في الفضيحة نوع من الشهرة يلبس فريق من الناس ثوبها الأصفر على علاتها شفافا باليا ، فيبدون سوءة النفس وإن واروا سوءة الجسد ، كيف لا وهم يبذلون في إعلان أنفسهم الأموال الطائلة والفضيحة تعلنهم مجانا ؟ ففي أوروبا وأميركا إذا تناولت صحف الأخبار أسرار ممثلة فهتكتها تزداد تلك الممثلة شهرة فيروج سوقها ويتسابق المدراء إلى المتاجرة بها وبفنها ، فتنتقل من بلاد إلى أخرى ومن ملهى إلى آخر والإقبال حليفها ، والأموال بين يديها تتصرف بها كيف شاءت أميالها وأهواءها ،
أما في الشرق حيث لا تفصل بين المرء ومهنته بين آدابه وفنه ، فالخزي والفشل والعار تحيق به في الحالين .
سقطت غصن البان في القاهرة فنسي الناس رقصها ، وأفسدت طلاسم سحرها ؛ فجفاها كلّ أصحابها ما سوى سر همت باشا ، ولم يجئها كلمة تعزية أو تشجيع من أحد سوى ذاك الكتاب من الحاج محيي الدين فودت غصن البان أن تغمسه بالسم وتلقمه إياه .
وحيدة ، طريدة ، منبوذة ، فماذا عساها تصنع ؟ إلى أين تذهب ؟ كيف تتجه الآن بآمالها ؟ فكّرت في أمرها ثم فكّرت وهي تظهر في أشد شداتها هذه من الضعف قوة ، فوطّنت النفس على أن تقيم في القاهرة ريثما تسكن العواصف وتهدأ الرياح ، ونقلت من قلب البلد إلى إحدى زواياها المظلمة ؛
هربا من الشماتة ، بل هربا ممن يعرفونها ولا يحفلون بها ، فهي تطيق عذاب الوحدة والخمول ولا تطيق ظلم الشهرة والخذل . ولكنّ اثنين بحثا عنها ؛ القس بولس عمون وسر همت باشا واهتديا إلى منزلها في مصر العتيقة .
وسر همت سعى إليها ذات يوم يعزيها ويطيب نفسها ويعرض عليها المال ، ويرجوها أن تقتبل ضيافته إلى أن تفرج كربتها وييسر الله أمرها .
– البيت في الجزيرة مفروش مهجور تقيمين فيه وخدمك .
– لا وحياتك لا ، أرجوك ألا تحدثني بالبيوت ، اعذرني يا صديقي ، اعفني ، صرت أخشى المعروف كما أخشى الأفاعي ، صرت أخشى المكارم كما أخشى الوحوش الضارية .
– غصن البان !
– أرقصلك يا سر همت وأبسطك ، ولكني لست آلة طرب تتناولها الناس فيضربون عليها ويعبثون بها ويسكرون على أنغامها ، لا لا ، لست كمنجة تؤجر أو تعار أو تشترى ، وهب أني آلة طرب يا سر همت يا صديقي فقد تقطعت أوتاري ، تقطعت كلها .
– ما أنصفت والله ما أنصفت ، أسأت فهمي ، أهنتني ، أسألتك يا غصن البان شيئا من أشياء الحب مرة ؟ وهل كنت ممن يحومون حولك ابتغاء هبة من هبات جسدك ؟
– لذلك أخشاك .
– أنا صديقك ، وقد قلت مرارا : إنك لا تحبينني ، ولكني ما من مرة شككت في أنك تعتبريني وتكرميني كما أعتبرك وأكرمك ، أجلّ يا أختي مواهبك ، وأريد أن أعزز فنك ، فنّك يكبر على ذي البلاد ، مستقبلك يا غصن البان في أوروبا ؛ في باريس في لندرا في في انافي برلين ، ولقد فكرت في أمرك كثيرا ، اسمعي ، لا تنظري إليّ عاشقا أو صديقا أو محبا أو وليا ، أكلمك الآن كما يكلمك مدير من مدراء التياترات ، تعلمين أن أصحابي ومعارفي في لندرا كثيرون ، وبينهم ذوو النفوذ في عالم التمثيل هنالك ، سأسافر هذا الصيف إلى لندرا وأنوّه بك هناك ، أطبل وأزمر لك ، أنت الآن راقصة شرقية شهيرة ، ظهرت في مصر وفزت فيها فوزا مبينا رغم أنوف البغاة والسعاة والحساد ، سأخابر أحد المدراء بشأنك هناك ، فتظهرين إن شاء الله في لندرا كالشهيرات من الرواقص لا كالمبتدئات وإني واثق بفوزي ، دعيني أسعى من أجلك .
– لا ، لا ، لا أريد أن يسعى أحد من أجْلي ، سأسعى لنفسي .
– إن ثقتك هذه بنفسك لجميلة ، وجميل إباؤك ، سأسعى إذن من أجل الفن ؛ فنك لا من أجلك ، وإن شئت أن تشاركيني في الأرباح فلا أعف عنها .
– إذا كنت ترى في رقصي ما ينبغي أن يراه الأوروبيون ، وإذا كنت تعاملني كما يعاملني وكيلي أو مديري ، وإذا كنت تقبل مني جزءا من إيرادي ، وإذا …
– وإذا ، وإذا ، وإذا ، كفاك من ذي الإذا بل الأذى فقد آذيتني جدا ، أعمل كما تشائين .
– وأنا قابلة .
– وسأسافر هذا الصيف إلى لندرا وعساني أفوز بما أبتغيه فأكتب إليك كي تسافري أو أعود بنفسي فأستصحبك ، أنا الآن وكيلك ومدبرك ، ولكن إقامتك هنا يا أختي ،