الفصل 23

12 0 00

على شاطئ البحيرة عند تلحوم امرأة تناهز الأربعين من العمر تحدّث أحد النوتيين ، وولد صغير صبوح الوجه ، أشقر الشعر ، حادّ النظرات ، أنيق الثياب لا يتجاوز الرابعة من سنه يلعب على الرمل ويراقب القوارب القادمة من طبريا وسمخ .

– يا لطيفة ، يا لطيفة ، زات السخت ولا .

فأدارت الامرأة وجهها وإذا بالصبي قريب من الماء ، فصاحت به مذعورة : فريد ، فريد ! يا ربي ، يا مريم العذرا !

وركضت إليه تجذبه بيده وتضربه عليها .

– قلت لك ألف مرة لا تقترب من الموج ، قم نرجع إلى البيت ، ما جاء أحد اليوم .

فصرخ فريد متأوها وجلس على الرمل يقبض على رجله بيده كأنها حرقت أو جرحت .

– عرفت حيلتك ، قم يا حبيبي ، قم اركب على ظهري .

– فركب فريد ضاحكا متثبتا ،

وعادت به إلى البيت ؛ بيت القس جبرائيل في السهل وهي تغني له : والدوم ويلي عالدوم راحت يا حرام الشوم راحت لكن راح ترجع راح ترجع صباح اليوم .

ولكنها لم تعد لا صباح ذاك اليوم ولا صباح تواليه ، فملّت لطيفة الانتظار ؛ وإشفاقا على فريد من الخطر في لعبه قرب الماء لم تجئ به بعدئذ إلى شاطئ البحيرة .

– اليوم نطلع إلى الربوة ونأخذ العنزة معنا .

– والسلة للهند با أنا أهملها .

– طيب احمل السلة واركب على ظهري .

– أتعب عاضهرك ، مباره وزعتيني ، سديتي بيدي كتيل .

– مليح ، اركب على كتفي ، على رقبتي ، الله يجيرني منك !

– أمسي يا لطيفة ، بكله أغني عاقبرك .

– واليوم غن لي عالدوم ، غن .

فجعل فريد يردد بلثغة الأطفال الجميلة : عالدوم ويلي على الدوم لاهت يا هلام السوملاهت لكن لاه تلزع لاه تلزع صباه اليوم .

– يسلم فمك ، ومن يرجع يا حبيبي ؟

– الماما .

– وأين هي الماما ؟

– الماما بمصل .

– وأنت مشتاق إليها ؟

– كتيل ، كتيل .

– ولما تجيء ماذا تقول لها ؟

- قلا : يا ماما العنب استوى وبطلع معا علكلم وبقطفلا العنقود .

- الصليب حولك ، الصليب حولك .

– غنّي أنت ، غنّي : وطلعت عالاس الزبل .

وجعلت لطيفة تغني له الأغاني والأهازيج وهي في الحقل تملأ سلتها من الهندباء وهو يختار من عسيب العفص أطرى الأغصان ويلقمها العنزة .

وفي ذات يوم بينا كان عائدا إلى البيت راكبا على عنق لطيفة يهزّ رجليه ويغني رأى قاربا في البحيرة بعيدا فهتف قائلا : سختولا ، سختولا ، زات الماما ، زات عالدوم الماما . أي كفر ناحوم ، فلهوم

وظل يلحّ ويبكي حتى جاءت به لطيفة ذاك اليوم إلى البحيرة ولبثت تنتظر قدوم القوارب من طبريا ، فجلست وإياه على الشاطئ تجمع له الأصداف

تعلله بها ، ولما وصل أحد القوارب ونزل منه بعض الإفرنج المقيمين في دير بتلك النواحي طفق فريد يبكي ، ورمى في البحيرة غيظا كلّ ما جمعته لطيفة من الصدف .

– لا تحرد يا حبيبي ، لا تبك ، غدا تجيء الماما ، قم نرجع اليوم إلى البيت .

وما كادت تجتاز وإياه الشاطئ حتى سمعت صوتا يناديها : يا لطيفة يا لطيفة !

فتلفتت ملبية كأنها عرفت صاحب الصوت ، وإذا بقارب آخر يقلّ امرأة وراهبين وبضعة صناديق من الأمتعة ، فعادت تركض والصغير على ظهرها يحثّها من شدة الفرح برجليه ، ويصيح : الماما ، الماما .

ولقد أعدّ القس جبرائيل مريم لهذه الدهشة المفرحة العظيمة قبل السفر من مصر ، فقصّ عليها قصة الطفل منذ سرق تلك الليلة إلى يوم استرجاعه من الشقية أم هيلانة وإلقائها في السجن ،

ولولا ولدها ما عادت مريم وإياه إلى فلسطين .

