وقفت مريم في شرفة البيت بحيفا تنظر تارة إلى البحر وتارة إلى جبل الكرمل ثم تدور ببصرها وبقلبها إلى فريد الواقف قربها يسائلها عن البواخر في المرفأ ، البحر فالسفر فالحرية فالجهاد فالإقبال فالمجد ، لقد لاحت هذه الكلمات في جوانب نفسها كوميض البرق فأنارت هنيهة ظلامها واستفزت الخامد في منازعها .
ونظرت إلى الدير على قمة الجبل المقدس فأخذتها رعدة دبت إلى صدرها فأثارت كوامن غمها ، ذكرت أيامها في الدير بالناصرة فصعّدت الزفرات ، وذكرت يوم سافرت من هذا الشاطئ ومدام لامار فاعترتها هزة أيقظت فيها رواقد الرغبات والهمات .
وهبّ هواء البحر فوق البساتين يحمل إليها شذا الورد والفلّ والياسمين فأنعش فؤادها وأحيا المائت من آمالها ، فجثت أمام ولدها تضمه إلى صدرها ، وتقول : شفيت يا حياتي ، شفيت يا عمري ، وغدا نسافر ، غدا ، غدا .
وكان زوجها وهو ينتظر قدوم الطبيب جالسا على الديوان في فناء الدار منقبض النفس مستسلما إلى الأفكار والهواجس : إذا كانت تفضل أن تقيم ووالدها لم قبلت بعقد الزواج يا ترى ؟ ولكنها معذورة ، المرض يذهب بمحاسن الخلق والخُلْق ، وهذا الراهب أبوها ، راهب مجنون ، سيجيء غدا بيتي يقيم فيه وابنته ، على رأسي الابنة ، أما الأب ؟ فلا أعرفه ولا أحب أن أعرفه ، لا والله ، حسبي ما اقتبلت وما قاسيت ، أمي أبي أهلي الناس كلهم ينظرون إليّ شذرا ويضحكون مني ، وإذا علموا بأمر الراهب يسلقونني بألسنتهم ، تأكلني نار الشماتة والسخرية ،
لا والله لا ، إذا جاء هذا البيت يجد الباب مقفلا دونه ، ليرجع إلى ديره يستر فيه عاره .
جاء الطبيب يلهث وينفخ مستعيذا بالله من الحر والغبار ، فجلس على الديوان يستريح ونزع طربوشه يمسح العرق المتصبب من جبينه ، وبعد أن شرب كأس الشرباتالذي قدم على صينية من الفضة ،
دخل إلى غرفة مريم ففحصها فحصا بسيطا ؛ جسّ نبضها ، وأخذ حرارتها ، وألقى رأسه على صدرها ثم قال : ظننت الأمر خطرا يا خواجة عارف فجئت كما ترى مسرعا ، فلا شيء والحمد لله يزعج البال ، التهاب خفيف في شعب الرئة ودرجة واحدة من الحمى .
وكتب الوصفة وسلمها إلى الخادم ، وجلس على الديوان يدخن بالأركيلة التي أعدّت له ويشرب القهوة ، وبعد أن هنأ عارفا وطمأنه وباحثه في القديم والحديث من أخبار الدولة والدول ودع وانصرف .
ولكن عارفا ظل مشككا ، وبعث يستدعي الطبيب الإفرنجي الشهير ليتحقق ما قاله الطبيب السوري ، فعاد الخادم يقول : الحكيم يكون هنا الساعة الثامنة مساءً ، والموعد في لغة إفرنج الشرق وقت غير محدود ، ففي الساعة التاسعة سمع ضجيج سيارة في البستان ، سيارة الحكيم !
دخل حضرته والقبعة في يده ، فسلّم باللغة العربية التي يحسن شيئا منها ، وراح توا يفحص المريضة فحصا دقيقا ؛
وضع قلم الحرارة في فمها وأخذ نبضها يجسه والساعة في يده الأخرى ، ثم فحص لسانها وقبض على لحيته واجما ، ثم استخرج من جيبه آلة فوضعها على صدرها وظهرها يستطلع خبر رئتيها فهز رأسه مرتابا ، ثم ضرب بقضيب من النحاس عظم ساقها وقطب جفنيه ، ثم سألها أن تمد يدها وتبسط أناملها فشاهد فيها اهتزازا قليلا ، فضجرت مريم وتأففت ولم تجب الطبيب إلا على بعض سؤالاته المتعددة .
