الفصل 25

11 0 00

كان القس جبرائيل منشغلا بفحص أوراق له قديمة حينما دخل عليه القس بولس والقلق باد في وجهه ، فحياه يسأله عن حاله : وما لي أراك مضطرب البال ؟

– هل أخطأت في ما فعلت ؟

– لم أفهم ما تريد ؟

– هل أخطأت في جهري أن مريم بنتي ؟

فعمد القس جبرائيل إلى أوراقه يقلبها وهو يقول دون أن ينظر إلى أخيه الراهب : وهل أنت مرتاب بما تظنه حقا ؟

ثم دفع إليه تلك الورقة التي لقيها عند حمامات طبريا لما كان هناك واحتفظ بها ،

فقرأ ما فيها القس بولس مدهوشا وقد علم أنها من أوراقه ، من أوراقه ، وبخط يده .

– فيها جواب على سؤالك .

– نعم ، نعم ، وفيها ما هو أرسخ بنفسي من التعاليم الدينية والأدبية ، ، لولاك يا ربي لمن يعترف المجرم الأثيم الاعتراف مرهم النفس هذا يا قس جبرائيل من أوراقي ، أنا كتبتها وحق ما كتبت حق هذا ، حق ما كتبت ، وبهذا أبشر ، وبهذا أنا عامل ، ولكني أحس من نفسي الآن وهنا فاعذرني إذا لجأت إليك ، العلم لا ينفع في الشدات نفع نفحة من نفس سامية أو شذرة عزاء وتشجيع من ذي خلق مجيد عظيم ، فلا تضن عليّ باليسير من كثيرك ، إني متيقن يا قس جبرائيل أن أيامي ستكون كلها سوداء إذا قضيتها بعيدا من بنتي ، وإذا أقمت معها أو قربها أكون عليها وعلى زوجها منشأ عار دائم وبلاء مستمر ،

أنا معذب بين واجبين ؛ واجب بشري وواجب إلهي ، بنتي أحبها ولا أطيق وحياة الله فراقها ، ولما جهرت بالحقيقة أمام عارف زلقني ببصره كأن يرميني بأفظع الآثام ، طعنني طعنة أدمت فؤادي كسرت نفسي ، فعلمت آسفا أن من المستحيل أن أرى ابنتي بعد أن تنتقل إلى بيته .

– ستراها هنا ، ستجيء مريم من حين إلى حين في فصل الشتاء لتقضي عندنا بضعة أسابيع .

– ولكنها لا تقيم وزوجها بلاي .

– كلام النساء ، فإنها لتنساك حين تشفى من مرضها وتنساني ، فتنصرف عنك وعني إلى زوجها وولدها .

– وهل تظنها تشفى من ذا المرض ، إني لأخشى عليها منه ، ولا أحب أن أفارقها ما زالت مريضة ، أسفت لجهري المبتسر ، ليتني لم أفعل .

– إن ما فعلت حق ، وقد تكون واهما في ما تظنه بعارف ، فهو كريم الأخلاق شريف النفس .

– لا أنكر ذلك ، ولكنه لا يطيق أن يرى في بيته الراهب الذي هو والد زوجته ، ولقد طالعت ذلك في عينيه ، ولا لوم عليه ، على أني أظن أنه مساق إلى ما فعل بما تقول أنت يا أبتي ، لا تسئ فهمي ، أظنه وزوجته ينجذبان إليك مطيعان لك ، عاملان رغم إرادتهما بمشيئتك ، ولا أظنهما يعيشان سعيدين ، إذا شفيت البنت من مرضها .

– يا قس بولس ، أنت أطول مني باعا في العلم والفلسفة والآداب ، ولكن نفسي ترى ما لا يراه علمك ، إنما رجل الله يا قس بولس من عمل بحق الله ، واقتبل شاكرا مستسلما كلّ نتائجه وعواقبه ، وحق الله ما تم عندنا البارح ، وحق الله أن نعيش صادقين مخلصين وإن عشنا تعيسين بائسين .

– وأنا اليوم كسير القلب ، كسير النفس ، بل أنا اليوم أشد الناس بؤسا وبلاء بنتي ، بنتي ، حرمت رؤيتها عشرين سنة ولم أنسها يوما واحدا ، واليوم وقد حقق الله بغيتي القصوى يفسدها عليّ عبده ، أيمنحني الله نعمة فيحرمنيها الإنسان ؟ لا وحياة الله لا ، سأقيم قربها ولو متنكرا سأزورها ولو شحاذا .

– لو كنت خامل الذكر لاستطعت ذلك ، ولكنك معروف مشهور حيث سرت وحيث أقمت ، والجرائد اليوم تلهج بذكرك ، وا أسفاه ، اقرأ ما كتبته عن غصن البان وأصحابها الرهابين ، قد وصلتني هذه الجرائد اليوم .

