الفصل 24

13 0 00

دخل فريد إلى البيت راكضا ينادي الماما ، فأمسكه القس بولس وأجلسه على ركبته يقبله ، ويقول : الماما نائمة الآن ، ألا تحبني يا ابني ؟

– من أنت ؟

– أنا أبوك .

فهز فريد رأسه مشككا ثم قال : لا ، لا ، عمّي القس جبرائيل قلي البابا ساب ظليف .

– صحيح يا ابني ، واليوم نراه إن شاء الله .

– اليوم ؟ البابا ؟ البابا كمان ؟

وجعل يصفق بيديه طربا .

– أي نعم .

– ومن أي بزي ؟

– من حيفا .

– وأين هيفا ؟

– حيفا عند البحر .

– البحر في تلهوم ؟

– لا ، لا ، البحر بعيد ،

فهز فريد رأسه عابسا .

– لا يزي البابا اليوم .

وكان الصغير مصيبا في ظنه ؛ لأن عارف مبارك سافر من حيفا ذاك النهار إلى الناصرة فبات في بيته هناك ، وعوّل على أن ينهض باكرا فيركب العربة إلى طبريا فيصل إلى بيت عمه في الغور قرب الظهر ، وليلة كان في بيته بالناصرة قصّ على والديه بعض قصة مريم وابنها وأخبرهما بما هو عازم ، فسكت أبوه مطرقا واستشاطت أمه غيظا .

– جننت يا عارف ، والله بالله ! إذا فعلت هذه الفعلة ؛ إذا تزوجت بهذه الفتاة الساقطة لا ترى وجهي فيما بعد ، رح اعمل ما تشاء ، عمّك مجنون ، وقد أصبت بعدوى جنونه ، ابن مبارك يتزوج براقصة ساقطة ، بل بخادمة من خادمات بيته ، يا ربي يا ربي ! أيّ ذنب اقترفنا ليكون هذا قصاصنا ؟ أستحلفك بالله وبأجدادك يا عارف أن تقلع عن قصدك ، أن تسمع كلمتي ، أن تعمل بإرادتي ؛ إكراما لأمك الحزينة ،

عد إلى رشدك ، ارجع غدا إلى أشغالك بحيفا ، اترك هذه الفتاة وشأنها ، اتركها لعمك القسيس المجنون ، هو يخلصها ببركاته وصلواته .

فانتهرها زوجها قائلا : اسكتي يا امرأة ، اسكتي ، في الأمر ما لا تدركينه أنت ، القس جبرائيل أعلم مني ومنك بما هو حق وما هو باطل ، وعارف بعد هذا وذاك راشد يحسن إدارة شئونه بنفسه ، هو الآن ولي أمره ، رح يا ابني ، اعمل ما تشاء وفقك الله !

– وأنت أيضا مجنون ، أنت أيضا تريد أن ترمي بابنك إلى التهلكة ولا تهمك الفضيحة والعار .

فانتهرها زوجها ثانية فخرجت الست هند تسبّه وتسبّ أخاه وتدعو على ولدها وعليهما بالموت العاجل . وفي صباح اليوم الثاني لما كان عارف راكبا العربة قاصدا طبريا جاء القس جبرائيل يسأل مريم أن ترافقه في نزهة إلى تلحوم ليريها خرائب تلك البلد القديمة ، وكان قد سكن جأش مريم ذاك الصباح سكونا يتلو العواصف أو يتقدمها منذرا بها ، فحدثها القسيس في الطريق بما قد يكون اليوم من أمرها وكشف لها الأخير من ستور السر المحجوب ،

فنظرت مريم إلى ما وراءه ساكتة باهتة غير حافلة ، وبعد أن فكرت قليلا قالت لمحدثها : عملت دائما بما تشاء فلا أقاوم اليوم إرادتك ، إنني راضية إكراما لولدي ، سأقبله زوجا لي وإن كنت لا أستطيع أن أعيش وإياه .

