الفصل 11

11 0 00

من اذن خلق هذه المتاهة، هذا الصرح الذي يمثل الغطرسة والقحة، هذا الحقل الذي ينبت آلاف الخدع، هذا الباب الذي يؤدي إلى الجحيم، هذه السلة الملية بالدهاء، هذا السم الذي له مذاق العسل، هذه الأصفاد التي تغل البشر بالأرض المرأة.

وفي بطء وصمت، أخذت أسجل هذه الأغنية البوذية وأنا جالس على الأرض أمام الموقد.

كانت هذه الأغنية وأمثالها هي بعض التعاويذ التي حاولت بها أن أطرد من ذهني صورة مغرية لامرأة مثيرة، قد بلل ماء المطر ثوبها فألصقه بجسدها وأبرز مفاتنها... امرأة ظلت تلح على خيالي وتتهادي أمام عيني جيئة وذهابا ليلة بعد ليلة، طيلة الشتاء.

والواقع، انني منذ حادث انهيار السرداب الذي كاد يودي بحياتي، كنت أشعر بالارملة في دمي، وكانت تدعوني كما تفعل اناث الحيوان وتقول لي في الحاح وعتاب:

- تعال.. تعال.. ان الحياة تمر كومضة البرق. فتعال قبل فوات الاوان..

كانت تملأ الجو حولي في وحدتي، وتمر أمامي بلا انقطاع ، لتغريني بمفاتن جسدها، وكنت أقاوم الاغراء في النهار بقوة ارادتي ويقظة عقلي، ولكن ما أن يقبل الليل حتى تنهار ارادتي، ويلقي عقلي سلاحه، وتفتح الابواب.. وتدخل الارملة.

وهكذا كنت أستيقظ كل صباح خائر القوى مغلوبا على أمري، لكي أبدأ النضال من جديد.. وكنت أقول لنفسي: انني لست وحدي، فهناك قوة أخرى تخوض المعركة معي.. هي ضوء النهار.. هذا الضوء ينتصر تارة ويهزمه ظلام الليل تارة أخرى.. ولكنه لا ييأس.. وأنا أناضل وآمل مع ضوء النهار.

ولا بد أن يكون زوربا قد لاحظ بذكائه الفطري أي شيطان كنت أناضل، فقد قال لي في ليلة عيد الميلاد:

- فيم تفكر؟ انك على غير ما عهدتك.

فتظاهرت بأنني لم أسمعه ولكنه لم يكن الرجل الذي يتراجع بسهولة.

قال:

- انك لا تزال في مقتبل العمر..

ثم أردف في غضب ومرارة:

- انك شاب قوي البأس تأكل جيدا وتشرب جيدان وتستنشق هواء نقيا، وتختزن قوة هائلة فماذا تصنع بها؟ انك تنام وحدك كل ليلة، وهذا ضار بمن كان مثلك.. فاذهب إليها الليلة ولا تضيع الوقت، كل شيء في هذه الدنيا بسيط، فلا تعقد الأمور..

فأخذت اصغي إليه، وأقلب صفحات كتابي عن بوذا وأصفر بفمي لاخفي مشاعري.

ولاحظ زوربا أني لا أريد الاجابة فصاح:

- الليلة يا صديقي هي ليلة عيد الميلاد، فأسرع إليها قبل أن تغادر بيتها إلى الكنيسة.

فقلت له في ضجر:

- كفى يا زوربا.. ان لكل انسان ميوله الخاصة.. والانسان كالشجرة. فهل تشاجرت مع شجرة يوما ما لانها لا تثمر؟ بحسبنا هذا الآن.. لقد كاد الليل ان ينتصف فهلم بنا إلى الكنيسة.

فقال زوربا في يأس وهو يضع قبعته على رأسه:

- حسنا اذن، هلم بنا إلى الكنيسة..

كانت السماء صافية تماما والنجوم تبدو كبيرة متدلية من السماء ككرات من نار بينما بدا الليل كوحش أسود كبير يجثم على طول الشاطئ.

وازدحمت الكنيسة الدافئة بالقرويين ، فوقف الرجال في المقدمة أمام النساء، وعقد الجميع أيديهم فوق صدورهم.. بينما أخذ الأب ستيفانوس بقامته الطويلة، وثوبه الموشى بالذهب، ووجهه الشاحب بعد صيام أربعين يوما. يروح ويغدو بخطى واسعة، ويترنم بأعلى صوته، وبسرعة ، لكي يعود على عجل إلى بيته، حيث تنتظره مائدة مثقلة بالحساء والشواء وسائر الاطعمة الشهية..

