الفصل 4

12 0 00

مثل الست هند من النساء تدعى عند العرب الأخصائيين : امرأة زنْمرْدة ، ولكننا نكتب لأبناء العرب لا لأجدادهم ولجمهور الناس لا للأخصائيين ، لذلك نتحرى البساطة في الوصف والتعبير ، ولكن اللبيب إذا تدبّر هذه اللفظة العبلة الرجراجة وحللها يجد فيها مرد وزنى : ألفاظا عديدة تدل على ذكاء واضعها وصفات المتصفة بها ،

كيف لا وفيها وغير ذلك من مفاتيح أسرارها ، ولكننا لا نرمي الستّ هندا بها ؛ لأنها تكبر تارة تمرد وعلى بعض معانيها وتارة تصغر عنها ، ففي لغتنا وطريقتنا إذن نحاول أن نفيها حقها .

ولكلّ شيء : الست هند ربيبة السويداء وعشيرة الرهابين ، كأنها أدركت قول الشاعر فراحت تداوي سويداءها بسود الثياب وسود اللحى ،

وكانت تتدخل في سياسة الأديرة لسد فراغ في وقتها ، فتلعب بالرهبان كما تلعب بالقمار ، وتدخن الأركيلة عند جثة خصمها كما لو كانت تقرأ في ديوان أحد شعرائها المحبوبين ،

وهي آية في الحفظ ، ترغب بالمطارحة وتحبّ المكافحة ، فترمي جليسها ببيت شعر من صفيّ الدين الحليّ ، أو زهير أو الفارض فتصرعه وتحرق فؤاده ، ثم تزجر الخادمة وتضربها لإبطائها بكأس ماء أو فنجان كنياك ،

ولم تكن في الناصرة امرأة تحسن مثلها لعب القمار ورواية الأشعار وسياسة الرهبان وزجر الخدم ، والسبب في غوايتها وأدوائها ظاهر بسيط ،

فقد تزوجت صغيرة ، وخبرت الحياة الزوجية صغيرة ، وكبرت صغيرة ، اجتازت أربع مرّات جحيم الولادة قبل أن تجتاز الخامسة والعشرين من سنّها ، ولم يعش من أولادها غير واحد رَُبّي منعما ، فنشأ مخنثا ، فشبّ شقيا ، تلقّن شيئا من العلوم في كلية من كليات بيروت ،

فدفنه في مواخيرها وقهاويها قبل أن يعود إلى بيته ، وتعرف برجال الشحنة وزار مرّة السجن إتماما لدروسه ، وكان يدمن الخمرة احتراما لأبيه ويقامر حتى الفجر توقيرا لأمه .

ولقد طالما استلفت القسّ جبرائيل نظر الأبوين إلى ابنهما عارف وحذرهما من عواقب أمره ، فأغفلت الست هند نصيحة سلفها وكرهته ؛ لأنه لم يكن مثل سائل الرهبان من عباد محاسنها ، فلا يحضر مجلسها ولا يحرق البخور أمامها ولا وراءها ،

وما الراهب في عينها غير باب فرج للمرأة أو ستر لسوءتها ، ومتى كانت المرأة مثلها كريمة المحْتد ربيبة المجد ينبغي أن يكون الراهب خادما لها ، وإذا كانت جميلة أيضا ففارسا من فوارسها ومجاهدا في سبيلها ،

ولكنّ محاسن الست هند ولّت باكرا ، فلم يبق منها غير سحر في لحظها وخلابة في لسانها ، وحركة تغري عند إدبارها .

وكان بيتها صورة مجسمة لنفسها ، يضج بالأمتعة الفخمة النافرة بعضها من بعض ، ويمثل في كل غرفة منه مأساة كل يوم ،

فترى الذوق مذبوحا على الديوان ، والترتيب مشنوقا في الدار ،

والاقتصاد مجندلا عند قدمي البذخ والإكثار .

تظل الصورة مثلا مائلة أو مقلوبة على الحائط شهرا فلا تستلفت نظر الخادمة إليها ولا تحفل بها ، يجد الزائر السكاير مبددة على الدواوين والطوائل والكراسي ، فإذا أَحب إشعال سيكارة تفتش الخادمة ساعة عن علبة الكبريت ، ثم تجيء والفوز يتلألأ في وجهها حاملة بملقط صغير جمرة كبيرة ويدها اليسرى كالصينية تحتها ، فتتفتت الجمرة ، فتحرق يدها ، ثم السجادة ثم الديوان ، ثم ثوب الزائر ، ولا ينجو من الحريق غير السيكارة السعيدة الطالع .

