الحاج محيي الدين صاحب الكازينو بالقاهرة رجل قصير بدين لعين (نريد بالنعت الأخير ما هو متعارف من معناه بين الناس عندما يقفون عنده يجرون الياء منه معجبين ، فيقولون مثلا : فلان لعين ! ليصفوه بالحذق والمكر والدهاء ) ،
فالحاج محييالدين إذن قصير بدين لعين ! وإنه وإن ارتدى الحرير لأصْلب خلقا وخلقا من قماش الخيام الإنكليزي ، له رأس ككرة المدفع كبير مستدير ، تعلوه عمامة خضراء صغيرة ، تحتها إذا أقبل جبهة عرصها خدّاع ، وإذا أدبر سامد الرأس تبدو عكنات رقبته تحت تلك العمامة كأمواج النيل أو كغدد الفيل ، وهو غليظ الشفتين كذلك وعريض الوجه لحيم ، أما أنفه المشوه فيكاد لصغره يضيع في وجهه ، وعيناه الصغيرتان الزايغتان تنفران من أنفه ، وشاربه المقصوص هو بين ذاك الأنف وتلك الشفة كخيال قضيب بين كهف وكثيب .
وقف الحاج محيي الدين مودعا السيدة فشيعها إلى الباب تعطفا وهو يعد سبحته ويسبح الله ، ويستغفر الله ، ويستعين بالله ، ثم عاد إلى مجلسه في زاوية الديوان وحبات الكهرباء الكبيرة تطقطق بين أنامله الصفراء كأنها تردد الصدى لنبضات قلبه ، ثم جلس مسترخيا يبسط ذراعيه ، ويزمّ شفتيه ، وقد أنزل العمامة الخضراء حتى حاجبيه ، ولسان حاله يقول : إنا الله وإنا إليه راجعون .
وكان شريكه عاطف بك جالسا إلى منضدة يدخن سيكارة ويراقب حركاته معجبا باسما ،
فقال محيي الدين يخاطبه : أخطأت يا أخي أخطأت ،
فأجابه عاطف بك : أنت أعلم بالجواري وأنا أعلم بالراقصات .
فعمد الحج محيي الدين إلى الأركيلة يسكّن بها غيظه ، ثم قال : ولكنّ رقصها جميل ، أجمل ما رأيت حياتي ، رقص جديد ، مبتكر ، غريب ، مدهش ، وهو فوق ذلك رقص أدبي تزينه الحشمة لا خلاعة في حركاته ولا بذاءة في وقفاته ، ولا … فأغرق عاطف بك في الضحك ، وقال : أراك تتكلم كشيخ من مشايخ الأزهر ، الله ، الله ! أحامل على الخلاعات يمسي صاحب كرامات ؟ الله ، الله ! أنت مازح يا محيي ؟
أصاحب الدين ، أوتظن الرقص الأدبيّ يصلح الأمة ؟ أتظنه يسر جيش الاحتلال ؟ إذا كنت راغبا بالجلاء فاعرض على أصحابنا الإنكليز هذه الرقصة ، نبه الحزب الوطني إليها .
– لا تعجبني هذه المداعبة منك ، فإن رقصا عاريا من الخلاعة …
– لا ينفعنا ولا ينفع البلاد ، أبناء القاهرة لا يقبلون على مثله وعساكر الإنكليز يفرون هاربين منه ، وإن أقبلوا عليه بادئ بدء فلا يلبثون أن يملوه ، رقص هذه الفتاة يخاطب العقل ، والمصريون يودّعون عقولهم في البيت قبل أن يشرفوا والجندي الإنكليزي ، ولكنه سبحانه تعالى لا يثقل الجنديّ عقلا .
– على رأسي رأيك في الجندي ، ولكنّي لست من رأيك في الفتاة ؛ فإن في رقصها السحر الحلال ، يعبث بالقلوب ولا يستأذن العقول ، وما قولك بالراقصات الروميات عندنا ؟ فإن رقصهن عار من رغبة الناس من مظاهر الخلاعة ، ويكاد يكون بليدا ، ومع ذلك فالإقبال عليهنّ عظيم .