– بل ستعيشين وإياه سعيدة إن شاء الله ، عارف يعشقك ولقد ذرف الدموع فرحا حين أطلعته على خبرك وبشرته برجوعك .

– ولقد كدت أغرق في بحر من دموع العشاق المخادعين ، ويا ليتك لم تنقذني منه حية .

– انسي الماضي ماضيك يا مريم ، انسي تلك الأيام السوداء .

فنظرت مريم إليه نظرة حادة محرقة ، وهتفت قائلة : الماضي ؟ ماضيّ ؟ هو شبح مفزع يمشي أمامي ، يظلم الأفق في ناظريّ منه ، يحبس عني نور الشمس ، يقود نفسي إلى الهاوية ، الماضي يا قس جبرائيل سوس ينخر في عظمي ، نار تتأجج في دمي ، نمل يدب في جسمي ، الماضي ؟ ليتك تعرف كيف تعيش المومسات — وقد دعيت بمصر مومسة —ليتك تعرف كيف تعيش المومسات ، وكيف تموت القديسات البارّات ؟

تلبس البائسات فيظن أنهنّ راتعات في بحبوحة من العيش باهرة زاهرة ، وإن لم يلبسن يمتن جوعا ، حريرهنّ مسوحهنّ ، والطيوب التي يذرينها على شعورهن وصدورهنّ إنما هي رماد التقشف والتقوى ، المومسة يا قس جبرائيل إنما هي القديسة ، تمشي وراء ماضيها إلى النار مستشهدة ، وأنا الآن أمشي وراء ماضي ، ومهما كان من مستقبلي فإن ما أساق إليه هو هو ، لا ينقص بلاؤه ولا يزيد ، أنت يا قس جبرائيل مخلصي وأنت صليبي ، قبلتك وحملتك صابرة راضية ، ولكني لعنتك مرارا في قلبي ولم أزل أكرهك .

فحاول القسيس أن يسكّن روعها ويعزيها ببعض كلمات ذاكرا مريم المجدلية ، فنهضت عن الحجر الذي كانت جالسة عليه في ظل صفصافة قديمة ، وغيظ التهكم واليأس يحتدم في ناظريها .

– أي نعم ، مريم المجدلية ! المومسة القديسة ، شهيدة الإيمان والغرام والأوهام ، وأنا ، أنا …

ثم أشارت بيدها باسمة إلى سلسبيل من الماء قريبا .

– تفضل يا مولاي ، هذا الماء وهذي يدي وهذا شعري ، تفضل يا مولاي إلى الغدير ! أظنك اليوم تبارك إكليلي ، فتحرمني إكليل الاستشهاد .

وضحكت ضحكة أعادت الإثم إلى جفنيها واللعنة إلى فمها ، فأغضى القس جبرائيل على ما بدا من تغيظها وتجديفها وقام يناعمها ويطايبها وهو عائد وإياها إلى البيت .

وبينا هما عائدان كان قد وصل عارف من الناصرة فاستقبلته لطيفة طاهية بيتهم القديمة وفريد الصغير . يقال : إن الغريزة أصدق من العقل ، ولا ريب أنها تصح غالبا بين الآباء والبنين ، لما شاهد عارف الولد الذي لم يره قطّ حياته ضمّه إليه وسأله عن الماما ، وكان الصغير يحدجه بنظرات من نظرات الأطفال المبهمة كأنه يستطلع حقيقة أمره ، ثم قال وهو يقبل الغريب : أنت البابا ؟

– نعم يا ابني ، أنا البابا .

– الماما لاهت تسم الهوا مع عمي القس جبلايل ،

وتفلّت منه إذا شاهد أمه وركض يلاقيها ويبشرها بقدوم أبيه وهو يصفق بيديه طربا : يا ماما ، يا ماما ، زا البابا ، زا البابا !

