الراهب الذي ذكره مصباح أفنْدي تلك الليلة في نزل كنتيننتال إنما هو راهب البحيرة ؛ ذاك الذي كان في طبريا يستحم بحماماتها المعدنية يوم كان القس جبرائيل مقيما في تلك الناحية ومريم ، بل هو القس بولس عمون الذي اجتمع به القس جبرائيل بلبنان ، ولما سافر فجأة من طبريا جاء إلى مصر يعلم اللغة العربية في إحدى مدارس الإفرنج ، وقد يذكر القارئ أن القس بولس من علماء الكنيسة العصريين ، فيلسوف روحي غزير المادة ثاقب الفكر يجمع بين أشد النزعات الدينية والأدبية مؤلفا مقارنا ، بهي الطلعة ، حاد النظرات فصيح اللسان ، شديد العارضة ، يحمل في عظاته الرنانة على كفر شبان العصر مستشهدا بفولتير ، وعلى تهتكهم وفحشهم مستشهدا بالقديس أوغسطينوس ، وما لبث أن اشتهر في مصر وأصبح محترما معززا في قومه يشار إليه بالبنان . ولما ظهرت غصن البان تحدجها الشهرة من كل مكان ، وجعلت الجرائد تنشر الفصول الطوال فيها مطْرية مغرقة ، والناس من علية القوم وعامتهم يلهجون بذكرها ، طفق القس بولس يندد في عظاته بها ويحذر الناس من ذا الجنون بخزعبلات الملاهي والفنون المؤدية إلى فساد في الذوق ، وفي الأخلاق ، وفي العقول . والقس بولس حر الكلمة شاذ الطباع لا يحفل بأقوال الناس إذا رام عملا ، ولا يهمه انتقاد إخوانه إذا انبرى يناصر ما يظنه حقا وعدلا ،
فقد ذهب ذات ليلة إلى الكازينو ليشاهد بعينه رقص غصن البان ، فلما ظهرت الراقصة على المسرح في مظهرها البسيط الفتان اعترته هزة إعجاب أحدثت في قلبه تأثيرا جديدا ، بل استيقظت فيه عاطفة الحنان والوداد — أجل فقد سحر القسيس برهة كسائر الناس ، أوقفت حركات الراقصة حركة المنطق فيه والبيان ، أفسدت حجته ، بلبلت أفكاره ، ولكنه لم يلبث أن عاد إلى علمهوتقاليده — إلى معقوله في الأشياء ومنقوله ،
واستمرّ يندد برقصها ويحذر الناس من السم في دسم فنها ، ومن الشر في سحرها .
وفي صباح ذات يوم بينا هو ذاهب إلى الكنيسة خطر له خاطر استعاذ بالله منه : أحق ما أقول ، أعدل ما أنا فاعل ؟ ومن هي يا ترى هذه الفتاة من أين ؟ فإن بين رقصها ورقص بقية الراقصات فرقا عظيما ، في رقصها شيء من التقوى ، شيء من العبادة ، شيء من الحزن ، أحق ما أقول فيها ؟ أعدل ما أنا فاعل ؟
وظلت هذه الأفكار تتجاذب معقوله ووجدانه حتى حملته ثانية إلى الكازينو ، جاء يطلب مقابلة صاحبها الحاج محيي الدين . فأدخله الخادم إلى الإدارة فاستقبله الحاج مرحبا وأجلسه على الديوان ، فعرّف القسيس نفسه إليه قائلا : وقد تظنها خبثا ونفاقا ممن يندد براقصتكم الشهيرة ويرغب بمشاهدة رقصها .
فهتف الحاج مرددا وهو يعد سبحته : أستغفر الله ، أستغفر الله ، سبحانه تعالى جبلنا كنا من طينة واحدة ؛ الحاج والقسيس والراقصة ، والله سبحانه يحب الجمال .
– وهل لك أن تطلعني على شيء من أمر هذه الفتاة ؟ هل هي من مصر ؟
– لا يا سيدي ، لا ،
وجاء إذ ذاك الخادم بالقهوة .
– تفضل ، لا ، لا ، العفو ! وما الغرض من سؤال سيادتكم ؟
فسكت القس بولس عن الجواب هنيهة ، ثم قال : سمعت أن اسمها غصن البان إنما هو اسم مستعار .
– هذا صحيح .
وأطرق الحاج قليلا ، ثم نظر إلى جليسه نظرة ساحر يدّعي علم الغيب ، نظرة خبيثة مزعجة وقال : أشعل سيكارة ، وأطرق ثانية .
– ممنون .
فرفع إذ ذاك الحاج رأسه فجأة كأنه لقي ما أضاعه ، أو كأنه يسائل جليسه : وهل أنت الرجل ؟ ثم قال : صحيح ، صحيح ، اسمها الحقيقي مريم ، مريم ، وقصتها عجيبة غريبة ، سبحانه تعالى يمنح آلاءه من يشاء ويحرمها من يشاء ، يرفع الوضيع ويخفض الرفيع ، فإن نشوء غصن البان لمن أعجب الأمور ، ولا أخشى أن أطلعكم على شيء من أمرها ، ولا أكتم سيادتكم — أتأمرون بأركيلة ؟
– ممنون لا أدخن .
– لا أكتم سيادتكم أن تنديدكم بها ينفعها وينفعنا أكثر من مديح الشعراء وإطراء الصحافيين ، ووددت والله لو أن مشايخنا مشايخ الأزهر يقتفون أثركم ، ما لنا وهذا ؟ ! مريم يا سيدي ولدت في قرية صغيرة قرب الناصرة ، وتربت في دير من أديرة الأيتام فيها ، وخدمت سنتين في بيت أحد الوجهاء هناك ، و…
وأمال الحاج بعمامته إلى الأمام وتثبت في جلسته على الديوان وهو يحدق النظر بالقسيس ، ثم قال : وحدث لها من الحوادث ما لا يليق ذكرها ، حوادث محزنة ، محزنة جدا ، وجاءت القاهرة من باريس ، وهي الآن
— لا تؤاخذني — ربة الرقص في البلاد ، هذه قصتها بإيجاز ، سبحانه تعالى وهّاب الذكاء ، رب النعم والآلاء ، يمنحها من يشاء ويحرمها من يشاء ، الذكاء نعمة ، والجمال نعمة ، وغصن البان …
فقاطعه القس بولس قائلا : وهل لك أن تدلني إلى بيتها ؟
– على الرأس والعين .
وصفق كفا على كف فجاء الخادم ، فقال يخاطبه : دلّ سيادة المحترم .
– لا ، لا ، لا أكلفه إلى ذلك ، وليس غرضي… تكرّمْ بعنوانها فقط .
– كما تريد ،
وأدى إليه ورقة كتب فيها عنوان غصن البان . فأخذها القس بولس ونهض شاكرا مودعا ، فشيعه الحاج محيي الدين إلى الباب ، وشيعه بنظره وبفكره إلى ما وراء الأبواب وهو يعد سبحته ويهز رأسه متأملا حائرا .