في فصل الشتاء من تلك السنة ، بعد أن أصيب بيت مبارك بتلك الفاجعة التي ألبستهم الحداد والعار ، جاء قسيس إلى طبريا ليستحم بمياهها المعدنية ، فاستأجر غرفة فوق الحمامات فريدة في بابها ، أرضها كخريطة لبنان البارزة ، وسقفها كالجوّ المرصع بالغيوم ، وجدرانها كجذوع الصنوبر مرشقبة ، وقد زينها العنكبوت بكرناش من الحرير ، ونقشت الجرذان في زواياها المحاريب ، وبنت السنونو أوكارها فوق الشبابيك ، فأقام القسيس فيها ورفاقه هؤلاء الأطهار معتزلا الناس ، إلا أنه كان يذهب إلى طبريا باكرا ليقدس في إحدى كنائسها ويعود إلى بيته الكثير السكان ، فيقضي معظم وقته بالمطالعة والكتابة والصلاة ، مناجيا السنونو والعنكبوت والجرذان ،
وفي ذات يوم هبّ الهواء ناقما عليه فبعثر أوراقه وخطف واحدة من بنات أفكاره ، فوقعت في الطريق فعثر بها الأعرابي
وقرأ فيها ما يلي : وبعد أن جلس المعلم على كرسيه أمام تلاميذه : وهو سائر إلى طبريا ، سأله قائلا : ما هي الحياة ؟ فقالت الرتيلاء : الحياة كفن من الحرير أحوكه لنفسي . وقال السنونو : الحياة فراش من القش يتخاصم فيه الذكر والأنثى فيكسران بيضات العش . وقال الجرذون : الحياة بضعة لحم منتنة ، وفخ مخلع ، وقطّ جائع .
فقال المعلم في نفسه : وكذلك في الناس ، كلّ ينظر إلى الحياة من بيته ، من عشه ، من جحره ، فيبني رأيه على تجاربه الصغيرة المحدودة ؛ نتيجة ذلك الفوضى ، أما الحقيقة فهي في جانب من ينظر إلى الحياة من السماء من فوق الأرض وسائر الأكوان ، فالدين . إذن — مُنزَلا كان أم لا — هو أحسن في الأقل من فلسفة العنكبوت والجرذان
ثم قرأ على الجهة التالية من هذه الورقة ما يلي : كلّما فكرت بالماضي ؛ ماضي حياتي ينقبض قلبي ، أجمل الأسرار الدينية كلها وأنفعها سرّ الاعتراف ، فهو مرهم لجروح ! النفس . لولاك يا ربي لمن يعترف المجرم الأثيم ؟
فطوى الرجل الورقة ووضعها في جيبه وسار في طريقه إلى البلد يفكر بما حوته من الحكمة ، ومن الصدف أن هذا الرجل جاء تلك الناحية لما كان القسيس هناك ، ولكنه لم يُقِم عند الحمامات ، ولم يكن قصده الاستحمام ، فعلى شاطئ البحيرة بين طبريا وسمخ بيوت حقيرة شبه أكواخ منفرد بعضها عن بعض ، يستطيع المرء أن يقيم في إحداها بعيدا عن الناس وقريبا من البلد ، وهذا الغريب استأجر كوخا في أسفل الجبل إلى الجهة الجنوبية من قبور هناك لبعض علماء التلمود بين الحمامات وسن النبرا ،
وكان المقيمون في الحمامات والعمّال يراقبونه ويرجمون بالغيب في أمره ، ومن طبع الناس أنهم لا يستطيعون أن يجاوروا سرا دون أن يمنحوه اسما ويحيكوا له من عنكبوت ظنونهم لأنه لم ير مرة مارا بلاها ، فلقبوا الرجل بأبي السلة .
وقالوا : جاء لا شك ثوبا وقصدا يتجسس للعربان ، ولكن محمودا البحريّ رآه يكلّم امرأة في تلحوم عرفته وسلكت قدامه مسلك الخادمة قدام سيدها .