خرج حضرته وعارف إلى فناء الدار يحدثه بأمرها ،
وسأله سؤالين امتقع لهما وجهه ولم يدر ما يقول جوابا : مرض الست على ما يظهر مزدوج ، يلزمها راحة بال وهواء نقيّ وغذاء ، لتفتح شبابيك غرفتها ليل نهار ، لتلازم سريرها بضعة أيام ، وبعدئذ انقلها إلى الجبال ؛ جبال لبنان حيث يكثر الصنوبر ، وسأعودها بعد يومين .
ودفع إلى عارف الوصفات التي خطتها أنامله وأملاها عليه علمه الغزير ؛ أربع وصفات لا غير .
– لتشرب من هذا قبل الأكل ومن هذا بعده ، ولتدهن من هذا ، ولتتنشق من هذا .
– وهل من خطر على حياتها ؟
فبزم الحكيم شفتيه وذوى ما بين عينيه وأمال برأسه مفكرا ، ثم قال : في كلّ مرض خطر على الحياة وأمل بها ، والأمل بشفاء الست أكبر من الخطر .
وأمر عند الوداع أن تفرد أواني الأكل والشرب عن أوانيها ، فعاد عارف يهز رأسه ويقول : هذا ما توقعت ، هذا ما خشيت ،
وخطر في باله أن يسأل الحكيم سؤالا آخر فلم يلحقه في الباب ، كرّ دولاب السيارة وراحت تهدر خارج البستان .
وفي اليوم الثاني أحست مريم بتحسين في حالها ، ولم تفتح واحدة من القناني التي وصفها النّطاسيّ الإفرنجيّ الشهير ، ونزل عارف إلى مكتبه يتفقد أشغاله ، فسمع من أقوال الناس والإشاعات عن امرأته وأبيها الراهب ما أثار شجونه وهاج كوامن غيظه ، وعزم أن ينقل مريم إلى لبنان ريثما ينتسى أمرها .
وبينا كان عارف في مكتبه جاء القس بولس ، وكان قد وصل ذاك اليوم ليتفقد ابنته ، فوقف في باب البيت بحيفا كما وقف في ذاك الباب في شارع قصر النيل .
– مستحيل يا محترم الخواجا في المكتب ، الست مريضة والطبيب لا يؤذن لأحد بمقابلتها .
– هذا قانون للغرباء .
– لكل الناس يا محترم .
– لا بدّ من أن أدخل .
وهَم القس بولس بالدخول فأوقفه الخادم قائلا : لا لوم على خادم يعمل بأوامر سيده ، أرجوك أن تخرج .
فصاح القس بولس به : ياو ياو ! سيدتك بنتي ، بنتي ، ألا يؤذن لوالد أن يرى ابنته ؟
– لو جاء السلطان اليوم ما أذنت له بالدخول .
فطأطأ القس بولس رأسه وانثنى راجعا ، فجلس تحت نخلة في البستان ينظر إلى البيت والنفس منه حزينة حتى الموت . وكانت لطيفة ربيبة فريد قد سمعت ما دار من الحديث بين الخادم والقسيس فجاءت مسرعة تخبر سيدتها ،
فاستشاطت مريم غيظا وراحت تنادي أباها فالتقت بالخادم في الباب .
– ومن أعطاك هذه الأوامر ؟
– الخواجا عارف يا ستي .
– داهتك داهية أنت والخواجا عارف .
وخرجت إلى البستان تنادي
— أبي أبي !
فسارع القسيس إليها مجيبا وجلس وإياها على مجلس في الجنينة تحت النخيل . 217
– أزورك هنا يا بنتي ، لا أدخل البيت .
– بلى ، بلى ، دخيلك أبي .
– وغدا أزورك يا بنتي ، أنا مقيم في النزل ، وسأظل في البلد إلى أن تشفي ، وسأزورك هنا في البستان كل يوم .
