جاء ذات ليلة خادم الكازينو يقدم إلى غصن البان بعد أن أتمت رقصها باقة من الورد ، فلمّا وقع نظرها على البطاقة فيها اعتراها هزّة مبهجة مزعجة معا ، فارتدت ثيابها وهي تفكر بمن خدعها في باريس وجفاها وجاء اليوم يجدد عهد الحب ،
ولكنها مع ذلك لم تكره نجيب مراد وقد أعجبت الآن بجرأته وإقدامه ، ولما قابلته مرحبة باسمة بادرها قائلا : لا شك أنك ناقمة عليّ
– لا لا ، وحياتك .
– وحياتك إن أمرا هاما استدعاني ذاك اليوم من باريس ولم أتمكن من …
فقاطعته غصن البان قائلة : لا ذنب مع استغفار ، فقد عذرت وصفحت ، قل لي : كيف حالك ؟ ومتى جئت القاهرة ؟ وكيف علمت بوجودي هنا ؟
– جئت القاهرة منذ أسبوع ولما قرأت في الجرائد عن الراقصة الشهيرة في الكازينو قلت : هي مريم لا شك .
– اسمي الآن غصن البان .
– نعم يا ست غصن البان ، تفضلي .
– إلى أين ؟
– إلى نزل كنتيننتال نتناول شيئا من الطعام .
وبينا هما جالسان إلى المائدة عاد نجيب مراد إلى موضوع سفره من باريس ، فقاطعته ثانية تقول : غيّر هذا الموضوع ، لا حاجة يا صديقي لاعتذار ،
أمّا قصتي بعد أن سافرت فطويلة أقصها عليك في غير ذا الوقت والمكان .
ودخل إذ ذاك مصباح أفنْدي فأبصر غصن البان ، فجاء توا يسلّم عليها .
– أهلا بشاعري العزيز ، تفضل ، سأدهشك بعلمي ، البارح زارني أحد المشائخ فعلمني آية أتلوها الآن عليك ، اجلس حيث يؤخذ بيدك وتبرّ ، لا حيث يؤخذ برجلك وتجرّ .
– ألحنت ، واللحن جريمة ، تبر وتجر لا تبر وتجر ، اذكري ذلك ، فلو سمعك الشيخ لنفض منك يديه .
– النحو والمشائخ سيان عندي ، بل النحو مثل المشائخ شعره أبيض ، بارك الله لك فيه ، أقدّم إليك صديقي نجيب أفنْدي مراد من أعيان بيروت .
– أنعم وأكرم ! شرّفت بلدنا .
– وحضرته …
فقاطعها نجيب قائلا : حضرته بغنى عن التعريف ، مصباح أفنْدي شرفت فآنست .
– جئتك يا غصن البان بخبر مدهش .
– وما هو ؟
– في القاهرة شخص واحد لا يعجبه رقصك .
– من هو ؟ قل لي من هو ؟ فقد سئمت من يعجبهم رقصي ، فلا شك أن الرجل ممتاز بعقله .
– هو واعظ شهير ندّد بك على منبره .
– أفسدت الطبخة ، هو شيخ من مشائخ الأزهر ، ولا عجب .
– بل هو قسيس من قسس النصارى يعلّم في إحدى مدارس الإفرنج هنا .
– أنعم وأكرم بشيخك وبقسيسي ، ليتك تركتني في وهمي ، فقد مثلت لنفسي رجلا مثلك أو مثل نجيب أفنْدي ووددت التعرف به .
فقال نجيب : لو زرت سوريا ورقصت هناك لشاهدت من مثل هذا الرجل المئات والألوف ، كلنا في سوريا هذا الرجل ، لا نرى في مثل رقصك ما يراه إخواننا المصريون .
– أي إنكم لا تخدعون مثلنا ، لتهنأ سوريا بحصافة رجالها !
– بل لا نتأثر مثلكم ، أرجوك المؤاخذة ، فقد أسأت فهمي ، أردت والله ثناء .
– وأنا كذلك .
فقالت غصن البان ضاحكة : والحمد لله على سلامتي ، خطر في بالي المثل السائر ، ولكنه لا يليق بذا المقام ، فلا بأس إن تقارضتم الثناء باسمي على شرط ألا تشاركوني به ، لنشرب سر مصر وسوريا .
فقال نجيب مراد : وفلسطين أيضا .
فتجهمته غصن البان وقالت على الفور : لا أشرك مع البلاد المقدسة بلادا .