ولما اقترب القارب من الشاطئ قال القس جبرائيل يخاطب مريم : البحيرة الت يمشى عليها السيد المسيح إنما هي أم العجائب ، سلبتك ابنك طفلا رضيعا فأعادته إليك صبيا بهيجا ، ها هو فريد ابن البحيرة تحمله رفيقتك القديمة لطيفة ، اسمعيه يناديك .

وكان فريد على الشاطئ يرقص ويشير بيديه مناديا الماما ،

فلما وطأت أمه الثرى ركض إليها باسطا ذراعيه فتعلّق بعنقها يقبلها ويقول : أين كنت يا ماما ؟

وهي تقبّله وتبكي ، جلست على الرمل وأجلسته في حجرها تحدجه بنظرها منصتة إلى كلماته وسؤالاته لا تدري ما تقول ، فأصابها من شدة التهيج والبكاء نوبة سعال دامت بضع دقائق ، فأخذ القس جبرائيل الصبيّ وأسعف القس بولس ابنته وسار الجميع توا إلى البيت .

وفي تلك الليلة نامت مريم تضم ابنها إلى صدرها وهي تحس بلذة جديدة بهيجة عجيبة ، أسكنت جوارحها وضمّدت جراح قلبها .

وفي الصباح باكرا نهض فريد يوقظ أمه ويقول : ماما ، استوى العنب ، اطلعي أقطفلك العنقود .

فنهضت تداعبه وتلاعبه وتضمّه إلى صدرها وتقبّله ، وجاءت به إلى فناء البيت تحمله على ذراعها فأحسّت من نفسها وهنا .

– لا أستطيع أن أحملك يا حبيبي .

– أنا أمسي علكلم .

– سنطلع إلى الكرم يا عمري ، تعال قبلني .

فركض فريد إليها يعانقها ثم قبلها في فمها ، فأبعدته تقول : لا ، لا ، قبلني هنا

(مشيرة إلى خدها) وهنا (مشيرة إلى عنقها) . ثم أبعدته منها قيد ذراع وهي تنظر إليه بعين كئيبة حزينة ترقرق الدمع فيها .

ودخلت إذ ذاك لطيفة تحمل طبقا من القش عليه الخبز والجبن والزيتون والعسل والقريش ومقلاة فيها بيضات مقلية وسفّود من الشواء فألقت الطبق على طاولة قرب الديوان وهي تخاطب مريم : لا تؤاخذيني إذا ناديتك حسب العادة القديمة باسمك ، لقد سمعت بما كنت فيه من العز بمصر وفرحت كثيرا ، ولكنك دائما تلك المريم عندي سبحان من يغير ولا يتغير ، أنسيت لطيفة العشية التي كانت تلعب وإياك البوكر ، أتذكرين تلك الليالي والفولات ، والأزهار التي حرقتها ، وال …

فقاطعتها مريم تقول : لا تذكريني بتلك الأيام يا لطيفة !

– وما بالك تبكين يا بنتي ، أنت أعز من بنتي ، أتبكين فرحا للقاء فريد ، يحق لك ، لولاي …

– علمت بفضلك يا لطيفة ، وأنا شاكرة لك ممتنة .

– وإذا غبت يوما واحدا عن فريد يضيع عقلي .

وأخذت الصغير من ذراعيها وطفقت تقبله وتردد النكات التي يسرّ بها ، غنّ للماما يا حبيبي غنّ لها : وطلعت عاراس الجبل .

فوقف فريد قدّام أمه وهو يجول بنظره فرحا بينها وبين الطابخة ويشير بيديه وبرأسه إشارات لطيفة فتّانة .

=- وطلعت عالاس الزبل أسلف على البهلا وسمعت الهمام ينوه ينوه على البهلا قلت لو يا همام صلي صلاتك ونام …صلي صلاتك ونام …

– كمل كمل ، أنسيتها ؟ راحت …

– بلى ، بلى ، اسكتي . قلت لو يا همام صلي صلاتك ونام لاهت أمك تسوه الله يعطيك غيلا .

ونظر إلى أمه فرآها تضحك وتمسح بالمنديل عينيها ، ثم ركضت إليه فجثت أمامه وطوقته بذراعيها تقبله هاتفة .

– ولدي ، حبيبي ، حياتي ، مهجتي ، نور عيني .

ثم تبعده عنها قليلا فتحدق فيه كأنها تنظر إلى شيء عزيز توارى عنها ، ثم تضمه إليها مسرعة متلهفة كأنها تحميه من حيوان يحاول افتراسه .