وفي ذات يوم عاصف ماطر ، بينا كان القسيس واقفا عند شباك غرفته يراقب هياج البحيرة ، أبصر الغريب مارا في الطريق فدهش دهشة عظيمة واستدعى أحمد من ساعته .
– أتعرف ذاك الرجل يا أحمد ؟
- لا يا محترم ، هو غريب جاء هذه الناحية منذ أسبوع . ، أبو السلة .
– – وأين يقيم ؟
– لا أدري والله ، إلا أنه يجيء من هذه الجهة ؛ جهة سمخ فيذهب إلى البلد .
– وهو ذاهب إلى البلد الآن ؟
– نعم ، أظن ذلك .
– راقبه عندما يرجع خفيا ، واتبعه واهتد إلى منزله ، خفيا أفهمت ؟ وتعال أخبرني .
وأعطاه بشلكا ، فأخذه أحمد وهو يقول : أمرك يا محترم ، محسوبك يا محترم .
أما الغريب فركب ذاك اليوم العربة التي تسير بين طبريا والحمامات ظنا منه أنها تقيه في الأقل الأوحال ، ولكن عربة السلطان لا تخلف مثل ذا الظن في تلك الطريق وفي مثل ذاك اليوم ، فكيف بعربة مخلعة متهدمة ، سجوفها ممزقة ، وأجزاؤها ملزقة ، سقفها كالغربال ، وعريشها مربط بالحبال ، يجرها ثلاثة من الكدش الجائعة الناحلة المنهوكة ، وتقل طابورا من يهود طبرية ، وقنطارا من الأمتعة ، وإن من يشاهدها عن بعد في مثل ذاك اليوم تسقط ، وتعلو ، وتكر ، وتفر ، فتلعب الرياح بخامها الممزق ، وترشقها الطريق بأوحالها فتختفي تارة في الماء دواليبها ، وتارة تغزل في الهواء ، يظنها قاربا في البحيرة تتقاذفه أمواجها الهائجة ،
ومن سوء الاتفاق لتتم في تلك الساعة ضربات إسرائيل على الغريب كانت الفتاة هيلانة من المسافرين جالسة قباله ، فجعلت تغازله برجليها ، وترشقه بأوحال عينيها فتنشدح عليه إذا غارت العربة ، وإذا انجدت يهوي عليها ، فتجلع فاها مكركرة وهو ساكت صابر ، وتصيح صيحات يردد صداها اليهود هاذرين هاذين .
– روّضيه يا هيلانة !
– فارت الطنجرة يا هيلانة !
– ارفعي الغطاء . ارفعيه !
– أنزلي الستارة يا هيلانة !
– سدي الطاقة سديها !
- يقطع الله أعماركم ! رايح فين يا مسليني يا بدر حبك كاويني حبيبي حلو ومحتشم ، آه حبيبي ! – سدوا طيقانكم .
فنظر إليها الغريب بعين رءوفة وخاطبها بلطف قائلا : وهل الحشمة تضرك يا بنتي ؟
– الحشمة ؟ مؤكد ! تقتلني ، إذا أنا احتشمت أموت من الجوع ، وتموت …
وسكنت عند هذا منكسة رأسها .
– إذا أنت احتشمت تحيين حياة سعيدة ، تنجين من الأجلاف الأشرار وتكتسبين محبة الأفاضل من الناس .
– الأفاضل ؟ أين هم الأفاضل ؟ في طبريا ؟ اها ها ها ها ! ما رأيت في حياتي كلها رجلا فاضلا ، أبي قوّاد الله يبليه ! وأخي ديوث الله يعميه ! وكل الرجال مثل أبي وأخي .
فتجهمها الغريب قائلا : احتشمي يا بنتي تأدبي قد يكون بيننا الآن رجل فاضل .
فسكتت هيلانة وأطرقت مفكرة . ثم سألها الغريب : وهل أمك في قيد الحياة ؟
– لا تسألني عن أمي ، أمي !