قد فتن القس بولس عمون الواعظ الشهير بغصن البان الراقصة وفرّ هاربا وإياها ، طالع القس بولس هذه الكلمات في مقالة في إحداها ونهض يلطم خديه ومنكبيه

سملت عينيه ومزقت أحشاءه

— رحماك ربي ! رحماك ربي ! إن بلايا أيوب كلها لو بليت بها لأخف عليّ من هذه البلية ، سأطلعهم على الحقيقة ، سأطلعهم على الحقيقة ، نعم نعم من السر سريرة ألبسه الله رداءها ، ليعلم العالم إذن بدخيلتي ، بسري ، بذنبي ، بعاري .

وعمد إلى القلم والورق يكتب كتابا عموميا إلى جرائد القاهرة ، يقول فيه : إن غصن البان بل مريم الناصرية هي ابنته من لحمه ودمه ،

وشخص تلك الساعة إلى طبريا فسلّم الكتاب إلى مدير البريد هناك فنفثت بعض كربته ، وعاد إلى البيت في الغوير ماشيا يجتاز في طريق جميلة تطوق الربى إلى جانب البحيرة متغلغلة في البساتين منسابة في الحقول ، فدخل المجدل والشمس تميل إلى المغيب وجلس إذا وصل إلى تلحوم يستريح ، فشاهد في خرائب تلك البلد ما رسمته الشمس في أطلالها من الأظلال والأضواء المتقطعة ،

فقال في نفسه : وما أشبه الدين اليوم والبر والتقوى بهذه الخرائب المقدسة وما يتخللها من نور زائل وظل يميل إلى الزوال ، وكلّ ينكر الشمس ويظنها ذراعا من النور ؛

نور الله الأزلي الأبدي ، وأنت أيتها الشمس ، بل أنت أيها السيد المسيح محجوب سناؤك ، مشحوب بهاؤك ، الويل لك يا كفر ناحوم ، الويل لك يا بيت صيدا ، يا كفر ناحوم مصر ، يا كفر ناحوم فرنسا ، الويل ثم الويل لك ، بل الويل ثم الويل لكتبة هذا الجيل وفريسي هذا الزمان ، وأنا منهم ، أنا القس بولس عمون ، أنا إيلياس البلان منهم ، أقمت بينهم خمس عشرة سنة ، اردد رطاناتهم ، وأزين خزعبلاتهم ، وأسلك مسلكهم ، عابدا تزاويقهم ، متناهيا في سبيل معبوداتهم ، بلى ، بلى ، أفلم يرقني رقص غصن البان فحملت عليه ؟

أولم أقل في نفسي ليس في ذا الرقص ما يفسد الأخلاق ويخل بالآداب ثم نددت به من على منبري ؟

قريبا ، أحسست بميل إلى تلك الفتاة وفنها فلعنت الاثنين ؛ لأن التقليد كان مستعبدا نفسي والخبث مالكا معقولي ، ارحمني يا الله حسب رحمتك وحسب كثرة رأفتك امح معاصيّ ، ومهما كان من أمري وأمر بنتي فإن حناني الأبوي — اللهم — حنانك ، وما حبي اللهم إلا ذرة من حبك .

صلى القس بولس في خرائب كفر ناحوم صلاة المساء وعاد إلى البيت يناجي نفسه ويقول : الرقي الحقيقي والدين الحقيقي والآداب الحقيقية إنما هي في خروجنا من أنفسنا حين يتهدم هيكلها وتغيب شمسها ، حين تمسي بلى ، بلى . ولماذا حمل بياني على ما أقره وجداني ؟ لأني ولا مشاحة كنت كالطلل الدارس في الغور الدامس ، حين تمسي مثل كفر ناحوم .

نام تلك الليلة وفكرة جديدة تشرق في نفسه ، وفي صباح اليوم الثاني أخبره عارف بما قاسته مريم ولامه على مجيئهم بها إلى الغور .

فقال القس بولس : والأجدر بك أن تلوم عمّك .

– عمي ؟ لا أدري ما يصنع عمي ، أعماله تحير العقول .

ثم جاءت مريم تقبل يد أبيها وتقول : سنسافر اليوم ، هذه الساعة ، ألست متأهبا يا أبي ؟

– لا يا بنتي ، لا يمكنني أن أسافر وإياكم ، ولا أن أقيم في المدينة معكم ، ولكني سأزورك من حين إلى حين .

فصاحت مريم وقد اغرورقت عيناها : أتهجرني أبي ؟ أتهجرني في شدتي .

– ولكن زوجك يا بنتي خير رفيق وخير أب لك .