– لأنهن إفرنجيات يا أخي يا محيي الدين ، نفاية الإفرنج هي أعلاق في ذي البلاد ، خرز أوروبا هو في نظر المصريين بل الشرقيين درر غوال ، صلّ على النبيّ ! ولا يفوتنّك عندنا ، كلهنّ
— إفرنجيات ومصريات
— أن الراقصات الروميات لا يكسفن من طبقة واحدة فنا وعقلا وحسنا ، وإن شئت قل : من طبقة وسطى أو واطية في الفن والعقل والحسن ، وجمهور الناس من ذي الطبقة ، أما الخاصة فحسبهم ليلة واحدة من الخديوية ، لا ، لا ، لا وسط عند هذه الفتاة البالو الرقص الأدبي في السنة ، حسبهم الناصرية ولا وسط في نصيب مديرها منها .
فرفع الحاج العمامة فوق جبينه عجبا وهو يزلق بنظره عاطف بك الذي استمر يتكلم غير حافل ، فقال مكملا الجملة : فإما أن تكسره وإما أن تغنيه ، فلاح الارتياح إذذاك في وجهه ، وقال : ولماذا لا نختبرها أسبوعا واحدا أو أسبوعين ؟ إذا كنا لا نقدم لأبناء بلدنا الجميل من الفن فكيف لهم بمعرفته ؟ وليس من العدل أن نحكم عليهم بفساق الذوق قبل أن نختبر ذوقهم .
– أنا عالم يا محيي الدين بما يجول في صدرك ، صلّ على النبيّ ! ولكن ظهوري غيَّر خطتنا تماما ، فنفقد الزبائن الذين لا يروقهم غير الناصرية على مسرح رقص الكازينو الرقص الذي يخاطب الحواسّ بالقلم العريض ، وجيش الاحتلال في البلاد
في أوربا يزداد يوما فيوما ، ولا نعلم ما نكسب من الطبقة الراقية ، لو كنت مدير تياتر لما ترددت والله ترددي الآن ، فلا أنكر أن في منشأ الفتاة وفي فنّها وجمالها وطموحها وهوسها ما يسترعي الأنظار ، لست بجاهل عالم التمثيل في أوروبا ، ولقد أحطت علما بطرق المدراء هناك وحيلهم ، وكأني بأحدهم وقد حظي بلقاء هذه الفتاة الناصرية ، وأدرك السرّ في أمرها وفنّها يعلن عنها بالخطّ العريض ، فيقول : الناصرة منذ ألفي سنة والناصرة اليوم مهد الدين ومهد الرقص ، مريم الناصرية ترقص رقصة المريمات في أسبوع الآلام ! ولكن بلادنا بلاد إسلامية ، فلا ذاك الدين قبلت ولا ذا الرقص تقبل اليوم .
– أنت مخطئ في ظنك ، أثناء أسبوعين نختبر الناصرية ورقصها ، عليّ وحدي .
– ليست جارية تتاجر بها يا محيي الدين ، وقد ظهر لي من حديثها ونظراتها أنها صعبة المراس حادة المزاج .
– على عاتقي أمرها .
– وإذا مثلت لك السماويات في رقصها …
– والجهنميّات أيضا فأنا المسئول .
– وأنا قابل ، ليكن ما تشاء ، وإن شئت أن تدخلها حريمك بعد أن تمتحنها في . الكازينو
- دعنا من ذا الهذر يا أخي .
– بل هذا جدّ منّي ، فقد أهنتها في حديثك فاغرورقت عيناها وهذا دليل واضح أنها أحبتك ، عشقتك .
– أنا أعلم بحيل اللقيطات الشريدات .
– نعمت الكازينو بعلمك . ؛ لتفتش عن الكازينو ومديرها .