في روض الستّ هند العاطر يذبل الورد على صدر أمه ويموت ، والأواني الصينية الفخمة في بيتها تئن وتتأوّه من الأزاهر الاصطناعية فيها .

في غرفة الست هند على مغسلة من الجوز فاخرة تزدحم قناني العطر والطيب ، وحناجير الأدهان والمعاجين ، وعلب المساحيق ، والأدوية والزيوت لتحسين البشرة وتطويل الشعر ، وليس هناك مقراض أظافر أو فرشاة أسنان . وهذه أمثلة صغيرة من غرائب هذا البيت وسيدته قبل أن دخلته مريم ، ولم يمض عليها شهران فيه حتى تجلت في ترتيب فرشه وغرفه وأمتعته وأوانيه روح أنيقة جديدة ، وقد أحدثت فيه ثورة لا بدّ من تدوينها ، وبدعة في غرفة المائدة تستحق الذكر .

دخلت مريم صباح يوم حجرة سيدتها تحمل باقة من الورد ، وضعتها في الإناء الذي كان فيه أزاهر اصطناعية ، ورفعته تبتهج وتقول : أليس الورد يا معلمتي أحسن من هذا القماش الوسخ ؟

فأجابتها الست هند : بلى بلى الحق معك ،

فسرّت مريم باستحسان سيدتها وأقدمت على العمل الذي كانت تفكر فيه ،

ولقد طالما ثار ثائرها على الزهور الاصطناعية فوجدت في بيت مبارك ما يكفي لإضرام نار الثورة في سبيل عرائس الحقول وربات الرياض ،

وكانت تأخذ كلّ يوم طاقة من تلك الطاقات الكبيرة التي تضيع الراهبات في صنعها وقتهن الثمين ، وتخبئها في غرفتها وتضع في الإناء مكانها إضمامة من أزاهر الجنينة ورياحينها ، ولما خلعت كل تلك العرائس الكاذبة من عروشها جمعتها ذات ليلة على السطح ، وسكبت فوقها إبريقا من زيت البترول ودعت الخادمات رفيقاتها إلى الجنازة ، ولما حضرن أضرمت في تلك العرمة النار ،

وأخذت بأيديهن فرقصن حولها ضاحكات ، ومريم تصيح مقلدة اليهود الدوارين ، خام وشيت ومقصور !

ولم يغظ هذا العمل الستّ هند مثلما غاظها قول مريم : إن مغسلتها تفتقر إلى فرشاة أسنان .

– يقطع عمرك ! وأين رأيت أنت فرشاة أسنان ؟

– عند الرئيسة في الدير ، وهي تنظف أسنانها صباح مساء ، يا عمري ما أجمل أسنانها !

– أجمل من أسناني يا مريم ؟

– أسنانك يا معلمتي صفراء .

فاكفهرّ وجه الست هند وهمت بضربها ، فاستدركت الفتاة قائلة : لا تؤاخذيني ولكن الرئيسة لا تدخن بالأركيلة مثلك ، الله يقطع الأراكيل فهي توسخ الأسنان .

– اسكتي ، وقحة ، ثرثارة !

وبعد أيام رأت مريم فرشاة أسنان على مغسلة سيدتها ، فضحكت وقالت في نفسها : ما أحلى معلمتي ! تشتمني وتقبل نصيحتي .

والحق يقال : إنّ الستّ هند تحب مريم سرا وتعجب بها ، وتكرهها سرا أيضا وتخشاها ؛ لأنها أجمل وأبرع خادمة دخلت بيتها ، وكانت إذا أثنى زوجها على الفتاة تسكت أو تغير الحديث .

– يا هند ما رأيت زماني مثل هذا الترتيب في البيت .

فنفرت قائلة : وما علمك أنت بالترتيب ، لا تدلع الخدم فيظل البيت مرتبا .

فلم يحفل يوسف أفنْدي بما قالت : وهذه الأزهار ، جميلة ! جميلة ! كأن الجنينة جاءت تشاركنا بيتنا .

– وأنت تشارك الكل ، هل يجي المطران الليلة ؟

– نعم وسيجيء رئيس الدير أيضا ، والقائمقام .