وشرقت الفتاة بريقها واغرورقت عيناها .
ولما وصلت العربة إلى الساحة خارج البلد دفع كلّ من الركاب نصف بشلك إلى الحوذي ، ودفع الغريب عنه وعن الفتاة ، واجتازوا تلك الساحة — بل تلك البركة —
غائصين في أوحالها ومياهها حتى الركاب ، وسار الغريب تتبعه هيلانة ، وما كادا يدخلان البلد حتى أبصرها البوليس فاعترضها في سبيلها قائلا : إلى الحبس ، إلى الحبس .
فصاحت مستجيرة بالغريب : لا أروح ، لا أروح . فتش عن غيري ما أكثر الغاويات في البلد ، فتش عن غيري عرفت حيلتكم ، دخيلك يا سيدي خلصني من البوليس ، جئت أزور أمي ، أمي مريضة ، دخيلك خلصني منه .
فخاطب الغريب البوليس ونفحه ببعض المال ، وقال للبنت : امشي يا بنتي ، روحي في سبيلك .
– كثّر الله خيرك ، الله يطيل بعمرك ، أنت أول رجل فاضل عرفته .
ثم شخصت إليه هنيهة وأخذت بطرف عباء ته قائلة : تعال معي ، تعال معي ، البيت قريب .
فسار الغريب وإياها يجتازان في أسواق المدينة — بل في سواقيها — حتى وصلا إلى زاروب معتم مسقوف يطفح بروائح يغمى على الثيران منها ، ليس فيه غير أبواب مظلمة يكاد بعضها يلتصق ببعض ، فدخلت الفتاة أحد هذه الأبواب المفتوحة ، ودخل الغريب فإذا هما في ساحة موحلة يلعب فيها أولاد عراة تحت الشتاء ، محاطة بغرف صغيرة على شكل صحن الدار في أحد الأديرة ، فوقفت الفتاة قدّام باب تقول للغريب : تفضل .
فوقف الرجل مترددا .
– تفضل أعرّفك بأمي .
فدخل ، وإذا هو في كوخ مظلم وفي إحدى زواياه امرأة مريضة نائمة على الأرض وإلى جنبها طفل يبكي ، فجلست في فراشها وجعلت ترضعه .
– هذا كل ما كسبت البارح ،
وأعطت أمها بشلكين .
– أمك نفساء .
– أمي مريضة بالحمى ؛ ولدت منذ أربعة أشهر ولم تزل في الفراش .
– وأين أبوك ؟
– أبي قواد الله يبليه ، تركنا منذ سنتين .
– وأمك ؟ والطفل ؟
فلم تجب الفتاة بل خاطبت أمّها قائلة : يا أمي هذا الغريب أحسن إليّ وهو أول رجل فاضل عرفته .
– وجاء يتفرج على بليتنا ،
- كثّر الله خيره رح في سبيلك يا عم ! رح في سبيلك .
فخرج الغريب من البيت وأومأ إلى هيلانة أن تتبعه ، فأعطاها في الخارج بعض المال لتبتاع لأمها شيئا من القوت ، والثياب ، ثم قال لها : أتعرفين مدرسة اليهود عند الحمامات ؟ والقبور هناك ؟ في تلك الجهة فوق الطريق بيت منفرد ليس هنالك غيره ، تعالي بعد غد فأكون هناك لي غرض معك ، نهارك سعيد .
– أمرك يا سيدي ، الله يريك الخير ، الله يطيل عمرك .
وراحت إلى أمها تصفق بيديها وتقول : ليرة يا أمي ليرة ، صدقيني ، صدقيني ، انظري بعينك .
وبسطت كفها أمام أمها في ذاك الكوخ المظلم فشع فيه قطعة من الذهب ، فانقطع حليب الأم من الدهشة وجعل طفلها يبكي .
