الفصل 27

12 0 00

وفي لبنان دواء للنفوس شاف ، ودواء للأبدان ، على ربوة بنّيّة الأديم زاهرة الجوانب ، بين قمم تحتها خضراء ، يعطر الصنوبر هواؤها ، وقمم فوقها بيضاء ، ثلجها لا يزول ، في بيت هنالك تحيط الكروم به والغابات ، ويشاهد من إحدى شرفتيه الوادي ومن الأخرى البحر ، أقامت مريم وابنها وأبوها ثلاثة أشهر مباركة ، زاهرة أيامها ، صافية لياليها . وكلّما وقفت في الشرفة تنظر إلى البحر بعيدا ، وقد بدا في الأفق الغربيّ كسجف أزرق غامق متدل من السماء اللازوردية ، والبواخر والقوارب كالطيور رسمت عليه والسوسن ، كانت تجول المطامع والنزعات في صدرها جولات فتسمعها صوتا يردد هاتفا : البحر ، فالسفر ، فالحرية ، فالجهاد ، فالإقبال ، فالمجد ! وكلّما وقفت في الشرفة الأخرى تنظر إلى الوادي العميق القرار ، المظلم الجوانب والأسرار ، الكثير الأكناف والأخطار ، كان يخيل إليها أن بينها وبين تلك المطامع والرغبات وهدة مثل هذه الوهدة عظيمة مخيفة ،

فيستحوذ الكرب عليها . ولكنّ صوت القصب هنالك على تلك الربوة في الجانب الآخر من الوادي صوت مؤنس سماويّ إلهيّ ، ينعش قلبها ، ويطرب نفسها ، فيبعث فيها كامن عزمها ، ويحيي الجميل من أحلامها ، صوت القصب في المساء المهيب ، إنما هو حنين الجبال إلى الجبال ، والعشاق فيها إلى العشاق ، بل هو حنين القلوب في سجونها ، حنين صغار الطير في وكناتها ، حنين النفس إلى سرب من النفوس مثلها تنضم إليه فتبسط جناحيها ناشطة جذلة راغبة تقاسم أخواتها السراء في الجهاد والضراء ،

صوت القصب يناديها ، وبينها وبينه وهدة عميقة مخيفة مظلمة ، صوت القصب في ذاك الجبل بعيدا ، صوت القصب وراء البحار في أسواق باريس .

وفي ذات ليلة من ليالي الخريف بينا كانت وأباها ينصتان إلى حنينه المحزن المطرب المهيج ، والقمر وقد أحيطت به الغيوم البيضاء يفرش ظلالها للأحلام وأرباب الأحلام على المروج وبين الصخور وحول الينابيع ، نظرت مريم إلى أبيها وخاطبته قائلة : والآن وقد شفيت يا أبي عليّ أن أعود إلى بيتي ، إلى بيت نفسي ، إلى بيت قلبي ، إلى بيت آمالي وأميالي ، ولكنّ عارفا يجيئنا الأسبوع القادم ليعيدني إلى بيته ، هيهات ، هيهات !

أبي ، حبيبي ، وليّ قلبي ، لقد شفيت بفضل الله وفضل هذه الجبال المقدسة ، فسأكشف الستار إذن عن مكنونات صدري ، أبي ، إن في قلبي ما لا أستطيع أن أشارك به إنسانا ، ولا يمكنني أن أحب رجلا إلا إذا محضته حبي ، وقد كنت أظن أن القس جبرائيل يزدلف إليّ ويخادعني ، ولكنه علمني ألا أخادع ولا أحابي ، حقي أن أعمل بما يوحيه إليّ ضميري ، بما يطالبني به فؤادي ، بما يفرضه عليّ محض حبي ، هذا حق ،