ولو لم تقل الكتب المقدسة ان النور ولد في مثل هذه الليلة لما نشأت الاسطورة وملأت الدنيا.. ولمر الحادث كأية ظاهرة طبيعية عادية، دون أن يلهب الاخيلة.. ولكن النور الذي ولد في صميم الشتاء أصبح طفلا، والطفل أصبح الها دانت له النفوس والارواح عشرين قرنا.

وغادرنا الكنيسة إلى فندق مدام هورتنس، حيث كانت في انتظارنا مائدة حافلة بالطعام والشراب.

وكانت الغانية العجوز ترتدي غلالة طويلة ذات لون باهت وقد عقدت شعرها خلف رأسها، وأحاطت عنقها المجعد بشريط من الحرير الأصفر، وضمخت جسدها في سخاء بعطر زهور البرتقال.

وأجال زوربا البصر حوله ثم همس في اذني قائلا:

- لكن الظن أن العجوز لن تطلق سراحي الليلة..

وكان الوقت فجرا عندما غادرتهما في المخدع الصغير الدافئ، وسرت في طريقي إلى الكوخ.

كنت سعيدا ، وقلت لنفسي هذه هي السعادة الحقيقة ان يعيش الانسان بلا مطامع ويعمل ويكد كأن له ألف مطمع وان يحب الناس ويعمل لخيرهم دون أن يكون في حاجة اليهم وان يأكل ويشرب ويشترك في أعياد الميلاد دون أن يتورط في المتاعب او يقع في الفخاخ.. وان يسير على الشاطئ والنجوم فوقه، والبحر إلى يمينه والأرض إلى يساره وأن يشعر بأن الحياة قد انجزت معجزتها الكبرى فصارت قصة من وحي الخيال.

ومرت الأيام، وحاولت أن اصطنع المرح، رغم الحزن الذي كنت أشعر به في قرارة نفسي.. فقد أزال أسبوع الاعياد الغابر عني كثير من الذكريات. ذكريات عن موسيقى بعيدة، وأناس أحببتهم.. وراعني صدق العبارة القديمة التي تقول : ان قلب الانسان حفرة مليئة بالدم، واولئك الاحباب الذين ماتوا يلقون بأنفسهم على حافة الحفرة وينهلون من الدم، وهكذا يعودون إلى الحياة وكلما كان حبكم لهم عظيما زادت الكمية التي ينتهلونها من دمك.

وفي صباح اول يوم من العام الجديد. فتحت عيني على زوربا وهو يدق رمانة بباب الكوخ..

وانشقت الرمانة وتناثرت بذورها كحبات الياقوت الصافي الاديم، وسقط بعضها على الفراش.. فتناولت بضع حبات وأكلتها وشعرت بانتعاش.

قال زوربا:

عام سعيد يا صديقي.. ارجو أن يزخر بالمال والنساء ثم اغتسل وارتدى ثيابه ومعطفه الروسي وفتل شاربيه.

- سأذهب الان إلى الكنيسة بصفتي ممثلا للشركة التي تستغل المنجم ، فليس من مصلحة العمل ان يظن القرويون اننا من المفكرين الاحرار.. ان ذلك لن يكلفني شيئا، فضلا عن انه وسيلة لقضاء الوقت.

ثم انحنى فوقي وقال وهو يغمز بعينه:

- ومن يدري.. فربما اجد الارملة هناك.

وسمعت وقع خطاه وهو يبتعد، وعاودني الاحساس بالوحدة، فنهضت وارتديت ثيابي، وخرجت الى الشاطئ.

وكان الجو صافيا، والهوا باردا فسرت في الطريق إلى الشاطئ وأنا أسائل نفسي: ترى من سيكون اول انسان التقي به في هذا اليوم الاول من العام الجديد؟ آمل أن يكون طفلا يحمل بين يديه كومة من الهدايا، أو شيخا أشيب الشعر، يرتدي قميصه الابيض المزركش، ويمشي في كبر وخيلاء لأنه أدى واجبه في الحياة بشجاعة.