فوقفت مريم في الباب والدم واقف في عروقها تنظر إلى الشابّ الذي لم تشاهده منذ خمس سنوات نظرة الغريب القريب ، بل نظرة الهاجر المحب ، فتقدم إليها يقول : أتسامحيني ؟ أتغفرين لي ؟

فأحنت مريم رأسها ولبثت ساكتة ، فمدّ عارف إليها يديه مستغفرا مستعطفا : سامحيني ، اغتفري ، اصفحي .

فبدت على وجنتيها الدموع كالطلّ على الورد وأخذت يده ذاهلة ساكتة واجفة ، صافحته اليد منها ولم تصافحه النفس ، وليس عارف ممن يشعرون لأول وهلة ببشاشة النفس أو بتجهمها ، فظل قابضا على يدها وتقدم وإياها فأجلسها على الديوان يعتذر إليها ويستغفرها .

فدبّت كلماته في قلب مريم دبيب النار المدخنة في جوانب البيت فأدفأته وأظلمته معا ، أحسّت بحنوّ طالما تاقت إليه في هذه الأيام ؛

حنوّ صاف لا تمازجه الغايات السافلة ولا يشوبه حب المكارم والجميل ، فجاءها كالعاصفة دفعة واحدة فضاقت منه صدرا ، على أنه وإن كانت قد ضعفت بل ضاعت ثقتها بالناس وصارت تخشى حتى المعروف منهم والإحسان ، رضيت بما ساقته إليها الأقدار إكراما لولدها .

جلست على الديوان تنصت إلى كلمات عارف ، معلمها السابق ، والد ابنها ، خطيبهاالآن ، ولم تفه بكلمة واحدة ، وفي تلك الآونة دخل القس بولس فسلّم على عارف مبارك ، فانبرى القس جبرائيل يتمم واجبات التعريف فاضطرب عليه ، فأراحه القس بولس من حيرته وتردده قائلا : أعرفك بنفسي ، أنا زوج سارة الراعية التي توفيت في الناصرة منذ خمس سنوات ، والفتاة الجالسة إلى جنبك بنتي .

فبهت عارف لهذا الخبر وشرع يقلّب نظره بمريم وبوالدها القسيس .

– لا تتعجب من جهري ، من لا يخجل من الصدق أمام الله لا يخجل منه أمام الناس .

فقاطع القس جبرائيل الحديث قائلا : دعونا من هذا الآن ، لقد أشرقت الشمس ؛ شمس الحب والحق وأزفت الساعة ، أترضى يا عارف مريم زوجة لك ؟

– نعم ، نعم .

– أترضين يا مريم عارفا زوجا لك ?

فلم تجب مريم فأعاد القسيس السؤال : أتقبلين عارف مبارك عريسا لك ؟

– ولماذا تسألني ؟ ألم أبح لك بسر قلبي ، كمّل عملك وأرحني منك .

– سرّي عنك يا بنتي خففي من روعك ، هذي ساعة فرحك ، لتكمل مشيئة الله .

ونادى إذ ذاك أجيره أبا إبراهيم ولطيفة ، فقال يخاطبهما : عندنا الآن عرس يا أولادي ، كوني أنت الأشبينة يا لطيفة ، وأنت يا أبا إبراهيم الأشبين .

وبدأ القس جبرائيل بالصلاة ، وكان فريد الصغير أثناء ذلك واقفا إلى جنب أمه متمسكا بردائها رصينا عبوسا حائرا بما هو جار أمامه ، ولما بارك القسيس إكليل العروسين ركض فريد إلى لطيفة يقول : الخلوف زاع ، اسمعيه يمعق ، روهي أطعميه ،

ثم جاء يقول لأمه : اطلعي نطلع علكلم ونأخذ البابا معنا ، العنب استوى ، وأنا أقطفله العنقود .

فضحك القس جبرائيل معجبا ، وقال : خذوا الحقيقة من هؤلاء الصغار ، أجل لقد استوى العنب وحان وقت القطاف ، ليبارككما الله ليبارككما الله !

فنظرت إليه مريم نظرة ودّت لو أنها خنجرا في فؤاده .