– لا وحياة الله ! لا أسافر بلاك ، سأبقى هنا ، سأقيم وإياك وولدي حيث تقيم ، وسأخدمك وأكون لك ابنة محبة طائعة لا يهمها في العالم غير ابنها وأبيها .

– ولكنك في حالة تقضي عليك بمشورة الطبيب ، وتقضي علينا بخدمتك والاعتناء بك .

– ولماذا تتركني إذن ، دخيلك أبي ، تعال معنا .

فقال عارف معقبا بلهجة باردة على كلام مريم : تعال يا أبتي معنا ، تعال وعمي تقيمان في البيت عندنا على الرحب والسعة ، وليس ما يوجب عليك أن تطلع الناس على دخيلة أمرك .

فقال القسيس والنار تحتدم في ناظريه : ليس ما يوجب عليّ الصدق والإخلاص ؟ أنت شاب يا ابني تبتسم للحياة فتبتسم الحياة لك ، ولا تدرك ما في أعماقها من البؤس والشقاء ، أطلعتك على سري فازدريتني ولا حق عليك ، ولست أنا لصا ولست نبيا ، فأسلبك راحتك وأنذرك بما قد يكون من أمرك ، كشفت لك سري ؛ لأني لا أريد أن أخدعك فتخدعنفسك وتخدع زوجتك ، فهل تنكرني الآن فتخدع الناس وتخدع الله ؟

سأبقى بعيدا منك وإذا أنكرتني أنا عمك والد امرأتك فلا أحرك ساكنا في تكذيبك ، اعمل ما تشاء وما تطمئن له نفسك ونفس زوجتك .

– لا تطمئن نفسي يا أبي إلا بقربك مني ، والدي العزيز لا تهجرني بعد أن لقيتني ، هذه ذخيرة أمي على صدري أستحلفك بها أن تسافر وإيانا وتقيم عندنا ، وإذا كان عارف لا يريد ذلك فأنا أفضل الإقامة وإياك في هذه البرية ، فأموت بين يديك سعيدة ، نعم ، نعم ، أفضل أن أموت بقربك على أن أعيش بعيدا منك .

وجاء إذ ذاك القس جبرائيل يقول : وهل وطنتم النفس على السفر ؟

فقال عارف : نعم .

وقالت مريم : لا .

فأسرّ القس جبرائيل إلى القس بولس كلمة ، ثم قال : سافري يا بنتي مع زوجكوولدك ، وبعد يومين أزورك والقس بولس في بيتك الجديد ، وإذا اصطفتم في لبنان نرافقكم ونقيم وإياكم هناك .

– أصحيح ما تقول ؟ أتسافر وإيانا إلى لبنان يا أبي ، إذن لنسافر من هنا .

– ذلك مستحيل ، ينبغي لي أن أعود اليوم إلى حيفا لقضاء بعض حاجات وسنسافر إذا شئت من هناك بحرا .

– ليكن ذلك يا بنتي ، سافري اليوم وزوجك .

– وهل تسافر وإيانا إلى لبنان .

– نعم ، نعم .

– وبعد يومين أشاهدك بحيفا عندنا ؟ أتزورنا بعد يومين ؟

– نعم ، نعم .

– ونسافر يومئذ إلى لبنان .

– نسافر إلى لبنان .

وبينا كان القس جبرائيل يتناول العشاء وضيفه ليلة ذلك النهار خاطبه قائلا : ما ضرّك لو أقمت عند بنتك ؟

– لا يضر ذلك بي بل يضر بها وبزوجها .

– وهل أنت متيقن ؟ هل أنت مؤكد أن عملك هذا إنما هو إكراما لهما فقط ، لا تجبني على هذا السؤال ، أجب نفسك ، أجب ربك .

– كل كلمة من كلماتك يا قس جبرائيل تفتح بابا من الحق للنفس وبابا من العذاب . – والعذاب في سبيل الحق عذب ، وإنه لمحتم علينا قبول ما جرّه السالف من أعمالنا وذنوبنا ، القضاء لا يرد ، والله سبحانه لا ترد أحكامه ، وإن الحقيقة التي تطهر النفس لفوق السعادة ، أي نعم ، وما شأن السعادة يا ترى إذا قابلناها بفضائل النفس السامية ، بالصدق والإخلاص والبطولة والصبر والاستشهاد في سبيل الحق ، فالحق يعلو ولا يعلى عليه ، ما كان مكتوما سيعلن وما كان مختبئا سيظهر ، لتكمل مشيئة الله .

فطأطأ القس بولس رأسه مرددا : لتكمل مشيئة الله .

وفي صباح اليوم الثاني نهض باكرا يودع القس جبرائيل .

– إلى أين يا أبتي ؟

– إلى حيفا .

فأحنى القس جبرائيل رأسها قائلا : رافقتك السلامة .