الفصل 6

13 0 00

من أرهب مشاهد الدنيا وأكملها في الساميات والسافلات معا مشهد في بلادنا ، تتناهى عنده أغرب الصفات الطبيعية والسماوية والبشرية ، مشهد منقطع النظير منحصر في بقعة من الأرض صغيرة ، يجمع بين ما تدانى من أطرافها أكبر المتناقضات في مظاهر الوجود ، من أغوار وأنجاد ، ومن نيران تشتعل تحت الينابيع ، وثلوج تذوب فوق الجبال ،

ومن مجد قدسه التاريخ وقداسة دنسها الإنسان ، ومن إلهيات في أنوار الطبيعة تتهادى ، ومعرّات تعتس في ظلمات البشر ، ألا فإن هناك درجات للنشوء والانحطاط في الطبيعة وفي النفس ، أولها مثل آخرها باد للعيان ، بل هناك هيكل أشعلت فيه مشاعل الحقائق الروحية وصفرت فيه رياح الأضاليل ، سمعت فيه كلمات الله ، وسمعت فيه قهقهة إبليس ،

فتجسدت الأولى في الطلول والآثار ، واستحالت الثانية مدنا وأديانا وحكومات .

ألا في سبيل الله جمالك ، أيتها البحيرة الزرقاء العين ، الذهبية الجبين ، الفضية الجوانب ، الباسطة أذيالها تحت رجل طبرية الموحلة السوداء ، المستظلة في ظلال الجبال الخضراء والبيضاء ، الكامنة في قلبها البراكين ، الزاهرة على ضفاتها الدفلى والفل والخزام ،

وقد اعتمّ بالثلج وتسربل بالغيوم ، المدفون حولها المجد الشاخص إليها والصلاح ، وقد حجب الشوك ضريحهما وحنى فوقهما الشوكران ، عروس الأرُْدنّ هي تأخذ منه وتعطيه ، فتستحيل الشريعة فيها حبا ، والناموس جمالا ، فيها يبتدئ سلم الطبيعة وسلم النفس ، وفوقها درجات لتاريخ الأرض تقارن درجات في تاريخ الإنسان ،

فدرجات في أغوار الحياة وحياة الأحزان ، أكثرها حزنا وأبعدها سرا تلك البقعة التي وقف عليها برهة أطهر البشر نفسا وأقدسهم كلمة ، ثم ولّى كما ولّت آلهة الزمان ، فنصب من ذكراه القدوس خيال يحجبه عن العثمان ، مجد الرومان ، وإن زهرة الشقيق التي كوّنت من دمه لتقف نائحة كلّ ربيع بين دخان الوثنية وشرر الإسلام .

ومن أبعد الرموز الطبيعية معنى وأحبها صوتا ، تلك الينابيع الحامية التي تذوب فيها أحقاد الأرض ملحا وكبريتا ، فتحملها المياه مرقرقة مسرعة إلى البحيرة الحلوة الفم المثلجة الفؤاد ، وهذه في أعماق الأرض حقيقة الحياة الرائعة ؛

تغلي الضغائن في صدور الناس ملحا وكبريتا فتلقى في قلب البحيرة ؛ بحيرة الأبدية بل بحيرة المسيحية صفاء وعذوبة وبردا وسلاما .

وإن البحيرة التي كتب على مائها أغرب ما في التاريخ — تاريخ الطبيعة وتاريخ الإنسان — من الآمال والأحلام ، وأعلنت حولها أقدس الأنباء السماوية والبشرية ، لم تزل تجتذب إليها من كلّ حدب وصوب جماهير الناس من مرضى النفوس والأبدان ، فتريهم أعجوبة الله في سمائها وأعجوبة الطبيعة في أرضها ،

يجيئها الحجاج فيغتسلون بمائها المقدّس ؛ تطهيرا للنفس ويؤمها أولو الأسقام تخفيفا لآلامهم واستشفاء منها ، كبريت في تلك المياه يشفي الأبدان وحلاوة فيها تشفي النفوس ، وهذه من أعاجيب بحيرة الجليل وينابيعها .

ولكنّ المقيمين في جوارها لا ينالهم من بركاتها مثقال ذرة ؛ ذلك لأنهم يعبدون خيالا ولا يعرفون جمالا ، وإن شقاءهم فيه ؛ شقاء لا مثيل له في العالم لا في الجهة الجنوبية بلندن أو بنيويورك ولا بغيرهما ،

شقاء يفترش الأقذار ويلتحف الخمول ويشكر الله —إن مثل ذا الشقاء ليبعث إلى الكفر بالله . يهود طبريا أتفسد حالتهم أسمى الحقائقالروحية التي أنزلت في تلك الأرض أرضهم ؟

أيقيمون عند ينابيع العجائب ويحرمون بركاتها ؟

أمرضى النفوس والعقول والأبدان وفي مهد الشرائع الموسوية والمسيحية ؟

على أنّ صاحب البيت أدرى بالذي فيه ، ولعلهم أدركوا الحقيقة التي قلّما يدركها من زار تلك الديار ، فسخروا من بني الإيمان وذوي الأسقام اللاجئين إليها ، وهؤلاء بالنسبة إلى الحجاج قليلون ، ولا غرو ، فالاستحمام في المياه المقدسة يعظم فضله بالمشقات ، وإذا قضى المستحم نحْبه فيها فهناك النعيم الأكبر ،

أمّا الحمامات المعدنية ؛ حمامات طبرية ففضلها لو علم الناس أعمّ ؛ لأن مشقتها أكبر وأشد ، ولا عجب إذا أجهز على المريض فيها ولا بأس ، فإنّ في الإجهاز تمام الشفاء ، فهنيئا لمن يؤمها ! وهنيئا لمن يموت فيها !