ثم هنأهما القس بولس وودعهما قائلا : إذا كنتم تستحيون بي فسأخفي منذ الآن وجهي وأمري عن الناس ، وأقيم والقس جبرائيل متنسكا في هذه الديار .

– لا يا أبي لا ، بل يجب أن تقيم معنا

— معي أنا ، لا طاقة لي على فراقك ، سامحني أبي ، اغفر لي ، لقد أهنتك وجرحت قلبك ساعة كنت متألمة متعذبة ، سامحني .

وأخذت يده تقبلها باكية ، فقبلها القس بولس ووعدها أن يقيم قربها : إكراما لأمك وإكراما لك يا بنتي ، ويا ليتني توفّقت في شبابي إلى هذه السعادة التي أنعم الله بها عليك يا عارف ، ليتني ألهمت إلى مثل شهامتك ومروءتك ووفائك ، بارككما الله ومتعكما .

ثم قالت مريم تخاطب زوجها : قم بنا نطلع إلى الكرم إكراما لفريد ، احمله على ظهرك ، امش قدّامي على مهل ، لا تسرع فالمشي يتعبني .

وبينا هم سائرون في البرية جلست تحت صفصافة تستريح وقد اعترتها نوبة سعال شديدة ، فسألها زوجها : أمن زمن تسعلين ؟

– منذ أشهر ، ولم تشتد عليّ الوطأة إلا في هذا الشهر .

– وهل استشرت الطبيب ؟

– لا تسل عما يزيد بآلامي .

ثم نهضت مستنشطة تظهر من الضعف قوة ومشت مصعدة حتى وصلت إلى الكرم على رأس الجبل .

– ما أبدع هذا النهار ، وما أجمل المشاهد حولنا ! تغيب الشمس فتودعها حمائم البحيرة نائحة باكية ، ثم تشرق فتستقبلها نائحة باكية ، كأنها تدرك ما لا يدركه الإنسان من أسرار الحياة وحقائق الوجود ، أنا بائسة يا عارف وأنت قليل الحظ ، سيئ الطالع ، عدت إليّ مستعطفا مستغفرا يوم لا أستحق أن أرى وجهك ولا أن أسمع كلماتك ،

لقد تدنس جسمي ، وتدنس قلبي ، وتدنست نفسي ، آه أوّاه ! حياتي نغمة من نوح الحمام ، حياتي قطرة من دم طائر مذبوح ، حياتي شعاع من هذه الشمس الغاربة ، شعاع لامس الأرض فتبدد نوره ، نقطة دم امتزجت بالتراب فاعتراها الفساد ، أغنية سمعتها آذان البشر فضحكت منها قلوب البشر ، راقصة …

فقاطعها فريد وهو قادم إليها يقول : ماما ، هذا عنقود للبابا .

– خذه منه ، هذا عنقود السعادة ، إذا ظل على الدالية يبلى ، وإذا قطف لا يدوم ، بل هذا الصغير الحبيب عنقود سعادتنا ، ويلاه ! لولاه اليوم لكنت سعيدة ، لولاه لعرفت ما أفعل ، لعرفت مصيري ، لقررت أمري ، لأنهيت حياتي .

– ما بالك يا حبيبتي ، ولم هذا اليأس ؟ إذا كان مرضك يقلق بالك فمرضك إن شاء الله يزول ، غدا أعود بك إلى حيفا نستشير الطبيب ، وإن كنت لا تحبين الإقامة هناك فأقيم وإياك حيث تشائين ، ننتقل إلى لبنان ، إلى مصر ، إلى باريس ، إلى حيث يميل قلبك .

– قلبي لا يميل إلى شيء ، كان قلبي نارا موقدة فصار رمادا ، وبلاد الله في عينيكالغور ، وحياتي كالنبع المالح الذي شاهدته اليوم ، الكامن في الأدغال تحيط به الدفلى وورق البردي والقصب والشوك ، فإذا اخترقتها سالما تشاهد غديرا بهيجا مترقرقا يركض إلى البحيرة منشدا نشيد السرور ، فتهتف قائلا : ما أجمل وجهك في ظلال الدفلى والقصب ، وما أبدع صوتك في سكينة الأدغال ! ولكنك إذا شربت منه تجد مياهه مذقة مالحة .