وفجأة أحسست بيداي ترتجفان.. فقد رايت الارملة بخصرها النحيل وجسمها المثير، ومرتدية ثوبا أحمر، وعلى رأسها منديل أسودن وهي تسير بخطى نشيطة في الطريق إلى القرية.

كانت تنساب ف رشاقة الفهد الاسود.

ووددت لو أستطيع الفرار..

أحسست بأن هذا الوحش لن يعرف الرحمة اذا غضب ، وأن أفضل وسيلة لاتقاء خطره.. هي الفرار.. ولكن كيف؟

كانت الارملة تقترب بسرعة، والحصى يصطك تحت قدميها كما لو كان جيشا برمته يسير فوقه.

وأبصرت بي وهزت رأسها – فانزلق المنديل وظهر شعرها اسود لامعا كخافية الغراب.

وألقت إلي نظرة مغرية وابتسمت.. وكانت في عينيها عذوبة غير مألوفة.

وبسرعة اعادت وضع منديلها على رأسها وكأنما اخجلها ان أرى سرا من أخص أسرار المرأة، وهو شعرها..

وأردت ان اتحدث اليها، واتمنى لها عاما سعيدا، ولكن الكلمات احتبست في حلقي كما احتبست يوم انهار السرداب وكانت حياتي في خطر.

وعبث النسيم باعواد النبات التي تحيط بحديقتها، وسقطت أشعة الشمس على ثمار الليمون والبرتقال. وازدهرت الحديقة أمام عيني حتى بدت كقطعة من الجنة.

وتوقفت الارملة عن السير ومدت يدها، وفتحت باب الحديقة ومررت بها في هذه اللحظة فانثنت ونظرت إلي.

وتركت الباب مفتوحا، وسارت بين أشجار البرتقال، وهي تهز ردفيها.

أي رجل في مثل هذا الموقف، كانت يجب ان يغلق الباب، ويلحق بها.

أو أن هذا ما كان يفعله جدي.. وما أرجوه أن يفعله حفيدي. أما أنا فقد جمدت في مكاني لازن الامور وافكر.

ثم ابتسمت بمرارة وتمتمت قائلا:

- قد اتصرف خيرا من ذلك اذا قدر لي ان أعيش في عالم آخر.

وأحسست بالبرد، ومرت بجسدي رعدة. وعبثا حاولت أن أطرد الارملة من مخيلتي، وأن أنسى حركة ردفيها، وابتسامتها وعينيها وصدرها.

كلها ظلت ماثلة أمامي حتى شعرت بأنني اختنق.

ولم تكن الاشجار قد اورقت بعد، ولكن أغصانها كانت تنبض بماء الحياة، حتى لتحس بأن وراء كل نتوء ورقة.

كانت معجزة الربيع الكبرى تتحفز سرا في صمت، ليلا ونهار، وفي وسط الربيع.. لكي تفجر الزهور والثمار من الخشب الجاف.

وتركت الطريق وجلست تحت احدى الاشجار. ولم أفكر في شيء وأحسست بالسعادة كما لو كنت أجلس تحت شجرة في الجنة.. إلى أن سمعت صوتا يقول فجأة:

- ماذا تفعل هنا يا سيدي. انني بحثت عنك في كل مكان وقد انتصف النهار او كاد.. ألم تشعر بالجوع؟ أم لعلك نسيت الخروف الصغير الذي ينتظر في الفرن؟؟ ان رائحة الشواء تثير لعابي! فهلم بنا.

كانت حاجات الرجل الاساسية، الطعام والشراب والنساء والرقص، لا تبارح ذهنه ابدا.

وكان يلوح في يده بحزمة ملفوفة بالورق الأحمر ومحزومة بخيط ذهبي فسألته وأنا أبتسم:

- أهذه هدية السنة الجديدة؟

فضحك ليخفي تأثره، وأجاب:

- أنا اردت ألا أدع للمرأة المسكينة سبيلا للشكوى.. وحتى تذكر عصرها الذهبي الذي مضى. أليست امرأة، أليس من شيم المرأة البكاء على مصيرها..

- هلم بنا..

وعندما دنونا من القرية، اقترب زوربا مني وقال بصوت خافت:

- لقد رأيتها في الكنيسة يا سيدي. كنت واقفا في الصف الأول عندما اضاءت الايقونات فجأة، وتألق النور في كل مكان فقلت لنفسي، ماذا حدث؟ هل دخلت الشمس الكنيسة؟

ونظرت حولي، واذا بي أرى الارملة.