وذهب يوسف أفنْدي إلى محكمته وهو يفكر في الطريق بالفتاة مريم ويمثل لنفسه جمالها وذكاءها وتفننها فيبتسم فؤاده جذلا وإعجابا .

أصدرت الست هند في ذات الصباح أوامرها ، فجاءت مريم تسأل الطابخة عن العشاء وألوانه فأخبرتها .

– والنبيذ ؟

– وما غرضك من كل هذا

— تتدخلين دائما بما لا يعنيك

— روحي إلى شغلك .

– دخيلك يا لطيفة أخبريني .

– يا لطيف يا ستار ! مثل العادة يا بنتي ، عرق وسبع ليمر ، وقبرصي أصفر ، وشمبانيا ، خلصيني منك .

فراحت مريم إلى غرفة سيدها فأخذت من مكتبه قلما ودواة ، وطلحيتين من الورق الشبيه بالرق الذي يستخدم في المحاكم ، واختلت ساعة في حجرتها ولم يدر أحد بما صنعت ، وبعد الظهر رتبت المائدة ترتيبا جميلا فوضعت باقة من الورد في إناء على الخوان ، وقرنفلتين واحدة حمراء وأخرى بيضاء عند كل صحن ، وإلى جنبهما صحيفة مثبة إلى قدح تبدو منه فوطة المائدة كالزنبقة البيضاء ،

وقد خط في تلك الصحيفة بالخط الكنائسي ما يلي : قالت الحكماء : من قلّ طعامه صحّ جسمه وصفا قلبه ،

الفاتحة : سنمورة ، قلب أرضي شوكة مكبوس ، سلطة بطاطا وبيض ، فجل إفرنجي ، زيتون شامي ، عرق زحلاوي مثلث . الدور الأول : شوربة بزلا ، سمك مشط بطرطور ، بامية خضراء بلحم وأرز مفلفل ، نبيذ سبعلي مر . الدور الثاني : كبة أرنبية ، حجال مقلية ومطرزة بالفطر والبندورة ، نبيذ قبرصيأصفر . الدور الثالث : روستو عجل تشيعه كماة السنة ، سلطة هندباء ورشاد ، شمبانيا مم .

الخاتمة : معمول ، عيش السرايا ، مشمش حموي وخوخ إفرنجي .

ولما جلس الضيوف إلى المائدة أعجبوا بإتقانها وترتيبها ، وأدهشت قائمة الطعامحتى الست هند ، فقال المطران والقائمة في يده : هذا شيء جديد على المائدة العربية يا يوسف أفنْدي .

– الخادمة الجديدة يا سيدنا تجيئنا كل يوم بأمر عجيب .

– وهل هذه اختراعها ؟

– والله علمي علمك ، اسألها .

فقال القائمقام : لا شك أن الست هندا …

فقاطعته ربة البيت قائلة : لا ، وحياتك ، لا علم لي بها .

فأوقف المطران مريم وهي تقدم الشوربا وسألها قائلا : هل هذا خطك يا بنتي ؟

– نعم يا سيدنا .

– ومن علمك كتابة هذه القائمة ؟

– رأيت واحدة بالإفرنسية عند الرئيسة في الدير ، كانت تحفظها ذكرا لمأدبة حضرتها لما كانت في باريس ،

فخطر في بالي أن أكتب مثلها في العربية ؛ فتعرفون منها في الأقل ما يقدم لكم .

– ولكنّ عادات المطاعم لا يجرى عليها في بيوت الأماجد .

– وهذه العبارة ، قالت الحكماء ؟

– قرأتها في كتاب ، والراهبات في الدير دائما يرددنها ويذكّرن البنات بها ، كنا نجوع إكراما للحكماء .

– واليوم أخذت بثأرك منا ، ها ها ها ! ما رأيت حياتي أذكى من هذه الفتاة ، أهنئك يا ست هند بها ، وأنصح لكم يا سادة أن تعملوا بقول الحكماء ، يظهر من هذه القائمة أن يوسف أفنْدي يريد بنا شر .

– لا إكراه أيها السيد لا في الدين ولا في الطعام .

– ولكنا بشر يا ابني وضعفنا رأس مال إبليس .

– أنا أستعفي من الدور الثاني .

– ألتبرْهن لنا يا سعادة القائمقام أنك حكيم ؟ ! لعمري إن الحكماء أضعف البشر وإبليس يزدريهم ولا يحفل بهم .