– ماما ، قومي نطلع علكلم .

فأخذته لطيفة وأجلسته على الكرسي قائلة : بعد الفطور يا حبيبي ، تقدمي يا بنتي قبل أن يبرد اللحم والبيضات .

فجلست مريم إلى المائدة تلقم ابنها وتحاول إشحاذ شهيتها بشيء من عسل بلادها وقريشه ، ولم تأكل إلا قليلا . ثم نهضت مستسلمة إلى فريد وقد خرج من البيت يجر لطيفة بذيلها .

فحملته على ظهرها ومشت قدام مريم إلى الكرم ، فاعترتها في الطريق نوبة سعال شديدة ورّدت منها الوجنتين وأخفت هنيهة حدقة عينها .

وبينا هي وولدها ولطيفة في الكرم كان القس جبرائيل والقس بولس يتحدثان بشأنها .

– لا يجوز أن تقيم هنا .

– سننقلها إلى لبنان بعد أن يتم ما حدثتك به وعليك أن تساعدني ، فإن في الزواج خلاصها وسعادتها .

– وهل ابن أخيك راغب ؟

– بل مصرّ وملح في ذلك ، وقد أنبأته برجوعنا وسيجيء من حيفا اليوم أو غدا .

– وإذا كانت لا تريد ما نريده لها .

– لا أشك في أنها ترضى بما فيه خيرها ، وفي كلّ حال كنت ناصحا لها مرشدا مثلي ، حبّبْ إليها الزواج ، فإنه نافع لها ولابنها ولوالده ، بل لازم متحتم ، هو الحق الذي ليس غير الخير فيه ، زواجها بابن أخي عارف يرفع عن الولد ذنبا ليس ذنبه ؛ يزيل من حياته ظلمات الغش ولطخة العار ، وعارف في هذا العمل يكفر عن إثمه ، ومريم تصادف فيه ولا شك زوجا فاضلا محبا كريما عطوفا حنونا ،

لقد هذبه الدهر وعلمته تجارب الأيام ، لقد أصلح الشابّ شأنه .

– ولكن مريم …

– هب أني مخطئ في ظني فلست متحولا عن عزمي ، زواجهما لازم ضروريّ ، متحتم عليهما ، ينبغي أن يكون للولد أب معروف فلا يلعنه في مستقبل حياته ، ينبغي أن يتزوج عارف بمريم ليغفر الله ذنبه ، ولا يهمني عاشت وإياه بعدئذ أم لم تعش ، الحق يا قس بولس ؛ حق الله يعلو ولا يُعْلى عليه ، والعدل قبل السعادة ، العدل فوق السعادة …

جلست مريم تحت الدالية تنظر إلى السهل المنبسط أمامها وإلى البحيرة الزرقاء الراكدة ، وقد ظللتها شمس الصباح بظلال الجبال القائمة حولها شرقا وغربا ،

لقد لقيت أباها ، ولقيت ابنها ، ولم تكن تتوقع بعد هاته الدهشات المحزنة المبهجة دهشة أخرى ، لم تكن تحلم بما يضمره لها القسّ جبرائيل وبما تكشفه لها مخبآت الزمان .

– وماذا يهمني أبي ؟ إذا جهرت به إذا ادعيته أفضحه ، فينبغي أن أنساه . أما القس جبرائيل فقد صنع صنعا جميلا ليس في إمكان بشر أن يكافئه عليه ، صحيح ، صحيح ، ولكني مع ذلك أكرهه ، خدعني مرتين ، عذبني ليخلصني مما يظنه إثما فرماني بما هو أشد عذابا وويلا . ومرضي من يخلصني منه ؟ جاء بي إلى هذه الديار القاصية ، إلى هذا الغور المهلك ليجمعني بابني ، وكان في إمكانه أن يستصحبه إلى مصر ، إن في كلّ ما يصنعه شيئا غامضا خفيا ، سريا يدل على حب الذات والكبرياء والاعتداد بالنفس ، يكسر قلوب الناس ليقيم رأيه ، يزدري أشياء الغير ليعزز أشياءه ، يجر على الناس الويل والبلاء وباسم الله ، فينبغي أن أنساه أيضا ،

سأشكره في الآخرة يوم أقف الحق السماوي باسم أمام الرب إلهي . آه ما أمرّ الحياة !