– الحق معك ، ولكن الفن يا غصن البان يتعدى مثل الدين البلاد ، ومصر بلاد الفن قديما وحديثا ، سر سوريا ومصر .
ثم قال نجيب مراد ليظهر للشاعر أنه أسبق إلى قلب الراقصة الشهيرة منه : أتذكرين يوم شربنا هذا السرّ في باريس ؟
فاغتاظت غصن البان ولم تكترث بما قال ، وفي تلك الآونة قرب من المائدة رجل نحيل الجسم عدل القامة يناهز الأربعين من العمر ، حنطي اللون غائر العينين في وجهه أثر الجدري وأثار القصف والتهتك ، وهو يلبس عوينة كأكابر الإنجليز ويميل بطربوشه حتى حاجبه الأيمن فيكاد والزجاجة يتماسان ، فأبصرته غصن البان قادما إليها فبادرته وهي جالسة بالسلام ، ومدّت إليه يدها فقبلها .
– أهلا بسعادة الباشا ، جئت بوقتك لتخلصني من حجر الرحى ، أكاد أسحق بين حب سوريا وحب مصر ، بل بين التجمل والمسايرة ، وأنت لا تجامل حتى غصن البان ، ولا عجب فأنا لا أحبك ولكني أحب حديثك ، تفضل ، اجلس بيني وبين الشاعر ، وأجرني منه .
ثم قدمت إليه جليسيها وقالت تعرفهما به : صاحب السعادتين الحائز على الرتبتين المصرية والإنكليزية ، بل ولي النعمتين — نعمة الملك ونعمة الأمير — سر همت باشا .
فأحنى سر همت رأسه باسما ابتسامة الازدراء ولسان حاله يقول متهكما : علمت شيئا وفاتت عنك أشياء ،
ثم أمر الخادم أن يحضر زجاجة من الشمبانيا . وقال يخاطب غصن البان : هل سررت في الإقامة بحلوان ؟
– كيف لا وجئت بهذا السعال المكرب ؟ أرجوك ألا تذكرني بها ، سر همت باشا يا نجيب أفنْدي عالم أسر … ما هي الكلمة ؟
– أثري .
– أثري ، أثري ، أي إنه لا يهتم لغير الماضي ؛ الماضي القديم البعيد ، يحفر القبور ، ويغازل الموميات .
– أخطأت ، ننقل القبور إلى القصور ، فإنها أجدر بميت كريم من حيّ لئيم ، ونغازل الخالدات الذكْر لا الموميات ؛ الخالدات الذكر عرائس الحب ، لا يهمني من الحاضر غيرهنّ ، والبخور نحرقه في هياكلهن ، والخمر نشرب على ذكرهنّ ، وما سوى الحبّ والخمر هلس كله بهلس ،
الاحتلال الإنكليزي ، والحزب الوطني ، ومشائخ الأزهر ، ومفتي الديار المصرية ، وتحرير المرأة ، والبالو الخديوية ، ورقص غصن البان هذه كلها تدل على أمر واحد هام ، وهو أن الناس هربا من فراغ في قلوبهم وظلام في عقولهم وعقم في نفوسهم ؛ يتلهون بالخزعبلات السياسية والاجتماعية وبالتخرفات الدينية والفنية ،
ترقص غصن البان فتعبث بالعقول والقلوب ، يخطب مصطفى كامل فيطرب الناس ، يتفلسف الشيخ محمد عبدهفيسلينا ، يعظ شيخ الأزهر فيضحكنا ، تصدر أوامر النظارة الخارجية من إلى المعتمد الإنجليزي فتبعث بنا إلى الحمام ، يصدر قاسم أمين كتابا فترتفع ستريت في البلد ، صلّ على النبيّ ! اكتشفت أمس اكتشافا يزعزع اعتقاد هؤلاء النسخات أسعار النوابغ كلهم لو أنهم يعلمون ، مددت يدي أمس إلى صدر ملكة من ملكات الفراعنة …
فقاطعته غصن البان هاتفة : يا للفضيحة ويا للعار !
– أي والله ، جسارة هي بل سوء أدب مني ، ولكن العلم في بعض الأحايين فضولي ، مددت يدي إلى صدر الملكة فلقيت فيه صفيحة من البردي كتبت فيها هذه الكلمات : . سأوافيك غدا نصف الليل إلى البستان تحت شباك البهو الكبير – الله لله ! يا دائم يا كريم ! .