– كفاك من هذه التأملات المحزنة ، كفاك من هذه الأوهام ، تعالي نشاهد من ذاك المطل مشهدا يزيل الأكدار ويبهج القلوب .

– أين فريد ؟

ونهضت مريم مذعورة تتلفت منادية ابنها ، فأجابها من تحت الدكة ثم صعد الدرجة وجاء راكضا هاتفا : ماما ، ماما ، عسفول ، عسفول .

وكان الولد قد رأى عصفورا متفلتا من قضيب نصبه هناك أحد الصبيان ولم يزل على جنحه شيء من الدبق ، فلحقه وأمسكه وجاء والديه يريهما إياه بهجا طربا : عسفول عسفول ، مسكته تحت الهفه .

فتأمله عارف وقال مخاطبا عروسه : قلبك مثل جنح هذا العصفور ، حطّ على قضيب الصائد ثم تفلت ولم يزل الدبق عليه يمنعه من الطيران ، لذلك أنت حردة يائسة .

– وما أقل حظ من يمسكني ويغسل جنحي ، تعال يا حبيبي نمشي والبابا .

– ماما ، بكله أغسل العسفول وأربطه بخيط .

– برافو فريد ، برافو ! لقد ردّ صغيرنا عليك وأفحمك ، اركب على ظهري ، هات يديك ، مكن رجليك ، امش قدامنا يا حبيبتي فنماشيك ، على مهل ، على مهل .

ولما وصلوا إلى ذاك المشرف العالي بدت البلاد أمامهم في حلة باهية حاكتها شمس المغيب ، فأكسبت مروجها رونقا وآفاقها اتساعا ، هنا سهل الغوير يزدهي ببساتينهوتترقرق فيه الينابيع ماء طهورا ، وماء أجاجا ، وهناك إلى جوانب البحيرة جبال شامخة قائمة كالقلاع على ضفاف البحار ، وسواد أحراجها وأدغالها يستحيل من نور المغيب ازرقاقا فاحمرارا فاصفرارا ، والبحيرة كالطفل على صدر أمه هادئة ساكنة تنصت إلى هديل الحمام وتسمع فوق الهديل حفيف أجنحة النسور ، وهنالك شمالا يبدو جبل الهرمل أبيض اللمّة يحيي الجبال المتوارية وراء قمة طابور ، والشمس فوق الناصرة المحجوبة عمّن وقف فوق سهل الغوير تشع بأشعتها الصفراء المائتة فتملأ السهولالمنورة حزنا وتصفر لفراقها وجوه الربى ، وفي هذه السكينة يسمع الواقف على ذاك الجبل طنين أجراس المواشي عائدة إلى زرائبها وأجراس خيل العربات في الطريق المختبئة تحت جفن الجبل .

فقالت مريم وهي في وسط ذا المشهد : أجمل وأحزن ما فيه ؛ غروب الشمس غروب الحياة .

ثم ضمّ فريد صوته إلى أصوات الحمام والأجراس سائلا : بابا ، أين تلوه الشمس ؟

– تسوح في الأرض يا حبيبي .

– وبكله تلزع ؟

– بلى .

– وليس تلوه الليلة إذا كانت بدها تلزع بكله ، ما تتعب من المسي في الليل ؟

فضحك أبوه وقال مطمئنا : غدا نعزمها تبيت عندنا .

فضرب فريد كفا على كف هاتفا : أيوا ، وبكله أنام أنا والسمس ، أنا أهب السمس .

فضمته أمه إلى صدرها وجعلت تقبله ضاحكة باكية .