أما مريم فعادت إلى منزلها بعد أن قابلت صاحب الكتاب الذي أعطتها إياه مدام لامار إلى جمال الدين باشا أحد مدراء البنك الفرنساوي في القاهرة ، وكانت قد أهملت هذا الكتاب ؛ لأنها لم تشأ أن ترجع إلى الخدمة في البيوت وآلت على نفسها وإن كسرت في باريس أن تفوز في مصر ، فزارت عند وصولها الكازينو لتشاهد ما هو معروض على مسرحها فتعرف محلّها من الإعراب فيها ،
فسرّها ما شاهدت وساءها معا ، وقالت وهي خارجة : ها هنا رزقي ، ها هنا بداءة حياتي الفنية ، ها هنا فوزي ،
ولكنها أقرّت لنفسها بعد المقابلة في اليوم الثاني أن لم تزل الأحلام تخدعها ، وكانت تظن أن مدراء التياترات في مصر أسهل مراسا منهم في باريس ، ولم يخطر في بالها أنهم أكثر تعنتا وأقل أدبا ومعروفا ، فقالت تخاطب نفسها وهي تفتش في حقيبتها عن كتاب مدام لامار : وماذا يهمّ إذا المدير فحص الراقصة كما لو كانت جارية معروضة في سوق النخاسة ، أو جسّها كما لو كانت شاة ، أو أمرها أن تمثل أمامه عارية ، فهو لا يهينها ولا يحتقرها إذا كانت يتيمة أو بائسة مثلي ، وهنا في بلادي يهينني المدير ويشيعني إلى الباب ، لو استطعت والله لذبحته ! لذبحته ! ابن ستين كلب يعيرني بأصلي — أصلي ! أصلي ؟
وقفت مريم فجأة تسائل نفسها فأبكاها السؤال ، ذكرت لأول مرة أبويها فحرقتها الذكرى ، خنقتها العبرات ، وقد يستغرب القارئ قولنا : إنها لم تذكر أبويها حتى الآن ، وقد نكون أخطأنا التعبير ، لما كانت مريم في الدير أدركت غامض أصلها ولكنها أقامت هناك وكثيرات مثلها فلم تبالي ولم تذكر والديها شوقا وحنانا ،
وبعد أن خرجت من الدير أقامت في بيت مبارك وفي ظل القس جبرائيل خلية البال ، مشتتة الآمال ، فلقيت من الإعزاز ما أشغل نفسها عن الإكرام ، ومدام لامار لكرم في أخلاقها تجاهلت ما أدركته من أصل الفتاة لكي لا تهينها ولا تذلها ، وكذلك نجيب مراد فلم يفه مرة بكلمة يشْتمّ منها معرفة ما يحزن مريم ذكره ، ولا سئلت مرة في باريس عن أصلها ولا نظر أحد إليها شذرا وازدراءً .
وأما الآن فصاحب الكازينو المعجب بفنّها وبحسنها وبمواهبها يخشن لها الكلام في أول مقابلة ، وينظر إليها نظرة الازدراء ، وقد مازجه السرور والرضا كأنه يقول : أنت في قبضتي ولا بأس بك .
فأدركت لأول مرة أن من الرجال من ينظرون إليها كأنها غنيمة باردة ، فساحت بها الأفكار إلى باريس ثانية فجمعتها هناك بنجيب مراد ؛ ذاك الذي أَحبها كما تحب الفراشة الزهور أو الفارس الجياد ، فجعلت تقابل بين الاثنين وتقول : شتّان بين من يخدع فتاة ويكرمها ومن يهينها ويخدعها ، شتّان بين أديب دقيق الحيل كريم النفس ، وجلف غليظ الرقبة غليظ الشفتين ، كرهته لأوّل نظرة قبل أن يفوه بكلمة ، وبعد أن تكلم وددته ميتا عند قدميّ ، ميتا ميتا ، سيعلم ابن الكلب .
أولا يحقّ للفتاة البائسة مثلي أن تتمثّل بقول الشاعر كالفتيان وأصل الفتاة أيضا ، أصل الفتاة أيضا ما قد حصلت . وهذا ينبغي أن يكون ، ولكنّ الكائن اليوم غير ذلك ، وإن عقيدة الناس الاجتماعية بمريم وأمثالها لمثل عقائدهم الدينية قديمة العهد ، كثيرة العهود والقيود ، والمتمردون عليها ينفعون المجتمع الإنسانيّ وقلّما يسعدون .