إن الصابر على حمام كبريتيّ حام لكالصابر على ما في الحياة من النار والكبريت ، والصبر باب الجنة ، على أن السكينة هنالك ، والبعد عن الناس ، وجمال الطبيعة ولطف الهواء لتحول نوعا دون الاستشهاد ، فتفعل بالنفس وبالتالي بالآلام الجسدية ما لا تفعله المياه .

قلنا : البعد عن الناس ، وقد يستغرب ذلك ؛ لأن الحمامات المعدنية في أوروبا أصبحتاليوم مشرعة الأصحاء ومحجة الأغنياء والأدعياء ، فيجتمعون هناك كما يجتمعون في حلقة السباق ؛ سباق الخيل أو في الأوبرا أو في القهاوي ليعرضوا نعيماهم فيه ، أو ليبحثوا عن نعيم لا حُجّاب في بابه ولا حرج على أصحابه ، فيعجبون بعضهم ببعض ، ويفاخرون ويزعجون بعضهم بعضا ،

أمّا في طبرية فلا يجد الزائر حتّى في إبّان الموسم نعيما واحدا معروضا إذا استثنينا نعيم الاستشهاد ، ليس هناك من يزعج النفس أو من يقلق البال ، فالمستحمّون والعمال إذا أضفنا إليهم صاحب القهوة والامرأة الوحيدة التي تتردد إليها لا يتجاوزون الخمسين عدا .

والضجر في الحمامات المعدنية من أنجع الأدوية للمصابين بالروماتزم — عفوا روحية حرّاقة أيها الأستاذ — للمصابين بالدحار ، فإن له ردّ فعل مدهشا ،

الضجر إذا استعملها المريض عشرين يوما يرى العجب ، ولكنها لا تفيد بعد ذلك إلا إذا كررت في حمام آخر ، وكل ما يصرف النفس عنها يضعف مفعولها ، فمن يرغب بالأركيلة مثلا ويرتاح إلى حديث القهوة — وفي حمام طبريا قهوة واحدة كما قلنا ، وامرأة واحدة تتردد إليها —

فلا يضجر تمام الضجر ولا يشفى تمام الشفاء . – وهذا القسيس يا محمود من أغرب الناس ، يعطيني كل يوم بشلكا لأجدد له الماء في الحوض صباح مساء ، فما قولك ؟

– بخيل ، ولكنه أكرم من إخوانه . يا : أحمد .

– وماذا تظنني أفعل ؟ أدخل إلى الحمام فأقفل الباب وأدخّن سيكارتي وأغني رائحة عالشام خذيني معاك – ، ثم أدعوه : تفضل يا محترم .

- وهل هذا حلال يا أحمد ؟

– حلال ؟ ! المياه الكبريتية تطهر كلّ شيء ، وهل هو أفضل من سواه ، هذا الحوض العموميّ يستحم فيه خمسون نفسا من أصحاب السوالف في وقت واحد ولا تجدد مياهه إلا مرة واحدة في الأسبوع ، وقد سمعت الحكيم يقول : إن المياه المعدنية إذا استحمّ بها عدد من الناس تزداد المعادن فيها وتكثر منافعها ، صلّ على النبيّ ، ويظهر أن اليهوديفهمون ذلك ، فما مرة سألني يهودي أن أغير له الماء

— أركيلة يا طنوس

— ولكنّ القسيس ابن حرام ! فقد أحس بالطبخة ، فنزل البارح ووقف في الحمام أمامي ، فنزعت فجئته ، خيط مصيص ثيابي والله وغطست فصاح بي : يا بليد يا حمار (الأبعد) هات به فربط السداد بالخيط وربط الخيط بوتد دقه إلى حافة الحوض ، فصحت وأنا متظاهر بالجهل ومعجب بشطارته : والله يا محترم نحن أغبياء ما عندنا فكر ، وصرت كل يوم

أجدد لك المياه أي ساعة شئت ، ولا أسلق حالي كل مرة وأعرض نفسي بعدئذ للشمالي أبي الموت .

– إذن القسيس نفعك .