– ولكن الطبيب أشار بالسفر إلى لبنان .
– فأسافر وإياك كما وعدت .
وفي تلك الآونة جاء عارف عائدا من مكتبه فسلم على القس بولس ولعنه في قلبه ، فقالت مريم مخاطبة زوجها : أفلا تريد يا عارف أن يزورني أبي ؟ ! أمرك يا سيدي مطاع ، أمرك مطاع .
ثم ودّعت أباها قائلة : سأزورك أنا في النزل يا أبي ، ولا أكلفك إلى ما فيه إهانتك .
ودخلت وزوجها إلى البيت تصر بأسنانها وتحاول كظم غيظها ، فلم تَنَم تلك الليلة إلا قليلا .
وفي اليوم الثاني اشتدت وطأة الحمى عليها ، واستمرت تصعد الحرارة حتى درجة الخطر ، فبعثت تستدعي أباها إليها فجاء مسرعا ، دخل الغرفة فوجد عارفا جالسا إلى جانب السرير منكسا رأسه ، وسمع مريم تهذي فهتفت إذ رأته : أبي ، أبي ، أقم عندي ، قربي ، لا تفارقني ، سأموت ، سأموت ، ولكني أموت سعيدة وأنت قربي ، إلى جانبي ، لقد انشرح صدري الآن ، قد زالت آلامي ، شفيت ، شفيت ، وغدا نسافر إلى لبنان ، غدا صباحا ، أنا وإياك وفريد ، نقيم في ظلال الصنوبر ، سأرقص في ظلال الصنوبر ، أتلو عليك قصيدة الابنة الحزينة البائسة ، الله ما أجمل أنغام الكمنجة ،
الكمنجة وحدها ، وحدها ، أنغامها تذيب قلبي ، تطرب نفسي ، سكرة الحياة ما أحبها ، سكرة الموت ما أبدعها ! أيها الشاعر نفسي الليلة حزينة ، حزينة حتى الموت ، سأموت وأسافر إلى باريس ، إلى باريس ، الله ما أجملك يا باريس ، تموج شوارعك بالناس ، بالأزياء ، بالأبهة ، بالجمال ، بالفنون ، ضجيج شوارعك وقهاويك مثل الأغاريد في أذني ، العربات والسيارات والجماهير والبوليس في وسط الشارع رداؤه على كتفه وصولجانه الأبيض في يده واقف ، ما ألطف بوليسك يا باريس وما أعظم سطوته ! وأنوارك والناس في بهائها رائحين جائين كلّ إلى جنبت من يحبه ويهواه .
وها قد جاء المعّاز بقطيعه 1 ما ألطف قصب المعّاز وطنين أجراس القطيع ، 1 في بعض أنحاء باريس يطوف المعّاز بقطيعه صباحا وهو يعزف على الناي فيبيع الحليب من الضرع .
جاء المعّاز : حليب ، حليب ، هاتي يا بنت دلوك ، قصب الراعي في أسواق باريس ، اسمعوا قصب الراعي ، وغدا نسمعه في لبنان ، غدا ، غدا أموت ، آه ، أوّاه ، غدا أموت ولا أسمع صوت أجراس القطيع ، عارف أستغفرك هات يدك ، سامحني ، أنا مائتة ، أنا مائتة ، خذ يد أبي صافحه واستغفره ، استغفره يا عارف ، الله ما أحلى الصفاء وما أجمل القلوب الصافية اسمعوا صوت القصب ، اسمعوا صوت أجراس القطيع ، سأرقص لكم على أنغامها ،
سأرقص لكم رقصة الابنة الحزينة البائسة .
وهمت أن تنهض من سريرها فلم تستطع ، هاج الهذيان سعالها ، وأنهكت الحمى قواها .
وجاء يومئذ النطاسيّ الإفرنجيّ يعودها ، فوجدها في تلك الحال فوصف لها الحمامات الباردة .
ثم جاء الطبيب السوري فوصف الكينا ، وقال مستعيذا بالله : الحمامات الباردة تجهز عليها ، تجهز عليها ، هي نوبة حمى يا خواجا عارف وستزول غدا أو بعد غد إن شاء الله .