– نعم ، كل ما سوى الحب يا ست غصن البان هلس بهلس ، كله يزول لعمري إن في ذي الرسالة سر الحياة . سأوافيك نصف الليل إلى البستان تحت شباك البهو الكبير ، علمت بعد البحث والتنقيب أنه فيها اسم الكاهن الأكبر ولكن فيها ما هو أغرب من اسم الكاهن الأكبر ؛ فيها اسم كاهن الهيكل الملوكي .
ورفع النظارة إلى عينه يثبتها تحت حاجبه وهو ينظر إلى غصن البان كأنه يسائلها رأيها ، فقالت : وهل وافته الملكة ؟
– وافته إلى البستان ورافقته إلى قدس الأقداس في الهيكل ، وماتت في سريره وأوصت أن تدفن الرسالة معها وفي صدرها ،
إنما هذه الخالدات الذكر ، تزول الأديان والأمم ولا يزول الحب ، تتغلب العادات والسياسات وتتغير الأزياء والأسماء والحب هو هو — خالد أزلي أبدي ، والعاقل لا يهتم في الحاضر لسواه .
– وهل عثرت يا سر همت على مومية راقصة من راقصات الزمان القديم ، أو على أثر من آثار الرقص في الصور والتماثيل ؟
– عندنا كثير منها .
– بالله حدثنا بها .
– غدا أرافقك إذا شئت إلى المتحف المصري وأطلعك على آثار الرقص وصورالراقصات والراقصين ؛ لأنّ الكهان في قديم الزمان كانوا يرقصون والعذارى في الهياكل …
فقاطعه مصباح أفنْدي قائلا : ويدعونهنّ بعدئذ إلى قدس الأقداس ؟ ! الله من الكهان !
– ولكن رقصهم جميل يشابه في بعض حركاته رقص غصن البان .
فقال نجيب مراد : واللبنانيون حتى اليوم يجتمعون في الكروم في عيد مار باخوس ؛ أي ما يدعى باكانال إله الخمر عند الرومان ، فيرقصون رجالا ونساء كما كان الرومانيون قديما يرقصون فيهرجون ويمرجون ويسكرون أيضا رجالا ونساء .
– يظهر أن كل جميل مبهج في الحياة أصله الدين ، كالرقص مثلا والشعر والتصوير والنحت ، كل الفنون الجميلة عند اليونان والرومان قديما وعند الأوروبيين حديثا إنما الدين أوحاها إلى نوابغ البشر ، ولكن الأديان اليوم قد أفلست فلا توحي إلى الناس غير الجهل والتعصب والرياء .
– ما أسرعكم إلى تجريم الأديان ! الجهل يا مصباح أفنْدي ، والتعصب والرياء من حقائق الوجود الملازمة يمازج الخير شرها ، الجهل مفيد ، لولاه مثلا ما احتل الإنكليز مصر فتنتصر على الإنكليز وغدا يخيم على جيش الاحتلال ويتسلل إلى قوة سياسية جديدة ، لولا الجهل مثلا ما ظهر مصطفى كامل وأمثاله في أوروبا من زعماء الشعب الممخرقين ، ولا غنى للشعب عن البهلوان يسليهم في ساعات اليأس ويضحكهم أوقات الضجر ،
البهلوان في السياسة أو في الدين أو في الملاهي ألزم منك يا ست غصن البان ، أما التعصب فهو لازم لحفظ التوازن بين الشعوب ، وبين عقائدهم السياسية والدينية ، التعصب أساس كل اعتقاد ، والاعتقاد أساس الإيمان ، والإيمان أساس العمل ، والعمل ! لولا العمل لكانت الأرض قفرا بلقعا ،
أما الرياء فإن هو إلا درع نتدرع بها على لؤم اللؤماء وجور الأمراء ، بل الرياء حجاب تسدله على نفس حساسة تأبى السفورفي الاجتماعات ، حيث يختلط الحابل بالنابل ويحتك منكب الصعلوك بمنكب الأمير ، وها صديقي الحاج محيي الدين أخبث الناس وأشدهم تعصبا قادم إلينا ، يا حاج محيي الدين .
فسارع الحاج إلى سر همت يسلم عليه معتذرا مستغفرا .
– أثنيت عليك في حديثي ، قلت : إنك أخبث الناس وأشدهم تعصبا ، فينبغي أن تشاربنا ، هذه الكأس فقط .
– لا أقبلها إلا من يد غصن البان .