– الدور الثاني أحسن ما في القائمة ، هل الحجال صيد اليوم؟

ونظر رئيس الدير إلى الست هند ولاحت في عينه ابتسامة .

– وإذا كانت من صيد البارح ؟

– عفوا يا ست هند ، لا تستثقلي التعنت من راهب معدته عاصية عليه .

– وأنت دائما تبرطلها بالمآكل الضخمة .

– بل أعاقبها تأديبا لها وانتقاما منها ، ليت الراهب يستطيع أن ينزع معدته قبل دخول الدير .

فوضع القدح يوسف أفنْدي من يده وقال ضاحكا : عندئذ يا محترم تقفل كلّ الأديرة .

فهتف المطران قائلا : أحسنت أحسنت ، دير بلا خمر لا يكون ، ورئيس بلا كرش ينافي كل معقول ومنقول .

– سيادتك ناقم على الرهبان .

– لأن خمرهم في هذه الأيام عاطل ومعدهم فاسدة .

فقال يوسف أفنْدي : ليت المعدة وحدها فاسدة ، ها ها ها قدمي السمك السبعلية إلى الرئيس يا مريم ، يقول الأطباء : إن السمك أسهل المآكل هضما وأكثرها غذاءً ، وهذه السمكات كانت أمامك يا سعادة القائمقام فقد صباح اليوم في البحيرة تسبح الله ، اعطف على حرّم النبيّ الخمر ولم يحرم النبيذ ، عصير العنب كعصير التفاح أو الرمان .

– صحيح ، وقد أدرك ذلك أسلافنا الأمويون .

– وأسيادنا الأتراك يحذون حذوهم .

– رجل في الجامع وأخرى في الحانة ، هذه روح العصر أليس ذلك يا سعادة البك ؟

– نعم يا ست هند ، ومن رأيي أن قليلا من الخمر يفيد الإسلام ، ينهض بالمسلمين من خمولهم .

فقال رب البيت وقد أفرغ كأسه وملأها للمرة الثالثة أو الرابعة : والكثير منه ينصرهم على أعدائهم ، الحماسة سرالنجاح والخمرة تضرم في النفس نار الحماسة ، للخمرة وحدها فضل على الأوروبيين عظيم ، الخمرة أمّ الحرية . من أفخر وألذ ما طبخ ،

فأجابه المطرزة فقال المطران يغير الحديث : هذا الحجال يا سيدنا لذة غريبة . التطريز يوسف أفنْدي وهو يحدج مريم بعينه الجاحظة : في فقال سيادته يغير الحديث ثانية : وكيف حال عارف ؟ في بيروت .

– لم يزل يطرز .

فابتسم المطران وأمعن القائمقام في الضحك ، أما رئيس الدير فلم يسمع النكتة ؛ لأنه كان يحدث الستّ هند بصوت خافت في موضوع ظهر من إصغائها إليه أنه يهمها جدا .

– وهل أتم عارف دروسه ؟

– تمّمها قبل أن يدخل المدرسة ، الغلام يا سيدنا سر أبيه ، وهو قريبا يعود إلينا غانما ظافرا إن شاء الله ، يا ظريفة هاتي الشمبانيا .

فسارعت الخادمة إلى الدلو في الصهريج تلبي الطلب ، وكان يوسف أفنْدي قد اخترعطريقة لتبريد الشمبانيا تقوم مقام الثلج إذا نفد ، وفي الناصرة كما في باريس ولندرا قطعة الثلج تعد من الأعلاق ، فاستغنى يوسف أفنْدي عنها بحبل ودلو وصهريج .

– لا أنكر أن هذه العروس أجمل على المائدة إذا تسربلت بالثلج والفضة فلا يبدو منها غير فمها الذهبي ، ولكننا في الناصرة يا سادة ، وسرابيل العروس تعيق في مثل هذه الساعة .

ثم فتح يوسف أفنْدي القنينة بلياقة نادرة كأنه خدم عشرين سنة في نزل باريسي شهير ، فطارت الفلينة وسقطت على رأس المطران ، فضحكت الست هند وقالت : ستربح الليلة يا سيدنا .

– لا يربح من يلعب معك يا ست هند .

فقال القائمقام : ولكن حضرة الرئيس يدحض قول سيادتكم ، فهو دائما من الرابحين .

فنظرت الست هند إلى الراهب كأنها تتلو عليه بلحظها بيتا من الشعر .