لقيت ولدي فلذة كبدي ولا أستطيع أن أفرح بلقائه ، لقيت والدي وكأنني لقيت عدوّي ، ألم يكن عدوّ أمي ؟ أكنت شقيت يا ترى لولاه ؟ أكنت لقيت من الحياة أمرّها لو أنه أحبّ أمي وأكرمها فاحتضنتني ورعتني بالتربية ، قذف بي إلى هذا العالم وفرّ هاربا ، جبان رعديد ! لئيم أثيم ! يستحق الذبح . وأين أبوك أنت يا مهجتي ، يا حياتي ! أتجتمع به يا ترى بعد موتي كما اجتمعت أمك بك فازدادت حزنا وغما ؟

معلّمي عارف أفنْدي ! ابن الأكابر ! الأديب السري ! ويل الشبان أمثالك ! ولكني أحببته فجنى عليّ ،

أحببته حبا ضحك منّي عليه ، كنت ساذجة في تلك الأيام ، وخطيئتي الكبرى أنني إذا أحببت أحبّ حبا لا يدرك حدودا ولا يعرف خداعا ، لو علمت اليوم مقرّه لذهبت إليه وولدي بيد والخنجر باليد الأخرى ، شقيت الأم فلا يجوز أن يشقى ابنها ، لا ، وحياة الله !

بمثل هذه الأفكار كانت تزيد نفسها اضطرابا وغمها غما ، ولا ريب أن اشتداد وطأة هذا المرض عليها أظلم فؤادها وحرمها لذة العطف والحنان ، الحياة لعنة في الأرض ، أحسن ما قاله القس جبرائيل ، فالجميل في الحياة إنما هو الطعم في شبكة الصائد ، اللذات حبائل وأشراك مهلكة ، والبعد عن اللذات عذاب لا يطاق ، ما العمل إذن ، ما العمل ؟ الحياة لعنة في الأرض !

ولما وصلت إلى البيت عائدة من الكرم وولدها سألها أبوها : لما أنت مضطربة كئيبة ؟

فلم تجبه ، دخلت إلى البيت ورمت بنفسها على الديوان وقد أعياها المشي ، وأظلم وجهها وقلبها ونفسها من التأملات المحزنة ، فاقترب منها القس بولس يطايبها ويطمئنها ويمسح بمنديله العرق المتصبب من جبينها .

– لا تخافي يا بنتي .

فقالت على الفور كأنها تضربه بما تقول : لست بنتك ، لو كنت أبي لما تركتني أشقى .

– أخطأت يا بنتي وندمت على خطيئتي .

– وما نفع الندم وقد جوزيت أنا على فعلتك ، عشرون سنة من البؤس والعذاب والذل تقاضاها الدهر من دمي ولحمي ونفسي وفؤادي لقاء خطيئتك ، ثمن إثمك ، ما أجمل هذا الدين دينكم ! تقترفون المآثم وتجرّون البلاء على العباد وتملأون الأرض فسادا ثم تلبسون المسح وتذرون الرماد على رء وسكم، ثم …

– مريم ، مريم ، بنتي !

ولم يستطع أن يفوه بكلمة أخرى ، خنقته العبرات ، ولكن مريم لم تحفل به : أي نعم ، تلبسون المسح وتذرون على رءوسكم الرماد ثم هللوا ، هللوا ، ادخلوا مجد ربكمآمنين . والله لأذبحنك وأذبح ابني وأذبح والده لو كان لي أن أراه ، وألبس بعد ذلك المسح وأذري على رأسي الرماد وأعيش على الخبز المبلول بالماء فأموت قديسة وأدخل مهللة مجد ربي ، إذا كانت الحياة لعنة في الأرض فمجد ربي أضحوكة ذميمة ، دعني في شقائي ، اتركني ، إليك عني .

وخرجت إلى المصطبة قدام الباب فجلست هنالك تسند رأسها بيديها وتتأمل أمرها ومصيرها .

فلحقها القس جبرائيل وأخذ يدها بيده فرفعت رأسها حانقة ناقمة ثم أحنته يائسة مستسلمة ، فقال يخاطبها : انهضي يا مريم وادخلي غرفتك تستريحين قليلا ، انهضي الله معك ،

فمشت وإياه نحو الغرفة .

– ادخلي رضي الله عنك ، نامي قليلا ، استلقي على فراشك لقد أتعبتك النزهة ، واطردي من قلبك مثل هذه الأفكار التي جرحت بها قلب والدك ، اطردي من فكرك كلّ ما يؤلمك ولا يعينك على الشفاء من مرضك ، نامي يا بنتي قليلا تستريحي .

ثم جاء يخاطب القس بولس قائلا : لا تكلمها بالأمر الذي تحدثنا به ، دعني أعالجه وأعالجها وحدي .