– نفعني ؟ وأنت أبسط منه ، من يدفع بشلكا لأجدد له المياه حين يرى أن ذلك لا يكلفني غير سحب الخيط ؟ وهذا الابن الحرام قطع عني البشلك بعد هذه العملية ، نزل هو بنفسه البارح ورفع السداد ونزلت أنا صباح اليوم وقطعت الخيط ، ما شاء الله أيغلبني قسيس أفنْدي ؟

– ومن أين هذا القسيس ؟

– لا أعلم والله ، فهو قلّما يكلم أحدا ، ولا أحد يعرف اسمه . أعطنا قدحين عرق يا طنوس وأكثر من المازا . يا محمود أحسن من زبونك ، فقد سافر أبو السلة – وغيّر هذه الأركيلة .

- زبوني معي البارح إلى تل حوم ، وفلق رأسي بالسؤالات ، ولكنه يخوف والله ، حكيت له حكاياتتطقطق الخواصر فما ضحك وما ابتسم مرة والله ، وقد حرت في أمره أراه لابسا لبس البدو ولهجته لهجة نصرانيّ من بلادنا ، بالك ها هو . ومرّ إذ ذاك رجل في زيّ الأعراب ، طويل القامة نحيلها أشقر اللحية قطوب الوجه يلبس عباءة سوداء بسيطة ، وكوفية من لونها شدّت على رأسه حتى عينيه بعقال من الشعر . – يروح إلى البلد ماشيا وما هو بخيل والله ، أعطاني ثلاث مجيديات البارح أجرة السفرة ، والسواح الإفرنج

— يلعن جدودهم

— لا يدفعون ثلاث مجيديات إلى تلحوم ، وأظنه يمشي إلى البلد كي لا يخالط الناس في العربة ؛ فهو أيضا قلّما يكلم أحدا .

– محظيون السنة بالخرس ، أهلا بهيلانة .

ودخلت إذ ذاك القهوة فتاة تلاوص وتتغنج ، وهي قصيرة القد غليظة الجوانب وسيمة الوجه مخضبة مكحلة مبهرجة ، فبادرها أحمد بالكلام قائلا : يا بنت الحرام أين كنت الليلة البارحة ؟ هذه النطنطة لا تعجبنا أبدا ، فإمّا أن تقيمي في المدينة وإما عندنا في الحمامات .

– اسمعوا أخبركم ما جرى ، كنت راجعة إلى هنا مساء البارح فاستوقفني في الطريق أحد البوليس ، وقال : ما قولك بليلة نقضيها أنا وإياك في السجن ؟ امشي ، امشي ،

فترددت فهمس في أذني كلمات دغدغت قلبي ، فسرت وإياه ، وهو مثل القمر ، وليس مثلك يخوّف القرود ، ولما وصلنا إلى دائرة البوليس حبسني في غرفة هناك ووعدني أن يرجع إليّ بعد ساعتين ، عشقته والله ، وأخذت أعلل النفس بقرب الاجتماع ، فجاء بعد ساعتين يقول : اتبعيني ، فمشيت طائعة فأدخلني دارا ثم أخرجني منه ، ثم فتح بابا في بيت قريب من الدائرة ، وقال : ادخلي ، فدخلت فأقفل الباب وتركني وحدي ، فإذا أنا بغرفة مفروشة بالسجاد وفيها سرير له قبة حمراء ومائدة ممدودة عليها الدجاج المحمر والأرز المفلفل والمحاشي والسمك ، وعرق من أحسن ما شربت في حياتي ونقل فاخر ، فقلت في نفسي : الله كريم ، ليلة حظ هذه ، وقلبي مشغول بالشابّ وعيني مشغولة بالمائدة ، ولبثت أنتظره وأنا أغني ، يا عيني أنا الصابر على النار : وإذا بالباب انفتح ووقف فيه شخص وجهه مثل الصاج المقدح ورأسه كرأس الثور وعيناه كعيني السعدان ، فسقط قلبي من الخوف وذاب الكحل في عيني من الكمد ، كلمني الغزال وسلمني إلى الدب .

– يا بنت الحرام كنت عند مدير البوليس .

– يلعن سحنته ما أعطاني ولا بارة .

– تستأهلي أكثر من هذا ، مليح ، سامحناك ، هات عرق لهيلانة يا طنوس ، سألني عنك القسيس الليلة البارحة .

– بالله ؟ ماية قسيس ولا مدير البوليس .

– ولكن القسيس هذا يريد أن تسافري معه ، وحياة النبي ، سألني البارح قائلا : يا ابني ، ومن هذه الفتاة التي تظل عندكم في القهوة ؟ فقلت : والله يا محترم هي الدجاجة الوحيدة بيننا أتحسدنا عليها ، فزجرني ابن الحرام وقال : إنه سيكتب إلى القائمقام لينفيك من هنا . أبو السلة

– يلعن لحيته هو والقائمقام ومدير البوليس مثل رجلي ، وهل رأيت حلو ، مثل القمر والله ،

وتنهدت هيلانة ثم قالت : أبو السلة صبحته فما ردّ عليّ ، وغمزته فلم يلتفت إليّ الله ابتلاني بكم ، سليلة القرود ، ثم تنهدت ثم قالت كأنها تخاطب نفسها : اصطادني الغزال وسلمني إلى الدب ، وهذه عيشتنا ، يفرجنا ربنا علبة البقلاوة ويعطينا ، يا طنوس ! قنينة العرق .