سارة ما زالت أمواج الحب والعفة تتلاطم حول نفسه .
قد سررت بالحق في الباطن ففي السريرة تعرفني حكمة ، طهرني بالزوفا فأطهر ، اغسلني فأبيضّ أكثر من الثلج ، أسمعني سرورا وفرحا فتبتهج عظام سحقتها ، قلبا نقيا اخْلقْ فيّ يا الله ، وروحا مستقيما جدّدْ في داخلي ، لا تطرحني من قدّام وجهك وروحك . القدوس لا تنزعه مني .
ولم تكن مريم أقلّ غما واضطرابا من القسّ جبرائيل ، بل كانت نفسها تردد دائما صدى تأوهاته البشرية ، وهي في بلاء أشد من بلائه ؛ لأنها وحدها لا تعرف لمن تشكو مصابها ولا لمن ترفع عتابها ، الراهب وصيّها يناجي الله فيجد في يقظاته الروحية بعض التعزية ، وهي تناجي نفسها فتزداد حسرة واحتراقا ، وإن فتاة في عمرها ومزاجها لقيت باكرا أشدّ المحن وأخبثها ولم تستيقظ الروح فيها لجديرة بعطف غير عطف الناسك ، وبحب بشريّ لا تشوبه إلهيات البررة الزاهدين ، وأما القس جبرائيل فكان يمازج عطفه وحنانه وإرشاده شيء بلبل بال مريم وزاد بحيرتها وعذابها ، فلم تدرك سرّ اضطرابه ولم تحسن فهم إرشاده وعتابه ، ولما ألبسها الذخيرة التي أعطته إياها سارة لم يقل لها : إن تلك الذخيرة من أمها ، فظنت الفتاة أنها منه وفرحت لذلك ، إلا أن إقامتها وإياه في ذاك البيت تحت سقف واحد وليس بينهما غير حاجز من الخام أزعجها جدا وكاد يهدّ قواها ، وفوق ذلك لم يكن يأذن لها أن تحدث أحدا من الناس أو أن تخرج وحدها إلى النزهة ، فسئمت مريم الحياة وضاقت صدرا ، ولم تكن تجسر أن تحدّث القسّ جبرائيل بما يكنّ فؤادها ، ولكن ما بدا في شحوب وجهها وفي ذبول عينيها وفي ضعفها وسقمها وأخلاقها كان ينطق بأفصح بيان بما في أعماق قلبها الكسير ،
فيسمعه القسّ جبرائيل ساكتا صابرا ، ويلجأ إلى الله ؛ صونا لنفسه لا صونا لنفسها ، وتخفيفا لآلامه لا تخفيفا لآلامها . وعلى هذه الحال قضت وإياه شهري حبلها الأخيرين ، وفي ذات يوم عند غروب الشمس بينا كان يصلي على شاطئ البحيرة جاءت هيلانة إليه تقول : معلمتي متألمة جدا ، فبعثها إلى البلد تستدعي قابلة : أسرعي ، خذي العربة عند الحمامات ، وارجعي وإياها حالا .
فامتثلت هيلانة أمره ، ولمّا وصلت إلى طبريا ذهبت توا إلى أمها .
– الليلة ، الليلة .
– طيب ، وهل استدعيتم القابلة .
– أنا ذاهبة الآن إليها .
– حسن ، عند القبور بعد ساعة أو ساعتين ولا تنسي ما قلت لك ، تشجعي وتيقظي وكوني رشقة وشاطرة .
وفي تلك الليلة ولدت مريم بعد طويل العذاب وشديد الألم طفلا ذكرا ، وكان القس جبرائيل ينتظر على شاطئ البحيرة خلاصها ، فجاءت هيلانة تبشره بذلك ، ثم سارعت إلى جهة القبور فكلّمت شخصا واقفا هناك تقول : بعد ساعتين ، أجيئك بعد ساعتين . وفي الساعة الثانية بعد نصف الليل ، وقد كانت القابلة أنجزت عملها ونامت ، وكانت مريم والطفل والقسيس نياما كذلك ، نهضت هيلانة تتسلل إلى فراش القابلة فأخذت الطفل من جانبها فاستفاق باكيا ، فاستفاقت لبكائه القابلة ، فتظاهرت هيلانة بأنها تربته وتطايبه لينام ، ثم عادت إلى فراشها تترقب الفرصة ، ونهضت بعد نصف ساعة فحملت الطفل النائم وأسرعت به إلى الشخص الذي كان ينتظرها عند القبور ، وعادت إلى فراشها فنامت ناعمة البال نومة البررة الأطهار .
ونهض القس جبرائيل باكرا صباح ذاك اليوم فدخل على مريم ليهنئها ويشاهد ولدها ، وكانت النساء الثلاث لم يزلن نائمات فأيقظ القابلة وسألها عن الطفل ، فنظرت حولها يمينا ويسارا ثم نهضت تصفق كفا على كف وتصيح ، فأسكتها القسيس وأيقظال خادمة هيلانة وما كاد يتم سؤاله حتى أخذت تبكي وتقسم بالله وبالأنبياء ، فاستدعا الاثنتين إلى الخارج ؛ خوف أن يوقظ لغطهما مريم فتَعلم بالحادثة فيجهز عليها .
– لما عدت أنا إلى البيت يا هيلانة كان الباب مفتوحا وكنت خارجا .
– نعم سيدي .
– وهل أقفلت الباب عند رجوعك ؟
– لا ، تركته مفتوحا حسب العادة ، والله يبليني ويضربني بالسبعض ربات إذا كنت… فأومأ بيده أن اسكتي ، وأوعز إليها وإلى القابلة أن يقولا لمريم : إن ولدها عند المرضعة في البلد ترضعه إلى أن تتعافى .
وراح يسرع إلى الحمامات مشتت الفكر مضطرب البال .