نوّرت نفس مريم في بلاد الجليل فاستمدّت حياة من تربة رباها ، وهواء حقولها ، ومياه عيونها ، وسماء بحيرتها ، وجمال مروجها ، وأريج أحراجها ، فكانت وردة برية سماوية تليق أن يزين بها الناسك مذبح إلهه ، ونفس مريم التي بدأت تنوّر في المدن في معترك الحياة ترويها مياه الاجتماع الآسنة ويغذيها هواء التمدّن الفاسد جعلت تنمو كزهرة الأزاليا كبيرة ، قوية ، قانية ، شديدة ساقها ، متينة بتيلاتها ، قليل — وا أسفاه— عبيرها ، وقد أثرت فيها الخيبة أكثر من سواها ، فغيّرت الجفوة طباعها ، وضاعف الفشل نمو الأزاليا في قلبها ، فقد كانت مستهترة في حبها ، مستهترة كوردة الحقل لا تروعها هبوب الرياح ، ولا ظلمات الليالي ، فأصبح قلبها كال أزاهر الجوية التي نصونها تارة من نور الشمس وتارة من الظل وطورا من الهواء ،
أدركت مريم هذه الحقيقة ولم تدرك بعد كيفية العمل بها ، فتعرض أزاهر نفسها إلى الشمس وإلى الظل وإلى الهواء في الأوقات اللازمة النافعة ، ولا مشاحة أن العمل جهلا أسهل من العمل علما ، وقد يشفي هذا حينا ويسعد ذاك أحيانا ، وأن تحب الفتاة وتستسلم خير لها من أن تحب وتتردد ، وأن عذابها وهي تحب راغبة طائشة لأقل منه وهي تحب خائفة مرتابة محتقرة كارهة ، والحق يقال أنْ قد دخلت مريم في هذا الطور المحزن من أطوار الحب ، ولم ترفع فوق مدارجه السوداء غير واحد في العالم هو القس جبرائيل
— ربي ! وهل القسّ جبرائيل أبي ؟ وهل يحب الأب ابنته أكثر من حب الراهب فتاة لقيطة ؟ أيستطيع أن يزيد أبي على ما أسلفني القس جبرائيل من الصنع الجميل والمعروف والإحسان ؟ بل لو كان أبي عالما بي وبسقوطي تلك السقطة المهلكة أكان ينقذني يا ترى من البلاء والعار ؟ أيرعاني أبي ويكرمني ويحبني كما رعاني القس جبرائيل وأكرمني وخدمني وأحبني ؟ لا أظن ذلك ، لا ، لا ، بل كان يطردني من بيته لو علم بذنبي الذي هو ذنب غيري ، ويلاه ! ما أمرّ الحياة ! الحق معك يا قس جبرائيل الحق معك .
وأخذت الذخيرة وطفقت تقبلها وتبكي .
– أبي ، أبي ، أين أنت تحميني من الذئاب البشرية ؟ آه يا قس جبرائيل حبذا أنت قريبا ، لا ، لا ، مستحيل أن يكون أبي ، فلو كان ما رمى بولدي في البحيرة ، ولدي ! وهل أنا أعلم بتصاريف الزمان وأسرار التقادير من حمام البحيرة وأسماكها ؟ لا تكره شيئا لعله خير ، أنا الآن أسعى لنفسي وأكاد أهلك جوعا ، ولدي ! لقد أغناه الله من شقاء الحياة ، ووالدي ؟ ما لي ووالدي فلا شك أنه أجرم على أمي كما أجرم عليّ ،
قد تكون أمي خدعت كما خدعت ، وأذُلّتْ كما أذللت ، وشقيت كما شقيت ، أواه ! أمي أين أنت الآن ؟ أفي عالمالأحياء أنت أم في عالم الأموات ؟
أمي ليتك قربي تأخذين بيدي الآن ، ترشديني ، تسليني ، تدفئين نفسي ، تجبرين قلبي الكسير ، تشفين غليلي بقبلاتك وبكلماتك ، تعلميني الكلمة التي فيها صيانة عرضي وصيانة اسمك .
قضت مريم تلك الليلة أسيرة الهموم والأحزان ، فخلعت ثيابها وهي تحن شوقا إلى أمها ، وأطفأت القنديل وهي تلعن من أهانها .
وفي تلك الليلة حلمت حلما رأت فيه أمها وسمعتها تقول : اخرجي من القاهرة ، عودي إلى فلسطين ، أقيمي في ظل القس جبرائيل .
ولكنه حلم من الأحلام فلم تحفل به ، ونهضت صباح اليوم التالي ترتدي ثيابها لتذهب إلى البنك الفرنساوي تطلب مقابلة جمال الدين باشا ، فقد وطّنت النفس على أن تقيم في القاهرة ولو خادمة في بادئ أمرها أو معلمة أو مربية ، أقلعت مكرهة من جون الأمال تسلم إلى الحاجة شراعها ، وهي تعلل النفس بالعود القريب ، والفوز العجيب ، وأما الآن وقد نفد مالها فلا بد من السعيّ في غير السبيل ؛ سبيل المجد ، وقد ينفعها الآن كتاب التوصية الذي بيدها ،
وبين هي خارجة من منزلها تقصد البنك الإفرنسي الْتقت في الباب بصاحب الكازينو الحاج محيي الدين فوقفت سامدة الرأس مدهوشة .