جيراننا كلهم حليقة لا تبلغ ليرة ، يا أمي أيّ شيء أشتري لك ؟ أشتري لك لحافا – قبل كلّ شيء وأشتري فسطانا للصغير ، وفسطانا لك أيضا ، أمي لا تبكي دخيلك ، غدا تشفين ، وهذا الغريب أرسله الله ، هذا الغريب من السماء جاء يفتقد الفقراء البؤساء مثلنا .
– روحي إلى السوق واشتري لي فخذ دجاج وقالب جبن ورغيف خبز .
فسارعت هيلانة إلى السوق ، فأبصرت الغريب واقفا أمام دكان يحدث صاحبه : هل عندك غير هذه الدجاجة ؟
– مذبوحة اليوم وحياة الله ! أقطع لك فخذا ؟
فلم يدرك الغريب معناه ، فقال : وهل تبيعون الدجاجة بالدرهم ؟
فقالت هيلانة وقد وقفت إلى جانبه : ومن يقدر أن يشتري دجاجة كاملة عندنا ؟
– أتريد دجاجة كاملة ؟ يا حايم يا حايم رح إلى البيت وقل لأمك تذبح دجاجة حالا وهاتها .
فقال الغريب : بل دجاجتين .
ولو علم الغريب أن في باريس أيضا تباع الدجاجة أقساما ؛ فخذا فخذا وجانحا لزال عجبه .
ثم وقفت عند ذاك الدكان فتاة صبية تحمل طفلا ، فقالت : أعطني قوانص الدجاجة .
فوزن لها صاحب الدكان القوانص ، وأخذ من الأقذار المتراكمة عند الباب جريدة فلفها فيها وتناول منها متليكين . ثم وقفت الفتاة أمام رجل جالس في الوحل على حافة قناة الماء ، وأمامه على الأرض يقطينة قسمها عدة أقسام ، فابتاعت قطعتين منها وأعطته متليكا واحدا وراحت في سبيلها .
فقال صاحب الدكان للغريب : الحليقة هذا يوم عيد عندها فقد قبضت .
- الحليقة وما هي ؟ ؟
– الحليقة يا سيدي ، أكثر يهود هذه البلد يعيشون على الحسنات التي تجيئهم من إخوانهم في أوروبا ، وكلّ بيت يقبض من الحاخام أو القنصل قيمة معلومة كلّ شهر ، هذه هي الحليقة .
ووقفت عندئذ امرأة أخرى تحمل طفلا ويتبعها صبيان ، فابتاعت فخذي الدجاجة ثم ثلاث قطع من اليقطينة وراحت في سبيلها ، والولدان يركضان في قناة الأقذار ويصفقان جذلا .
– أولادها كلهم ؟
– نعم وقد يكون عندها غيرهم في البيت .
– ولكنها صبية ؟
– صحيح هذا ، ، بناتنا يتزوجن صغيرات ، وقبل أن يبلغن العشرين يبلغ عدد أولادهنّ — وأشار الرجل بيده كلها . – خمسة ؟ – وستة أحيانا .
وكان قد عاد الولد إذ ذاك يحمل الدجاجتين ، فأعطى الغريب هيلانة واحدة منهما ووضع الثانية في سلته .
وسار إلى سوق الخضر يقول لها : اتبعيني ، فابتاع هناك شيئا من الكوسى والبندورة والبصل والثمار وملأ لهيلانة سلة منها وودعها قائلا : سلّمي على أمك ، وتعالي بعد غد إلى البيت الذي دللتك عليه .
وبينا هو عائد في طريقه منقبض النفس كسير القلب مما شاهد ، مرّ قرب الشاطئ حيث تصب بواليع البلد في البحيرة ، فرأى هناك النساء يملئن جرارهن من تلك المياه وقد مازجتها أقذار البواليع .
فمال بوجهه قرفا وحزنا وسار في طريقه .
فاتفق له أن مرّ ببيت الامرأة التي ابتاعت فخذي الدجاجة ، وكانت واقفة في الباب فألقى إليها السلام ، فسارع إليه أولادها الثلاثة وهم حفاة عراة وعيونهم تحدق في السلة ، فأعطى كلا منهم برتقالة فراحوا يصفقون ويرقصون .