– تعطفي إذن يا غصن البان !
– فاتك يا سيدي محيي الدين استماع حديث سر همت باشا ، فقد حبب إلينا الموت والحب .
فقال الحاج متهكما : بل الحب والموت !
– ونعم ، وصرت أود أن أكون مومية من الموميات . – لأفتش في صدرك عن رسائل الغرام ؟ ها ها !
– دعنا من المزح ، فإن حديثكم يا سادتي لذيذ مفيد جدا وبالأخص لفتاة جاهلة مثلي ، مدحت الجهل يا سر همت إكراما لي فأهنتني ، أودعك ناقمة عليك .
ونهضت إذ ذاك غصن البان فنهض جلساؤها كلّ يريد تشييعها إلى منزلها ، فقال سر همت : نلقي القرعة .
– لا لا ، قد تقع عليك ، نجيب أفنْدي يشيعني الليلة .
وركبت وصديقها القديم عربة أوصلتهما إلى منزلها ، فدخلا الجنينة والحارس نائم في صندوقه عند الباب ، فوقفت غصن البان تودع نجيبا ، فقال مدهوشا : أتغيرين عادتك معي ؟
– لا بل هذه العادة ، أنسيت باريس يوم كنت تشيعني إلى منزلي عند مدام لامار .
– ولكني لم أنس …
فقاطعته قائلة : لا لم تنس فوزك بل نسيت مقدماته ، نسيت المكارم التي تكلفتها لتنال إربك ، وأنا لم أنسها ، فقد اتخذتها شرعة حياتي ، دقائق الحيل يا نجيب تغتفر إذا علمتنا وهذبتنا ، وقد غفرت بعد أن أدركت حيلتك ، وسأحفظ لك ذكرا جميلا في قلبي ، ليلتك سعيدة .
ولم تقف غصن البان لتسمع جوابه بل دخلت إلى بيتها وأقفلت الباب ، فجاءت الخادمة تعينها في خلع ثيابها وتعد لها الحمام .
وفي تلك الآونة طرق الباب طارق ، فجاءت الخادمة تفتح ، فإذا بمصباح أفنْدي مضطرب البال مكفهر الوجه يطلب مقابلة سيدته ، فارتدت غصن البان ثوب الحمام واستقبلته في باب غرفتها .
– أفلا تأذنين لي بالدخول ؟
– لا ، لا ، أهنتني في مجيئك الآن جئتني متجسسا ، وهب أنّ الرجل عندي في هذه الساعة فما حقك عليّ ، ألم أقل لك مرارا : إنني حرة ، مستقلة ، ولية أمري ، ولية نفسي ، أمنح من أريد حبي وأحرمه من أريد ؟
– وستدركين خطأك وستندمين . إنك يا صديقتي لفي ضلال مبين ، من تمنحينه حبك فيمنحك حبه يلقي في قلبك مسئولية عظيمة إذا كنت ذات وجدان ، الحب يا غصن البان تقتله الحرية المطلقة كما يقتله الأسر المطلق ، إذا أحببتك وكرهتني فرحمة الله عليك ، إذا أحببتني وكرهتك فرحمة الله عليّ .
– لا أدرك معناك .
– أولا تقولين ادخل فأوضح ؟
– لا ، لا .
– ألِأنَّ في الداخل من تؤثرينه عليّ ؟
– ذلك لا يعنيك .
– ستندمين على ذا التصرف .
– لا أندم على شيء أفعله من تلقاء نفسي ، اتركني وحدي .
– لو تأكدت أنك وحدك …
– كلمتي شرفي ، أترتاب بما أقول ؟
– العذاب يذهب بيقيني ، الغيرة تذبح إيماني .
– وإذا أدخلتك تندم ، تندم والله ، إذا أدخلتك تقتل فيّ ما هو أعز من اليقين والإيمان لديك .
– إما أنا وإما هو .
– في دخولك منزلي الليلة خروجك من قلبي إلى الأبد ، ادخل ، ادخل فتش وأرح نفسك .
فدخل مصباح غرفتها وجعل يفتش كالمجنون تحت السرير وتحت الديوان ووراء السجوف ووقف مذهولا حائرا بل مدحورا مذموما .
– أفلا تخجل الآن ؟
– وما أدراني ؟
– ألم تزل في ريب مما أقول ؟ لقد جنيت على نفسك !
وصفقت كفا على كف فجاءت الخادمة .
– شيعي مصباح أفنْدي إلى الباب .