جلست غصن البان إلى المائدة تتناول الفطور وبيدها بضعة تحارير جاءتها صباح ذاك اليوم في البريد ، ففتحت الأول فإذا هو من سر همت باشا يسألها مرافقته إلى المتحف المصري ، وفتحت الثاني فإذا هو من أحد الشبان المتيمين فمزقته باسمة ، والثالث من فرّاش في الموسكي يلحّ عليها في تسديد حسابه فمزقته واجمة ، والرابع من أحد تجار العاديات يتوعدها بالشكوى إن لم تدفع ما عليها فمزقته حانقة ، والخامس مزقته ، والسادس كذلك ، والأخير وقد أدركت فحواه من العنوان لم تتنازل أن تفضه ، وضربت المائدة وهي تقول : لينتظروا مثلما أنتظر ، وكيف لي بدفع ما عليّ والكازينو لا تدفع ما لي ؟ يا مرجانة ! يا مرجانة !
– نعم يا ستي .
– ألم تسمعي الجرس ، من ذا المبكر يا ترى ؟
فراحت الخادمة تفتح الباب وعادت تقول : الصائغ ستي يطلب مقابلتك .
– ليجيء بعد الغد ، بعد الظهر لا صباحا .
فراحت مرجانة وعادت تقف أمام سيدتها خجلة مضطربة .
– ما بالك ؟
– هو في الباب يقول : إمّا أن تعيدي الخواتم وإمّا أن تدفعي ثمنها الآن .
فنهضت غصن البان تحتدم غيظا ودخلت إلى غرفتها وعادت بعلبتين صغيرتين دفعتهما إلى الخادمة لتسلمهما إلى الصائغ .
– قولي له … وسكتت تحارب غيظها ثم قالت : معلمتي تسلم عليك وتعتذر إليك .
وما كادت تنتهي من فطورها حتى قرع الجرس ثانية ففتحت مرجانة الباب ، وإذا براهب يسأل عن غصن البان .
– وما اسم سيادتكم ؟
– قولي لها : إن راهبا من بلادها يروم مقابلتها .
فجاءت مرجانة تخبر سيدتها فقالت غصن البان كأنها تخاطب نفسها : راهب ؟ راهب من بلادي ؟ قد هربت من الرهبان ، ولا شك أن ذاك الراهب الذي يندد بي وبرقصي ، لا ، لا ،
ثم خاطبت الخادمة : قولي له : إنني لم أزل نائمة .
فعاد الراهب في اليوم الثاني فقالت له الخادمة بعد أن قابلت سيدتها : الست مشغولة الآن ولا يمكنها أن تقابلكم .
فلم يحفل بذا التمنع والاستكبار وراح ثالثة يطرق باب غصن البان في شارع قصر النيل ، فكان الجواب فصل الخطاب .
– لا رغبة للست بمقابلة سيادتكم .
– لا بأس ، لا بأس .
وانثنى القس بولس عمون راجعا إلى مدرسته كاظما غيظه لائما نفسه على ذا الاهتمام لراقصة غرة ضالة .
وفي ذاك الصباح بين كانت غصن البان تفض تحاريرها وتمزقها كان عاطف بك والحاج محيي الدين في إدارة الكازينو يتحدثان بشأنها .
– أوأنت آذنتها أن تبتاع ما تريد باسم الكازينو ، تفضل ،
ودفع عاطف بك إلى شريكه ثلاث قوائم من بعض التجار في الموسكي .
– لا بأس ، لا بأس ، ولا بدّ من وضع حد لذلك ، ادفع هذا المبلغ من أجرتها واكتب إلى هؤلاء التجار أننا غير مسئولين من الآن فصاعدا عمّا تبتاعه غصن البان .
– بل أرى من الواجب أن نعلن ذلك في الجرائد ، وإلا فتصبح غدا شريكتنا ، وقد قلت لك : إن الإقبال على الكازينو هذه السنة لا يكون كالسنة الماضية ، فقد أخطأنا في اتكالنا عليها وحدها ، أخطأنا ، فالناس يملّون كلّ شيء .
– لا بأس ، لا بأس ، في الشهر القادم نغير اللائحة .
– من رأيي أن نبتدئ منذ الغد ، في البلد جوقة من الرواقص الإفرنسيات .
– ولكن وثيقتنا وغصن البان لا ينقضي أجلها حتى آخر الشهر القادم ، دعها الآن ، ولا تفاتحها بالأمر .
وركب الحاج محيي الدين عربة يقصد إدارة إحدى الجرائد ، فأبصر وهو مار بالأزبكية الشاعر مصباحا جالسا في السبل نددبار وحده يشرب الوسكي والسودا ، فأوقف العربة وصرف الحوذيّ وجاء يسلّم عليه : يا مصباح أفنْدي .
