الفصل 16

13 0 00

عند انقضاء فصل الشتاء حسب عاطف بك حسابه فأدهشته الأرباح ، ولكنه أدرك أن إيراد الكازينو في الأسابيع الأخيرة لم يكن كذي قبل ، بل بدأ ينقص قليلا .

– ما قولك يا محيي الدين ؟ لا أظن الناس يقبلون على غصن البان في الموسم القادم كما أقبلوا عليها هذه السنة .

– هذا من باب الحدس والظن ، غصن البان متفننة جدا ، وقد تجيئنا السنة القادمة برقص جديد ، ليس من رأيي أن نتنازل عنها .

فقال عاطف بك وهو يفتل شاربه مبتسما : لا أسألك أن تتنازل عنها ولكن الكازينو …

– دعنا من المزح ، سأسافر هذا الصيف إلى سوريا ولبنان .

– وتستصحبها ؟ الله درّك !

– بل أتركها لك في مصر وكي لا تتفلت من يدنا ينبغي أن تجدد الوثيقة معها ، وأسألك إكراما لي أن تكرمها وتقضي لها ما تسألك قضاءه من الحاجات .

– هي الآن بغنى عني وعنك .

– وهذا السبب في وجوب إكرامنا .

– إذا كان المرء بغنى عنك فإكرامك له تزلف إليه .

– ليكن ذلك ، المصلحة يا عاطف بك المصلحة .

– صلّ عليها وعلى النبي . ليكن ما تريد . وكذلك كان . جددت الوثيقة ، وقضت غصن البان بعض أشهر الصيف في الرمل بالإسكندرية وبعضها في حلوان ، وسافر الحاج محيي الدين إلى سوريا ولبنان وعرّج في عودته على حيفا فزار الناصرة وتوصل بعد البحث إلى مقابلة الست هند قرينة صاحب الفضيلة يوسف أفنْدي مبارك ، وعاد إلى مصر مسرورا بما علم من سيرة مريم الخادمة سابقا ، الراقصة الشهيرة الآن .

وفي ذات يوم بعد أن فتحت الكازينو أبوابها لتستأنف غصن البان العمل فيها ، جاء الحاج محيي الدين يخاطبها فقال : قد نوّه بك في حضرة أفنْدينا ، وقد علمت من صديق لي في المعية أن سموّه يرغب بإكرامك ، وسنسعى جهدنا في ذا السبيل ؛ لأنك يا غصن البان أهل لكل إكرام .

– أشكرك يا سيدي محيي الدين ، وأرجوك أن تعذرني ، أن ترحمني ، أن …

– وما معناك ؟

فشرقت غصن البان بريقها ، وقالت : أيحتاج مثلك إلى الشرح والإيضاح ؟

ثم وقفت كأنها تطارد أفكارها المتشردة ، ثم قالت : اعذرني ، اعذرني ، لا تبال بما قلت ، لا تؤاخذني .

– ليس ما يستوجب الاعتذار والمؤاخذة ، أنت حرة ، وأنا من أبناء العصر القائلين بحرية النساء ، وليطمئن بالك .

وبعد أسبوع جاءها يقول : البشرى ! لقد أمر أفنْدينا أن تمثلي أمامه في قصر القبة ، وهذا شرف لم تنله راقصة قبلك ، لا تشكريني ، فلست الساعي بذلك ، ولا الفضل لي ، إنما نحن نسرّ لسرورك ، ونشاركك أيضا في ذا الشرف وذا الإكرام .

رقصت غصن البان في قصر القبة أمام سمو الخديوي فأعجبه جدا رقصها وأثنى عليها ، وجعل أعضاء الأسرة الخديوية وأعيان القاهرة يعزمونها بعد ذلك لترقص في بيوتهم ، فغرّها الفوز وطمحت نفسها إلى المزيد فيه ، ومع أنها أدركت أن هؤلاء الأعيان يعزمونها كراقصة لا كسيدة من أتراب نسائهم ،

فظلّت طامحة شافنة ثابتة في ظنها ؛ بل في وهمها أنها لا بد أن تنال منزلة سامية في الهيئة الاجتماعية ، وكانت غصن البان تسرّ لنفسها أن رغبتها الشريفة إنما هي شريعة ينبغي أن يحترمها الناس .

ولما جاءها ذات يوم دعوة إلى البالو الخديوية من السر تشريفات ، لم يخطر في بالها أن هذه أيضا من مكارم الحاج محيي الدين ؛ بل من دسائسه ، بل ظنت أن آمالها بدأت تحقق وأن ذلك من طلائع ما تستوجبه منزلتها .

حضرت غصن البان البالو تستصحب صديقها الشاعر مصباح أفنْدي ، فالْتقت هناك بصاحب الكازينو ، فجاء يسلم عليها ويهنئها ويلاطفها .

– نوّرت القصر يا غصن البان ، يا محجة أنظار الناس يا …

– حسبك من هذا يا سيدي محيي الدين .