ولقد طالما قال القس جبرائيل : إنما الحق فوق السعادة ، فإذا أقمت وزوجي وفي قلبي ما لا أستطيع أن أشاركه به ، في قلبي ما يمسكه الحب عنه ، أكون مخادعة ، خائنة ، ناهيك ببؤسي وغمي ، وببؤسه من جراء ذلك وغمه ، فلا سعادة في مثل ذا العمل ولا حق ، أحلف بالله يا أبي إني إذا أقمت وإياه لا يقيم وإياه قلبي ، ولا جزء صغير منه ،

وما الفرق بين البغيّ والزوجة التي تهب زوجها جسدها وتمسك عنه قلبها ، بل هناك فرق عظيم يظهر في الخداع والخيانة والنفاق ، وعندي أن الامرأة التي تقيم وزوجها على هذه الحال إنما هي أشر البواغي وأخبثهنّ .

لقد تمم القس جبرائيل قصده بي ، ليهنأ بذلك ، والآن قد أبعدني الله منه أبوح لك بسري ؛ بل بسبب حزني وغمي لما كنت في طبريا ، فقد كنت أشعر وأنا في ظل القس جبرائيل أنني آلة صماء يعالجني كيف شاء ، لا رغبة لي ولا رأي ، ولا عزم ، ولا إرادة ، كنت أشعر أنني عائشة مائتة ، أفرغت نفسي من فضائل الحياة كلها فملأها نفوذه عليّ كربا وحزنا وغما ،

وأما الآن فأنت رفيقي ، أنت أبي ، أنت وليّ قلبي ، وأنت أيضا معذب في شئونك ، تجاذبك الحرية ويجاذبك الأسر ، إذا أقمت في هذه البلاد فإمّا أن تنبذ الثوب وإما أن تعيش منبوذا ، وفي كل حال تعيش مغموما محزونا مدحورا مذموما .

وهب أنك أقمت في الرهبانية مكرما معززا فهل تسعد أبي في بُعدك مني ؟ أنا وإنكنت في سابع سموات الإقبال والمجد لا أسعد ولا أنعم في بُعدي منك ،

أبي ذنوبنا تعلمناالحق ، التجارب تؤدبنا ، وأنا بفضلها الآن أميرة نفسي ، وقد سكن الليل وصفا أديمه ، وتلألأت الكواكب في قبة عرشه الفخم ناشطة ، عازمة ، طامحة ، وسأعود منتضية حسام النفس إلى مضمار الحياة ، وأنت أبي إلى جانبي ، وفريد على صدري ، الحرية يا أبي

مقدسة ، حرية المرأة ، وحرية الولد ، وحرية الرجل ، حرية فريد وحريتك وحريتي ، حرية فريد في ظلّ أمه ، وحريتك في ظل علمك ووجدانك ، وحريتي أنا في ظل أبي ، نعم ، نعم ، سيظهر فريد حياتي ، وسيظهر فني وسأسعى لك وله ولنفسي…

صوت القصب يناديني ويناديك ، ينادينا كلنا ، صوت القصب هناك ، هنالك ، في ذاك الجبل ، بل وراء قامات البحار ، قد كانت نفسي كالزيز محبوسة في الشرنقة فأصبحت الآن فراشة حرة ، ونفسك أبيك ذلك ، نفسك كذلك ، سنلبي إذن صوت القصب ، صوت الحياة ، صوت الحرية ، صوت الحق ، صوت القصب يناديني ويناديك أبي ، صوت القصب ينادينا كلنا .

فقال أبوها : كنت أهدي الناس يا بنتي وأنت اليوم تهديني ، بارك الله فيك ، بارك الله فيك .

وفي اليوم التالي كتبت مريم كتابا إلى الخواجا عارف مبارك بحيفا تكشف له سريرتها وتعلمه بقصدها ، وكتابا آخر إلى القس جبرائيل مبارك تشكر له جميل صنعه وإحسانه وتخبره أنها متبعة فيما هي فاعلة الحق الذي علمها إياه ، الحق لا تعلو حتى السعادة عليه .

وسافرت وأباها وابنها من سوريا يتبعون نور الشمس .

تمت