– وهل عندك غيرهم ؟
– ولد آخر .
– وكم عمرك ؟
– ثلاثة وعشرون .
– وهل تأذنين لي بالدخول ؟
– تفضل تفضل .
فدخل الغريب إلى غرفة صغيرة مظلمة مفروشة بحصير واحد ، وليس فيها من المواعين غير طنجرة وجرة وإبريق .
– وأنت وزوجك وأولادك تقيمون في هذه الغرفة ؟
– ونشكر الله دائما ، حالتنا أحسن من حالة جيراننا ، هم عشرة ومنهم شاب مزوج يقيم وامرأته وابنه مع والديه وأخوته في بيت مثل بيتنا هذا .
– فودعها الغريب وراح يجتاز في جادات المدينة الضيقة المظلمة الموحلة المنتنة التي تكاد البيوت إلى جنبيها تصطدم وتقع بعضها على بعض ،
فطرقت أذنه رنات العود وأصوات المغنين ، فقال في نفسه : وهم مع ذلك فرحون جذلون ، سبحانك اللهم ! – ولم يكن يصل إلى منعطف الجادة حتى شاهد في الشارع جماعة ، بينهم عوّاد وضارب قانون وناقر دفّ ، واثنان يحملان طبقا عليه أنواع الحلوى ، وهم يعزفون على آلات الطرب ويغنون ،
فاستطلع أحد التجار خبرهم ، فقال له : وهل أنت من باريس ؟ ! ألا تعرف الزفّة ؟ ! عرس يا شيخ العرب ، عرس ، وهذه هدية العريس إلى العروس ، والليلة يجيئونه بها .
فضحك الغريب ضحكة اليائس وراح يردد في نفسه قائلا : يتزوجون ويتكاثرون ويعيشون على الحسنات ، ويقيمون في الأقذار ويشربون مياه بواليعهم ، وعندما يبعث الله إليهم باعثا مطهرا كالطاعون أو الوباء يجيء هؤلاء المحسنون من الإفرنج ، والادعاء في إحسانهم أشد وباء من الطاعون فيحاولون مقاومة العناية الإلهية ، يبنون الصروح والمستشفيات ليعيش فيها أفراد منهم لا رزق لهم في بلادهم ، فيستثمرون بؤس العباد وأقدار البلاد ويعترضون صنع الطبيعة ؛
فيحاولون حفظ ما يريد الله استئصاله ، وكم مرة جاء الوباء يريح طبريا من شقائها وويلاتها فناهضه هؤلاء الإفرنج وردوه خائبا . هنيئا لوحوش البرية ! هنيئا لأطيار الفلاة ! لهفي عليك يا طبرية ولهفي على أبنائك ، يتزوجون ويتكاثرون ويعيشون في البواليع على الحسنات ، لا أثمرت خليقتك يا رب ، تبارك عقم الرمال والصخور ، تبارك عقم البحار ، الرجل الذي هو مليك مخلوقاتك كلها إنما هو أضعفها وأحطها ، والامرأة أمة الرجل . هذه طبرية وهي منذ بناها هيرودس حتى اليوم مهد الخمول والجبن والعبودية ، بل كان اليهود مرتقين عزيزي الجانب لمّا بنيت قديما فرفضوا أن يسكنوها ، فجلب هيرودس إليها جماعات من الأجلاف والأوغاد والشحاذين فأقاموا فيها ناعمي البال ، فهل يهود طبرية اليوم من نسل أولئك الناس يا ترى ؟ تبارك عقم الرمال والصخور ، تبارك عقم البحار .
وجلس الغريب على شاطئ البحيرة برهة ، وكانت قد سكنت الريح وكف المطر ، فاستخرج من جيبه كتابا وقرأ بضع صفحات وصلى صلاة المساء ، ثم نهض وسار في طريقه عائدا إلى منزله ، وبينا هو مارّ بالحمامات راقبه أحمد واتبعه خفيا ، فاهتدى إلى بيته وعاد يخبر القسيس .