– كلمة أقولها لك !

فمشت وإياه إلى ردهة النخيل وجلسا على ديوان محفوف بأنواع الأزاهر والنباتات ، ونجوم السماء تبدو من سقف الزجاج كالعصفر والأقحوان في سهول لبنان .

– فضلك يا غصن البان على الكازينو عميم ، وقد أصبحت ذات منزلة عالية

— لا تقاطعيني ولا تعتذري وتتعللي حسب عادتك — البيت الذي أنت فيه لا يليق بك ، فالإدارة تعدّ لك بيتا مفروشا في شارع قصر النيل ، ونرجوك أن تقبلي هديتها فتقيمين فيه ما زلت في القاهرة .

فدهشت غصن البان واغتمّت جدا ولم تفه بكلمة جوابا .

– ما بالك ؟ أترفضين هدية الكازينو ؟

فرفعت يدها إلى جبينها كأن صداعا أصابها ، وقالت : أدركت يا سيدي محيي الدين دقائق صنعك ، قتلي والله تروم بفضلك ، إنك لأظلم الناس ، لأظلم الناس ، تكرمني وأنت تذلني ، تكرهني وتحسن إليّ ، وأنت تعلم أنني لا أحبك ، لا أحبك .

ارحمني ورقّ لحالي ! وولله إن ملكتني فلا تملكني حية ، اعذر مني حرية قولي وحرية فعلي ، هذه شيمتي .

– أكرمك فتشتميني ، ولا بأس ، ولكنك مخطئة في ظنك ، لقد أدركت من زمان ما جهرت به الآن فمنعت قلبي عنك ، وإن ما نلته من الإكرام في هذه الأيام هو بعض حقك ولا فضل لي في شيء منه ، تأكدي ذلك ، وليس البيت هدية مني ، قلت لك .

– حسن حسن ، أقبله على شرط أن أحاسب الإدارة به ، أدفع الأجرة من كيسي .

– لا فرق ، لا فرق .

نقلت غصن البان إلى بيتها الجديد فأقامت فيه محفوفة بالخدم ممتعة بنعيم الدنيا ؛

نعيم الاجتماع ، وبذلت في فرشه وزينته فوق ما كانت تحصله من المال ، وأمسَى بهوها مجتمع الشعراء والكتاب والباكوات من الطبقة التي قلّما تراعي اصطلاحات الاجتماع ، ولا يهمهم أن يقال فيهم : إنهم من أتباع راقصة أو مغنية ،

وكانت تعد لهم المآدب الفاخرة وتدهشهم كلّ مرة بتحفة جديدة ابتاعتها أو بأثر نادر عجيب ، وبكلمة أصبحت غصن البان ربة بيت وصاحبة منزلة ، لا تعترض كلمتها في المجالس ولا يرد في مخازن البلد طلبها .

ولكنها مع ذلك ظلّت راقصة في اعتبار الناس ، وكثيرا ما كانت تتألم حتى من الأقربين إذا تجاوزت حدّها ، ولا غرو ، فالراقصة في الشرق مهما أتقنت فنّها وأبدعت لا تستطيع أن تكتسب إكرام الناس الحقيقيّ المجرّد من مشوهات الغرور والادعاء

الغور والتعطف ، رقصت أمام الخديوي فانتقد بعض الصحافيين سموّه وطعن بها طعنا ذميما ، حضرت البالو فقيل به : هذه بدعة لا تغتفر ! فتحت بيتا في شارع قصر النيل فصاح نساء الأعيان : وغدا تدعونا من أترابها ، إلى متى هذا الغرور ؟

حاولت غصن البان أن ترفع نفسها اجتماعيا إلى منزلة فنّها فلم تفلح ، فعادت إلى نفسها تعيش حرّة مستقلة كما يطيب لها ، وقنعت بشهرتها التي لا تلبث أن تزول ، ونعيمها المادي الملازم مثل ذي الشهرات وبمن حام حولها من المتحذلقين والكيّسين عشاق جمالها .

ولا يجوز أن نغفل حقيقة هامة في حياتها ؛ وهي أنها لم تستسلم إلى الأقدار تمام الاستسلام ، فكانت تسعى دائما لنيل ما تتوق إليه نفسها وما يتطلبه عقلها وقلبها ،

فثبتت في الجهاد حتى الفوز أو الفشل ، وهي وإن عاشت لأميالها وأهوائها فلم تكن كسائر الراقصات والغواني ، ولكنها فيما شاع عنها من أمر غرامها وحرية اختيارها أثارت عليها خواطر زميلاتها ومن حرم مجلسها وهبات قلبها من الطالبين ، وقلّما همها ذلك ، قالت الراقصات : تعيش مثلنا وتترفع علينا ، ما شاء الله !

وقال بعض الشبان : إن هي إلا مومسة .

وكان الحاج محيي الدين يسمع مثل هذه التهم والفريات فيغضي عليها ويستمر في إكرام غصن البان .