– والسلام عليكم ، تفضل .
– ما لي أراك على شيء من الكدر ؟
– وهل يصفى الزمان لابن أنثى يا محيي الدين ؟
– وهل يرضى الشاعر بالشمس والقمر لو سخرا له يا ترى ؟ سبحانك اللهم ! أنت الوحيد يا رجل المقرب من غصن البان الممتع بجمالها وحبها ، المقيم بنعيم …
– حسبك ، حسبك ،
ونادى مصباح أفنْدي الخادم ، فطلب الحاج محيي الدين فنجان قهوة .
– وماذا دهاك قل لي ، كنت أظن أن الشاعر حليف النصر دائما في الهوى .
– الشاعر يا محيي الدين يحب حبا وثيق العرى قصير المدى ، يحب مرة كالفارض ويعشق دائما كالبهاء زهير ، يفرغ نفسه في يوم واحد ويعيش مداعيا مموها حزينا بقية أيام حياته .
– وهل نبذت غصن البان يا ترى ؟
– بل نبذتني ، لقد ذاقت قبلي السمّ في الثمالة فكسرت الكأس .
– وكسرت قلبها انتقاما ، اتقوا الله أيها الشعراء !
– والله لقد كسرت الكأس وكسرت نفسي ، حبها نار يا محيي الدين وحب الشاعر نور .
– ولكن في غصن البان غير جمالها الظاهر ما يحبب مثلك إليها . إن مواهب نفسها لمما يعجب به أولو الألباب والنُهى ، ولو أطلعتك على شيء من أمر نشأتها لازداد إعجابك بها وحبك لها ، هي نابغة مثلك والله ، آية من آيات الدهر .
وجعل يقص عليه ما قصه على القس بولس عمون ، فرفع مصباح رأسه مصغيا وأبرقت أسارير وجهه ، فاستمر الحاج في الإغراء طيّ التلبيس والإعجاب .
– وقد اتهمت المسكينة بجريمة ارتكبت بسببها في بيت أسيادها في الناصرة ، وسجنت خمسة أشهر ، قصتها والله عجيبة ! وفرّت هاربة إلى طبريا مع راهب يقال : إنه أبوها ، ووضعت هناك ولدا .
فحملق مصباح عينيه مدهوشا ، أصحيح ما تقول ؟
– لقد ساقتني التقادير إلى الناصرة في سياحتي الصيف الماضي ، والناس هنالك صغيرهم وكبيرهم يعرفون قصتها ، والله أحزنني أمرها .
ونظر إذ ذاك إلى مصباح أفنْدي يستطلع ما كمن وظهر فيه من مفعول ذا الخبر ، ثم قال وهو راض بما كان : وأظن أن أباها في القاهرة ، أي والله ، قد يكون ذاك القسيس الذي يندد بها وبرقصها .
– هذا من أعجب ما سمعت حياتي ، وهل أخبرت غصن البان ؟
– لم أخبر أحدا غيرك ، الأماجد يا مصباح أفنْدي يسترون العيوب ، ولولا ثقتي بك ما أطلعتك على ما أظنك تسرّه ولا تذيعه ، ولكن غصن البان أصبحت الآن سيدة نفسها وسيدة الفن ، وقد لا يهمها من ماضيها شيء ، سبحانه تعالى يمنح آلاءه من يشاء ويحرمها من يشاء .
فنهض مصباح أفنْدي على الفور كأن جاءه الوحي وودع محيي الدين معتذرا ، وراح مسرعا إلى غرفته يدون الآيات . والحاج يضحك في نفسه ويقول : ما أغرب أطوار هؤلاء الشعراء ، قد يذبح الشاعر مصباح الراقصة غصن البان هذه الليلة ، ويرثيها غدا ، سبحان الله ، سبحان الله .
وفي اليوم التالي نشرت إدارة الكازينو إعلاما في الجرائد مؤداه أنها غير مسئولة عن ديون غصن البان السابقة والحاضرة والمستقبلة ، فازداد قلق التجار وحاموا حول الراقصة ملحّين ملجين مصرّين متوعدين ، غدا وبعد غد وبعد بعد غد كلمات لا تسحرالتجار ، فأصدرت الدعاوى ، وأصدرت المحاكم أحكامها ، وبوشر كلّ في برهة شهر واحد تغيّب فيه الحاج محيي الدين عن مصر عمدا .