– أريد مقابلتك يا ست مريم .
– تفضل .
– أعلى الرصيف ؟ أفي الشارع تقابلين من يحمل إليك الأخبار السارة ؟
– أومثلك يحمل إلى مثلي أخبارا سارة ؟
– لا تؤاخذيني ، فقد بدر منّي البارح ما أسفت له .
– عذرك مقبول ، وماذا عندك غير الاعتذار ؟ ماذا تريد ؟
– أريد صالحك .
– كثرّ الله خيرك ، صالحي الآن بيدي ،
وهمّت مريم بالذهاب .
– كلمة واحدة لأبرهن لك في الأقل على حسن نيتي ورغبتي في قضاء حاجتك ، وفي خدمتك .
فوقفت إذ ذاك مريم كأنْ خطر لها خاطر غيّر لهجتها وخطتها .
– تفضل ، تكلم .
فمال الحاج محيي الدين برأسه ينظر إليها متبرما ويشير باسطا ذراعيه إلى الباب .
– لا حول ولا …
- تفضل !
فمشى الحاج في الزقاق وراءها فوقفت أمام الباب ؛ باب غرفتها ففتحته وهي تقول : تفضل ، ادخل واجلس ريثما أجيئك بعلبة السكاير .
– لا لزوم للسيكارة يا ست مريم .
فلم تحفل مريم برجائه بل ذهبت تسر إلى البربري خادم البيت كلمة وعادت تقدم إلى ضيفها سيكارة ، وتقول : أرجوك أن تجلس ، وظلت هي واقفة قريب الباب المفتوح .
– اعلمي يا ست مريم أنني معجب بك وبرقصك وبمواهبك ، وأحب من صميم قلبي أن تظهري عندنا في الكازينو ، وقد تباحثت وشريكي في شأنك بعد رجوعك .
وسكت فجأة يحدجها بناظريه ، فابتسمت مريم شاكرة .
– وسيكون لك ما ترغبين إذا …
ووقف إذ ذاك الحاج محيي الدين يخطو نحو مريم خطوات أدركت سرّها ، فلاقته بكرسيّ تقدمها ملاطفة وتقول : تفضل اجلس فأزاح الحاج الكرسي وتقدم نحو الباب ليرمي سيكارته خارجا ، فأدهشته مريم إذ أسرعت إلى الباب وهي تقول : أرجوك ، لا تكلف نفسك ، أنا أغلق الباب .
وغلقت مريم الباب ووقفت في وسط الغرفة تنظر إلى الزائر ولا تبدي حراكا ، فدنا منها معجبا بهذه الحركة وهذا اللطف وقبض على يدها بيسراه ، يداعب بيمناه خدها . فأحسّت مريم كأنّ علقات تسرح في وجهها ولكنها وقفت متجلدة كالتمثال .
– لا تخافي ، أنا صديقك ، وستكونين في الكازينو تحت رعايتي فلا يعتريك ريب من ذلك .
فتجلّدت مريم وهي تحاول إخفاء اضطرابها وقالت ملاطفة : هذا جميل منك .
وقرع إذ ذاك الباب قارع ، فتظاهرت بالرعب وبعدت عنه تتنفس سرا الصعداء ، فعاد الحاج محيي الدين إلى الديوان يشعل سيكارة .
فتحت مريم الباب ، فدخل الخادم قائلا : رسول من البنك الفرنساوي يقول : إن المدير يقابلك اليوم الساعة العاشرة إفرنجية .
– ويلي ! قد فات الوقت ، اعذرني يا سيدي محيي الدين ، اعذرني اليوم ، لي عند المدير حاجة تقضي عليّ أن أقابله حالا .
ومدت إليه يدها غانجة باسمة فصافحها ثم ربتها ، وخرجت وإياه يتحدّثان في ما يختص بظهورها على مسرح الكازينو وبراتبها ، ثم ودّعها عند الباب قائلا : سأراك غدا فتوقعين على الوثيقة .
– غدا إن شاء الله أتشرف بزيارتكم في الكازينو
– لا بل أنا أتشرف بزيارتك والوثيقة في جيبي .
– كما تريد ، أتوقع قدومك صباحا في مثل هذا الوقت .