فقال يوسف أفنْدي : كل ربح على طاولة القمار خسارة ، أما الربح الحقيقيّ ، الربح الحقيقي عندك سيدنا ؛ الربح الحقيقي في البر والتقوى وال … وكانت مريم تقدم إذ ذاك الثمر فأوقفها قربه يتعلل بالاختيار ، فأخذ خوخة واحدة بيده وأخرى من خدها بنظره ، وهو يقابل في نفسه بين لون شفتيها ولون الثمر ، والست هند تراقبه سرا ،

وتظهر لرئيس الدير أنها صاغية لحديثه .

– ما أجمل لون هذه الثمرة ، بالله يا هند أن تروي لنا بيتا من الشعر فيه ذكر خوخ الخدود . ،

فقالت الست هند على الفور وهي تنقر الطاولة بأناملها : ألا خدد الله ورد الخدود .

وسكتت . فهتف زوجها قائلا دون أن يدرك معنى الشاعر : أحسنت أحسنت ! ولكن الخوخ أحسن ، وبالأخص إذا كان لونه كلون الورد .

وقال المطران : الشاعر يا ست هند يدعو على كل ما تشتهيه نفسه ولا تناله .

فأجابته على الفور : عسى أن تنال نفسك كلّ ما تشتهيه فتدعو للناس ولا تدعو عليهم

— تفضلوا . ونهضت فنهض الكلّ وخرجوا إلى فناء الدار ،

فراح يوسف أفنْدي يحلج بين القائمقام والمطران ويمازحهما ضاحكا ، والراهب وزوجته يتخافتان ويتهامسان .

– إشاعات ، إشاعات .

– ولكن القرائن تدلّ على صحّتها ، فقد أَحب القسّ جبرائيل أمّ الفتاة حبا شديدا عجيبا شاع أمره في الدير وفي البلد ، وقد وصته عند موتها بابنتها مريم ، مريم من الأسرة المباركة يا ست هند .

– هس ، لا تفضحنا ، متى يصدر أمر الرئيس العام بنقله إلى لبنان ؟

– لا أدري ، في إمكانك أنت أن تعجلي ذلك ،

ثم وقف عند الباب يستعطفها ويضغط على يدها .

– لا ، لا ، لا تجئ غدا ولا بعد غد ، الإثنين القادم بعد القدّاس ،

فتبع الرئيس الست هندا وهو يفرك يديه مستبشرا مطمئنا .

– ها ها ها ! هذا يا سيدنا من أغرب ما سمعت ، ولكن هندا لا تصدق هذه الأخبار ؛ لأنها محبة ومخلصة لزوجها ، وهي تظنّ كل النساء مثلها .

فسمعت زوجته الجملة الأخيرة ، فقالت ضاحكة : مثلي أنا ؟ لا سمح الله .

وجاءت إذ ذاك مريم بصينية من الفضة كبيرة في وسطها قنينتان من المشروب الإفرنجي ، الواحد أخضر اللون والثاني ذهبيّ تحيط بهما أقداح صغيرة دقيقة مستطيلة شبيهة بزهر الزنبق ، وإلى جنب كلّ قدح فنجان من القهوة في ظرف فضيّ مخرّم جميل ،

فمشت الست هند مع الخادمة تسكب لكل ضيف اختياره .

- البندكتين – أمشروب النعنع سيدنا أم

– لا أحب ما يصنعه الرهبان في هذه الأيام .

فملأت قدحا من السيال الأخضر وقدمته إليه ، فتناوله منها باليمنى وأخذ يدها بيسراه فقبلها قائلا : يد الكريمات أحرى بالتقبيل من أيدينا .

فقالت الست هند ضاحكة : قبلتك تجلب السعد ، سأخُْسرك الليلة فلسك الأخير . وأنت يا محترم ، أمشروب الرهبان تريد ؟

– لا يا ست هند ، من لطمك على خدك الأيمن … ونحن نقتفي أثر سيادته مهما بالغ بالتقريع . .

فأجابته على الفور : : البندكتين خباثة منك هذه ، أنت تحب النعنع وتكره

– برافو برافو . – وأنت يا سعادة القائمقام .

– اعفيني من الأخضر والأصفر واسمحي لي بفنجان من القهوة ،

ثم سكبت لنفسها كأسا استميح من سيادتكم عذرا ؛ لأنني أحب البندكتين .

ورفعته قائلة : وأنا أشرب الرهبان .

فقال المطران : ونحن نحب ما تحبين يا ست هند .