وفي تلك الليلة أطلع أحمد إخوانه في القهوة على ما شاهد هناك .
- هذا الرجل أبو السلة ، أمره عجيب ، له قصة عجيبة لا شك والله يا أحمد .
– ما لنا وله ؟ هات العرق والنقل يا طنوس .
– اسمع بالله ، وللقسيس غرض معه ، والله أظن أن للاثنين علاقة بالفتاة .
– أي فتاة ؟
– أبو السلة مقيم فوق الطريق قرب القبور ، وامرأة …
وأشار أحمد بيديه أن الامرأة حبلى .
– وما ظنك ؟ يمكن أن تكون امرأته .
– ويمكن أن تكون ابنته .
– وما غرض القس يا ترى ؟
– قد يكون علم أن هناك فتاة ، قسيس أفنْدي ابن حرام
— الله يوفقه
— اشرب ، اشرب .
أما القسيس فبات بعد ذلك يراقب الغريب ، فلمّا شاهده في أصيل اليوم التالي ذاهبا إلى طبريا سار توا إلى البيت الذي أهداه أحمد إليه ، فالتقى قدّام الباب بفتاة مشحوبة اللون ثقيلة الحركة عيناها ذابلتان والكآبة بادية في وجهها ، فألقى إليها السلام فردته واجفة .
– كأنني عرفت الرجل المقيم معك يا بنتي ، فجئت أتحقق ذلك .
– وماذا تريد ؟
– لا شيء سوى التعرف والألفة ، أنا غريب هنا أليف الضجر .
فجزعت الفتاة وهمّت بالدخول إلى البيت .
– لا تخافي يا بنتي ، فقد أكون متطفلا ولكنّ الغريب إلى الغريب نسيب ، من هو الرجل المقيم معك ؟
– أبي .
– هذا ما ظننته ، ومن أين أنتم ؟
– من الكرك .
– واسم أبوك ؟
فلفقت الفتاة اسما ثم قالت : تفضل زرنا عندما يكون أبي هنا ،
ودخلت البيت وأقفلت الباب ، فعاد القسيس وهو حائر في تصرف الامرأة مشكك في قولها . وبينما هو عائد إلى غرفته في الحمام الْتقى بالغريب في الطريق ، فتبادل الاثنان نظرة سريعة وكلّ منهما سائر في سبيله ، ثم التفت الغريب كأنه يريد أن يتحقق ظنا فرأى القسيس واقفا يلتفت إليه .
– هو هو بعينه ، نبذ الثوب وتزوج ، سبحانك يا رب .
وفطن القسيس إذ ذاك إلى تلك المقابلة في لبنان وتذكر السؤالات التي سئلها ، فقال في نفسه : الأوفق ألا يعلم بوجودي هنا .
أما الغريب فلما وصل إلى البيت أخبرته الامرأة بزيارة القسيس وسؤاله عنهما . فرفع يده إلى جبينه متبحرا ، هو بعينه ؛ هو القس بولس عمون ذاك العالم الفيلسوف الذي قابلته في لبنان ، وهذه الورقة التي عثرت بها عند الحمامات لا شك أنها من أوراقه ، ثم قرأ فيها ثانية : كلما فكرت بالماضي ؛ ماضي حياتي يَنْقبِض قلبي ، أجمل الأسرار الدينية سرّ الاعتراف … لولاك يا ربي لمن يعترف المجرم الأثيم ثم قرأ ما كتب في الجهة الثانية وقال : ليس هنا أحد يحسن مثل هذه الأشياء ويكتبها ، والاعتراف ! الحق معه لمن يعترف المجرم الأثيم لولاك يا رب ؟
وبات الغريب حائرا بائرا تلك الليلة يفكر بالقس بولس عمون وبإيلياس البلان ، واستيقظ صباحا وجاء إلى الحمامات ليقابله ، فقيل له : إن القسيس سافر مساء البارح .