ولما عادت وإياه وزوجها إلى البيت كان القس بولس والقس جبرائيل ينتظرانهمللعشاء ، وكانت لطيفة قد أعدت لهم مائدة فخمة من سمك البحيرة المشوي والمقلي ، ولحم الضأن المطبوخ بالخمر والدجاج المحمر والأرز المفلفل والمحاشي والرمان المفروط بالسكر ، والجبن والعسل وتوابعهما ،

فقدمت الألوان دفعة واحدة على طبق كبير من النحاس الأبيض الشامي المنقوش ، وهي تقول : لو كنت أحسن الكتابة يا بنتي مريم لكتبت لك لائحة الطعام ، تفضلوا .

ولم يفهم غير مريم هذه الإشارة ، فابتسمت وأشارت إلى لطيفة أن اسكتي ، وجلس الجميع على مساند إلى المائدة ، ولطيفة واقفة تنتظر الأوامر وتقصّ عليهم بين الفصل والفصل من قصص فريد وعجائب ذكائه . وقد كان إصغاء مريم إلى هذا الحديث أكثر من أكلها ،

وبعد العشاء قدمت القهوة وجاءت لطيفة بأركيلة إلى سيدها عارف أفنْدي ، وخرجت ومريم إلى المصطبة قدام الباب تستنشق الهواء ، ثم عادت تقول لزوجها : غدا نسافر من هذه الأديار ، لا أقدر أن أعيش هنا ، الوحشة تروعني ، والحر يهلكني ، أكاد أختنق .

– مؤكد ، مؤكد ، سنسافر غدا .

ودخلت مريم إلى غرفتها تخلع ثيابها ، ثم جلست أمام الشباك تتأمل الظلمات المخيمة على السهول والجبال ، وكان الليل ليل الغور هادئا خامدا ساكنا لا يحركه من أصوات الأرض غير خرير الينابيع التي لا تسمع في النهار ، وصرير الجنادب الذي لا يتعشق غير الظلمة ولا يتحمس في أناشيده لها إلا إذا سكت الليل من شدة الحر منصتا ، وكانت ترى بين الأدغال وفي جوانب الربى أقساما من مجاري المياه تتلألأ كأنها سيوف وحراب امتشقتها العبيد السود ليدفعوا عنها بلية مقبلة ،

نظرت إلى السماء فرأت النجوم تهتز فيها كأنها دراهم في يد بخيل أو أزاهر من النيل وفر في بحيرات يداعبها النسيم .

شربت مريم كأسا من يد الليل فزادتها أرقا وغما ، نظرت من شباكها في وجه هذا الليل الأسود ، وفي عيونه المتعددة البيضاء الصفراء ، فهالها جموده وسكوته وأرّقها منه تلك اليد الممدودة تحمل كأسا أخرى ؛ كأس الذكرى والأسى ، وكأنها سمعت تنهداته وهو واقف أمامها حزينا مثلها يقول : تعالي أحملك إلى بلاد النسيان ، تعالي أسقيك في بيتي غير هذه الكأس ، في بيتي عند باب الشمس .

أحسّت مريم بشيء يشتعل في فؤادها ، بل كادت تسمع فيه تأجج النيران ، فهتفت صارخة : ليت شعلة من الجحيم تحرق جسدي ، جسدي هذا الذي تضنّ به نفسي عليّ .

وراحت إلى الباب فأقفلته ، ثم عادت تفكّر بما جرى لها في فترة من الزمن قصيرة ، وبما صادفته من أسباب السعادة التي تسعد أية فتاة في غير حالها .

– لقيت ابني بعد أن ظننته ميتا ، لقيت أبي فإذا هو أب محبّ حنون رقيق الشعور كريم السجايا عظيم الخلق ، وعاد من قطف زهرة حبي يستر حملي مستغفرا فاعتنق ذنبي وتزوج عاري ، أرى حولي أيادي لا تتحرك في غير خدمتي ،

أسمع حولي أصواتا لا تردد غير كلمات الحب والمعروف والعطف والحنان ، القس جبرائيل يغمرني بإحسانه ، والدي يدهشني بعطفه وحنانه ، عارف يحزنني بمروءته وشهامته ووفائه ، وولدي ولدي !