وافترق الاثنان وكلاهما راض بما كان ، ولم يكن سرور مريم بما انقلب في تيار حظّها أشدّ من سرور الحاجّ بما ظنه فوزا في غزوته الأولى ، ولكن الفتاة جعلت تفكر في حيلة أخرى تخلصها من مخلصها إلى أن يتم لها ما تريد ؛ إلى أن تستلم الوثيقة منه ، ولم يضطرها الأمر إلى كثير تفكير ؛ لأن خبرتها في باريس تلبي الآن طلبها .
ولما جاء الحاج محيي الدين صباح اليوم الثاني دهش لوجود رجل آخر عند مريم ، فطمأنت باله قائلة بعد أن رحبت به : حضرته مدير المقاولات .
– صحيح ، صحيح ، لقد فاتني أمره .
وجلس على الديوان يعد سبحته ويستغفر الله ، ثم استخرج من جيبه الوثيقة فقدّم منها نسخة إلى مريم لتوقّع عليها ففعلت ، ثم وقّع عليها مدير المقاولات وأعادها إلى محيي الدين ، فقدّم إليها نسخة أخرى وقد وقّع عليها هو وشريكه ، وبعد إنجاز العمل جاء الخادم بالقهوة والسكاير ، وجلست مريم تحدّث زائريها بما رأته من جمال مصر ، ثم قال مدير المقاولات وهو ينظر إلى ساعته : إذا أحببت أن أشيّعك إلى البنك يا ست مريم فالوقت قد حان ، تفضلي .
– قد فاتني ذلك ، أشكرك لتذكيرك إياي ، ولكني لا أكلفك … فقاطعها المدير قائلا : ليس في الأمر ثقلة ، فإن مكتبي في تلك الناحية والعربة تنتظرني .
– لا تؤاخذني يا سيدي محيي الدين ، يظهر أنّ حاجة في البنك بهذه البلد لا تقضى بيوم أو بيومين ، وقد وعدت المدير أن أقابله اليوم أيضا .
ولبست مريم قبّعتها وعمدت إلى شمسيتها تتكئ عليها وتقول : الأمر هام جدا يا سيدي ، ولا أعلم كيف أكفر عن سوء أدبي ، يا للفضيحة ويا للعار ! عذرا أرجوك ، فالعذر من شيم الكرام ، وغدا أقابلك إن شاء الله .
فاضطرب الحاج محيي الدين ولم يفه بكلمة جوابا ، ولكنه أخذ يد مريم الممدودة إليها فصافحها ، وأحس بنظرة من نظراتها تخرق كالشرارة فؤاده ، فزادت بنار وجده اضطراما .
وفي ذاك الأسبوع كانت تذهب مريم إلى الكازينو كلّ يوم لتتمرن على الرقص ، وكانت تلجأ إلى أدق الحيل لتتخلّص من أشراك الحاج محيي الدين ، أما عاطف بك فأحسن معاملتها وبالغ بإكرامها ، وأشار عليها أن تغير اسمها ؛ لأن مريم اسم مسيحي عادي ، بل ولا يليق براقصة ، ولا يستوقف الأنظار ، فاقترح عليها اسم غصن البان فقبلت مريم الاقتراح .
وبينا هي عائدة إلى منزلها بعد ظهورها على مسرح الكازينو الليلة الأولى ، لاح لها قرب بابها شخص ، تحققت من عمامته الخضراء ورأسه الكبير أنه الحاج محيي الدين ، وكان قد سبقها إلى منزلها تلك الليلة ولبث ينتظر قدومها ، فأمرت الحوذيّ من ساعتها أن يستمر سائقا ، فمرّت العربة مسرعة أمام بابها وهي متوارية فيها يحجب وجهها الكابوت ، فلم يرها الحاج المطارد ،
وظلّ ينتظر في قهوة قرب ذاك المنزل حتى الساعة الأولى بعد نصف الليل ، فعاد بعدئذ إلى بيته يصر أسنانه غيظا ويقول : أبنت بنت الكلب تخدعني ؟ أتصدني وترغب بغيري ؟ أتتفلّت من يدي فتعلق على دبق الأوغاد ؟ فلا شك أنها في إحدى الحانات الآن تشارب وتداعب أجلاف جيش الاحتلال ، بنت ستين كلب ! ستندم والله على فعلتها ! ستندم ولا ينفعها الندم .