ووقف الدلّال في البيت الذي أدبت فيهالمآدب الفخيمة ، وتاهت فيه غصن البان بضعة أشهر عزا ومجدا ، يبيع بالمزاد ما فيه من الرياش والتحف والأعلاق والآثار ، وكانت الجرائد أثناء ذلك تنشر المقالة تلو المقالة في إفلاس غصن البان وسقوطها ، معددة دائنيها وعشاقها ، واصفة تلك المآدب الفخمة التي كانت تأدبها لأصحابها ومريديها ، مرددة أقوال الحكماء في القصف والإفراط مذكرة ، منذرة .
فطالعت غصن البان بعضها ولم تبالي ، ولكنّ مقالة واحدة أثارت كل ما في نفسها من كوامن الغيظ والأسى ؛ علمت من لهجتها وأسلوبها أنها من قلم الشاعر مصباح أفنْدي ، مقالة عنوانها مريم الناصرية قصّ فيها الكاتب قصّة غصن البان من حين دخولها بيت مبارك خادمة حتى دخولها الكازينو راقصة ، فجاء على ذكر هربها من الدير ، وهربها وأحد الرهبان من الناصرة ، وهربها من طبريا ،
ولم يكتف الكاتب بذلك بل قال : إنها هي التي ارتكبت الجريمة في الناصرة وسجنت هناك وخلصها معلمها أحد أعضاء المحكمة، وإنها ابنة راهب من رهبان دير النجاة ، وإنها ولدت في طبريا ولدا رماه أبوها في البحيرة ، وغير ذلك من الحوادث التي تفسد حقيقتها الإشاعات وتجسمها الغايات والأحقاد .
أحدثت المقالة هذه ضجة في القاهرة وتناقلتها بعض الجرائد في مصر وسوريا وفلسطين ، وأمست غصن البان في عارها وبلائها كما كانت في عزها ومجدها حديث المجالس والقهاوي والحانات ، وما كاد ينقضي ذاك الشهر الأسود حتى جاءها كتاب من الحاج محيي الدين ، كلل به مساعيه الحسنة ومكارمه فكان الضربة القاضية عليها ، والكتاب فريد في بابه فلا نضن به على القارئ الكريم :
إلى العزيزة المحترمة السيدة غصن البان أطالللهبقاء ها نهديك أطيب التحية والسلام ، ونأسف جدا لما دهاك من الدواهي ، وولله وددنا لو أنها حلّت بنا لا بك ، ونسأله تعالى أن يحسن سلواك ويزيل همومك ، ولقد غمنا جدا تغيبنا الشهر الماضي عن القاهرة ، فقد كنا بذلنا في سبيلك النفس والنفيسولله !
ولكنّا لا نظن أن أمر التجار يهمك ، ولا يهمنا ، المال يفدى بالمال ، ونحن لم نزل كما كنا من محبيك وأنصارك ومريديك وما تحتاجينه من المال موقوف لك ، ولكن ما نشرته الجرائد غمّنا جدا جدا ، ونظن أن الجريدة التي نشرت تلك المقالة وفيها من المطاعن بعرضك ما يزعزع الجبال هي مسئولة تجاه القانون ، فإذا أحببت أن ترفعي الدعوى عليها فمحامي الكازينو تحت أمرك ، يشهد الله والنبيّ على ما نقول ، لقد غمتنا تلك المطاعن جدا جدا ،
سوّدت يومنا أدمت فؤادنا . أما الوثيقة بيننا وبينك فبما أننا متعاهدون سابقا وجوقة من الرواقص الإفرنسيات يرقصن هذا الشهر عندنا ، ووجودك معهنّ يضربهنّ بل يكسفهن تماما ، فلا نرى الآن إلى تجديدها سبيلا .
أطيب التحيات أيتها العزيزة غصن البان .
من محبك الحاج محيي الدين
كتب هذا الكتاب بخطّه وأعاد قراءته مرتين مستحسنا معجبا وبعث به إلى المحترمة غصن البان ، وهو يقهقه ضاحكا ، وطفق يتمشى ذهابا وإيابا ويعد سبحته ، ويقول : أخطأت يا شيخي يا فارض أخطأت ، المرء يقتل من يحبّ ويعشق ، أي والله يقتل من يحب ويعشق ، ولكن الأوغاد يقتلون من يحبون بالخناجر ، والجبناء بالسم ، والمجانين بالمسدس ، أما الأماجد فبالمكارم والنعم يقتلون من يحبون ، نعم نعم ، لو سقطت يا غصن البان من مسرح الكازينو ما ضرك ذلك ، ولكن سقوطك من قمة الهرم الكبير ؛ من ذروة الشهرة والعز والمجد ! الله ، الله !