– سبق السيف العذل .

جاءت عندئذ ظريفة بالأراكيل ، فوضعتها بإشارة من سيدتها في الغرفة المجاورة لردهة الاستقبال ؛ أي غرفة القمار ، وبعد أن شرب السادة القهوة امتثلوا أمرها ودخلوا يلبون دعوة البوكر فجلس رئيس الدير إلى يمين الست هند والقائمقام إلى شمالها ، والمطران أمامها ، فعدت الحجارة وأعطت منها بمائتي غرش إلى كلّ من الجلوس ، وافتتحت الجلسة بغاية الرصانة والخشوع وكأنها تفتتح بالصلاة اجتماع في الكنيسة .

وظل يوسف أفنْدي في الدار يدخن بأركيلته إلى أن سقط النربيش من يده فاستلقى على الديوان متخدّرا من الخمر .

أما الخادمات فبعد أن تناولن عشاءهن وتممن شغلهنّ اجتمعن في غرفة قرب المطبخ ، وكانت مريم قد أشعلت فيها سراجا وافتتحن جلستهن .

ومن أسرار نشأة مريم التي لا ندركها تعلمها لعب البوكر فهل تعلّمت يا ترى ، من مجرد ترددها إلى صاعة اللعب ، فاختلست مثائلها وهي تدور على الجلوس بالقهوة والمشروب ؟ أم هل علمها سيدها ؟ لا نعلم ولكننا نؤكد أنها علّمت رفيقاتها تلك اللعبة وكنّ برصانة تفوق رصانة يجتمعن سرا فيجلسن على الحصير ، وتترأس مريم جلسة المأمورين والرهابين ، وكانت تستخدم الفول بدل شظى العاج الرسمية ، بالفة سيدتها فتعدّ لكلّ من رفيقاتها بمقدار عشرة غروش وتضع المال تحت الوسادة وتوزع الورق قائلة : الفتحة بخمس فولات ، ومحدودة .

– ثلاث فولات .

– فوقك خمس فولات .

– جئت .

– وأنا جئت ، ورقك .

– جوزان بالاس .

– ثلاث صبيان .

– ثلاث بنات .

– وليكن معلوما من تأكل فولاتها تخسر فلوسها .

– اضبط لعبك يا سيدنا ، كم ورقة أخذت ؟

– اثنتين .

– طيب ، وفوقك مجيدي .

– وفوقك مجيديان .

– وثلاثة مجيديات .

– وهذه الليرة .

– لست ممن يهربون ، ورقك ؟ فأظهر المطران ورقه ضاحكا . صرنا نعرفها ، ورمت ثلاثة صبيان على الطاولة

فقالت الست هند بلفتك ، غيّر وخلطت الورق وما تبقى بيدها.

– آمري لنا بالقهوة إذن !

فصفّقت الست هند ثم صفّقت فلم يلبّها أحد ، فصاحت ، يا مريم يا ظريفة يا لطيفة ، يقطع عمر الخدم !

ونهضت غضبة ناقمة فجاءت المطبخ فلقته خاليا ، فسارت إلى الغرفة المجاورة له فرأت فيها نورا ، فوقفت في الباب تسترق السمع ، فإذا بمريم تقول : هذا آخر دور اجعلوا الدخول نصف بشلك عشر فولات ،

ففتحت الباب وصاحت بهنّ صيحة ألقت الرعبة في قلوبهنّ ، ولكنّ مريم تشجعت فقالت تدافع عن نفسها ورفيقاتها : أنت يا سيدتي قلت لي أن أقتدي بالأكبر مني ،

– يقطع الله عمرك ! سدي فمك ! وقحة ، ثرثارة ،

وأخذتها بأذنها وصفعتها على خديها وقذالها ، وراحت تلعن الساعة التي دخلت فيها هذه الفتاة البيت ، ومرّت في الدار فسمعت زوجها يغط فأيقظته بعنف قائلة : قم غط في غرفتك .

فاستفاق يوسف أفنْدي من حلم جميل ونهض عن الديوان وخرج إلى السطح يستنشق الهواء ، وبين هو واقف هناك مرّت مريم في طريقها إلى المطبخ فأوقفها سيدها بيده وحدق نظره بها دون أن يكلمها ثم جذبها إليه وطفق يقبلها .

وقضت مريم تلك الليلة تبكي وتفكر بالقسّ جبرائيل الذي لم يزرها منذ شهرين .