آه من نغمات صوته وأزاهر ابتسامه وضياء نظراته ، لولاها لكنت سعيدة ، لسلمت نفسي إلى الليل يحملني إلى عالم النسيان يدفنني في قلب ظلماته ، نعم نعم ، بنوا لي هيكلا من أزاهر السعادة فدخلته فإذا هو خربة تصفر فيها الرياح ، آه ثم أوّاه ، ما أجملك ، أيام الصبوة ! أيام السذاجة ، ما أبهاك ! يوم كنا نقطف زهرة الأقحوان فنعد بتلاتها مؤمنين بما تقول واثقين بما تحكم كأنها صوت من السماء ، واليوم اليوم ؟

إن أصوات السماء المتجسدة حبا وإحسانا لتقع على آذان منا صماء وقلوب مستحجرة ، ربي ما أجمل جسد الحب ، وما أقبح نفسه ! ما أبهجه في عينيّ ، وما أكرهه في فؤادي ! ما أجمل الفضيلة بعيدة وما أقبحها قريبة ! تنادينا من العلاء فننصت إليها ونجي بها ونسعى إليها طاقتنا ، ثم تلمسنا بيدها المحناة بعناء الجميل فننفر منها هاربين .

وسمعت إذ ذاك بومة تنعق فاستنكرت صوتها ونهضت عن الكرسي مذعورة ، فجلست على الديوان قرب السرير تمسح العرق المتصبب من جبينها ووجنتيها وصدرها ، فعثرت بالذخيرة المعلقة في عنقها ، فجعلت تقبلها مناجية أمها ، وذكرت الليلة التي حلمت ذاك الحلم ، فسمعت أمها تقول لها : اخرجي من القاهرة .

– خرجت من القاهرة التي فزت فيها وسقطت فيها ، وها أنا في محيط من السعادة أسمع أصوات الحياة ؛ حياة الفن ، حياة الجهاد ، حياة المجد ، حياة الشقاء ، فأود أن ألبيها ، أمي ، أمي ! أنت الوحيدة التي لا يغير البعد ولا القرب حبها ولا الموت ولا الحياة ، ليتك الآن إلى جانبي أشعر بلمس يدك وأسمع صوت حنانك اللذيذ .

وقفت أمام الشباك كأنها تنادي أمها ، فسمعت زوجها يطرق الباب فلم تفتح ، فظنها عارف نائمة وعاد إلى غرفته ، ولكن مريم حاولت أن تنام فحال الحر دون رغبتها فخرجت من غرفتها إلى الفناء تمشي حافية على البلاط ، فسرت في رجليها إلى قلبها نفحات باردة أنعشتها ، ثم تحرك الليل فهبّ نسيمه فبرّد جسمها المحترق وجفف العرق المتصبب منه ، ولامست نفحات السحر جفنيها فأخذها النعاس .

دخلت غرفتها ونامت ساعة فأيقظتها نوبة من السعال شديدة أقامتها فجأة من سريرها ، فسمعها عارف تسعل فنهض من فراشه مسرعا وجاء يحمل شمعة مضيئة ،

فتح الباب ودنا من مريم يسند رأسها وهي تسعل ، فأحس برعشة غريبة مضنكة إذ لامست يده شعرها المبلل بالعرق البارد ، وجمد الدم في عروقه حين رأى الدم في الطشت أمامه ، فمرّت في مخيلته كالبرق صورة عمه القسيس وسمع صدى لعنات رددها في قلبه .

عادت مريم إلى سريرها فجلس عارف على كرسي إلى جانبها يربت يديها ويواسيها .

– اتركني يا عارف ، لا بأس عليّ وحدي ، رح نم يا أخي ، رح نم ، أعطني الإبريق قبل أن تتركني ، وملعقة من تلك القنينة ، سلمت يداك ، اتركني الآن ، وأقفل الباب .