أما مريم وإن أزعجتها مباغتة الحاج فلم ترعها ، ولا اعترضت سرعة خاطرها ، ولا أفسدت عليها صفاء نفس ذاقت لأوّل مرّة لذة الفوز في سعيها .
ولما سألها الحوذيّ : إلى أين يا ست ؟
بعد أن اجتازت العربة الشارع المقيمة فيه أجابته على الفور : إلى الجيزة ، إلى الأهرام .
ورضيت بعد الفكرة ببداهتها ؛ لأن الليلة وإن لم تكن مقمرة فقد كانت ناعمة منعشة ، خفيف ظلّها ، عليل هواؤها . فراح الحوذيّ يحثّ بالسوط خيله ، ومريم تقول في نفسها : نزهة ساعة فيفرجها الله . ولكن بعد أن اجتازت العربة كبري النيل ملكها وهم مخيف ؛ لعلمها أنها وحدها ، وفكّرت بما احتالت به على الحاج محيي الدين ، فظنت أنه رآها لما مرّت أمام بابها وأنه الآن يقتفي أثرها ، فسألت الحوذيّ خائفة : أترى عربة وراءنا ؟
فقال : لا .
فقالت : قف قليلا .
وأصغت ثم قالت : إن عربة وراءنا قريبة منا ، أسرع ، أسرع .
فامتثل الحوذيّ أمرها ، ودخلت العربة مسرعة في طريق الأهرام الجميلة بين صفين من شجر السنط والكينا تحت قناطر من أغصانها المتعانقة ، ولا صوت يزعج سكينة الليل غير صوت حوافر الخيل العادية . وما هي إلا برهة حتى رفع إلى مريم خيال الهرم الأسود ، كأنه قبع الخفاء على رأس الصحراء ، فأوقفت الحوذيّ ثانية وهي لم تزل أسيرة الرعب والأوهام وسألته : وهل من مبيت عند الأهرام ؟
– هناك نزل جميل يا ستّي .
– حسن ، أسرع ، أسرع !
وبعد قليل وقفت العربة قدّام النزل على حدود البادية فترجّلت مريم والخوف والجرأة يتناوبانها ، فإذا هي لأوّل مرة أمام الهرم الكبير الواقف كطود من الظلمة في بحر من الرمل راقدة أمواجه ، تحت سماء هجرتها نجومها ، بل هو قلب الليل وقد جسّمه الزمان ، فهالها خياله ، وهالها ظلامه ، وهالتها الوحشة المخيمة حوله وفوقه ؛ وحشة البادية ، ووحشة الليالي ، ووحشة الأجيال والأزمنة . ومع ذلك فقد أحبت مريم أن تشاهده قريبا في تلك الساعة ، فسألت الحوذيّ أن يرافقها ، فتردد خائفا .
– ما بالك ؟
– ما لنا وله يا ست ، الهرم يتكلم في الليل ، وربي الموتى فيه ينهضون ليلا ليتنزهوا على الرمال وحق النبي !
– كلام صبيان ، امش معي ، امش قدامي .
فخجل الحوذيّ ومشى مترددا في الطريق التي توصل إلى الهرم الكبير وهو حائر في أمر هذه السيدة معجب بشجاعتها وإقدامها ، وبينا هو صاعد في الدرجات تعثر بشيء صرخ بين قدميه فهلع قلبه ورجع أدراجه ، فنهض الحمّار الذي كان نائما هناك مذعورا ينادي رفيقه حمّارا آخر نائما قربه ، يدعى : محيي الدين .
– يا محيي الدين ، يا محيي الدين .
فوقفت مريم مبهوتة لاستماع هذا الاسم هناك وعادت تسارع إلى العربة ، وتسائل نفسها قائلة : كيف سبقنا اللعين ؟ كيف سبقنا إلى الأهرام ؟
ثم أمرت الحوذيّ أن يعود إلى البلد مسرعا .
– قلت لك يا ست : إنّ الهرم يتكلم وإن الموتى فيه يخرجون ليلا للنزهة ، وحق النبيّ إن من تعثرت به منهم . وسقط بسوطه على الخيل يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم . ومريم قد أخذتها الرعبة ، وملكها مما توهمته الخوف باتت تلك الليلة وطيف مخيف ، طيف الحاج محيي الدين يلازمها في يقظتها ويطاردها في نومها .