فقلت وأنا أوسع الخطى.

- بحسبك هذا يا زوربا.. وكفى.

ولكنه أسرع ورائي ومضى يقول:

- لقد رأيتها عن كثب.. ورأيت الخال على خدها ، فطار لبي.

وهذا الخال يا سيدي !! انه كذلك لغز من الالغاز العويصة.

تكون البشرة لينة وناعمة، ثم فجأة تظهر بها نقطة سوداء، تصبح خالا يذهب بصوابك.. ماذا تقول الكتب في ذلك يا سيدي؟

- لتذهب الكتب إلى الشيطان.

فضحك زوربا وصاح:

- هذا كلام جميل.. الآن بدأت تفهم.

وكانت مدام هوريتش قد فرغت من طهو الحمل ووقفت بالباب تنتظرنا.

كانت كالعهد بها، تحيط عنقها بذلك الشريط الاصفر المقيت، وتضع ، على وجهها وشفتيها اكداسا من المساحيق والدهون، وتحرص بذلك على ان تجعل من نفسها شيئا يثير الاشمئزاز..

وأبصرت المرأة بنا فبدا السرور على جسمها كله ورقصت عيناها في محجريهما واستقرتا على شارب زوربا.

وأغلق زوربا الباب، واحتوى الغانية العجوز بين ساعديه وهو يصيح:

- عام سعيد يا بوبولينا.. انظري ماذا أحضرت لك!!

وما ان أطلقها زوربا حتى اختطفت الحزمة وفضتها وافلتت من فمها صيحة فرح.

فانحنيت الى الامام لارى الهدية.

كانت عبارة عن قطعة سميكة من الورق الكرتون.. رسم عليها زوربا بالالوان اربع بوارج ضخمة ترفرف عليها الاعلام.

وفوق الامواج، بين البوارج الاربع، صورة امرأة يتطاير شعرها في الهواء.. والمرأة تشبه مدام هورتنس بكل قسمات وجهها وجسمها، وبالشريط الاصفر الذي يحيط عنقها، وقد امسكت بزمام اربعة خيوط ثبتت اطرافها باربع بوارج ترفرف عليها الاعلام الانجليزية والروسية والفرنسية والايطالية، بينما برزت في أربعة اركان اللوحة اربع لحى، سوداء وشقراء وحمراء وشهباء.

وفهمت الغانية معنى الصورة على الفور وصاحت وهي تشير باصبعها إلى المرأة في اللوحة:

- هأنذا.

وتنهدت، وقالت في شيء من الخيلاء:

- لقد كنت في وقت ما قوة عظمى.

ورفعت مرآة صغيرة كانت مثبتة بالجدار على مقربة من قفص الببغاء، ووضعت اللوحة مكانها.

وكان زوربا قد تسلل إلى المطبخ. فجاء بالحمل المشوي وزجاجة نبيذ، وملأ الأقداح ثم صفق بيديه وصاح:

- إلى الطعام.

ثم التفت إلى الغانية واستطرد:

- المعدة أولا، وبعد ذلك نهتم بما عداها. ولكن الغانية العجوز عكرت الجو بتنهداتها.

كانت بداية كل عام جديد بمثابة يوم الدينونة بالنسبة اليها.. وكلما انصرم عام، نظرت وراءها، واستعرضت ماضيها، وبعثت من قيود ذاكرتها.. ذكريات مدن كبرى، وملابس حريرية، وزجاجات شمبانيا.. وذكريات مدن كبرى، وملابس حريرية، وزجاجات شمبانيا، ولحى معطرة.

غمغمت قائلة:

- لا رغبة لي في الطعام.

ونهضت الى الموقد فركعت امامه. وراحت تحرك النار بينما جلس زوربا مترددا بين المضي في تناول الطعام الشهي دون ان يعبأ بها، أو مواساتها بكلمة طيبة ترد عليها بهجتها وقابليتها للطعام. واتخذ قراره آخر الأمر فحثا بجانبها وقال يلاطفها :

- اذا لم تأكلي يا ساحرتي الصغيرة انتهى كل شيء.. فرحمة بالحمل الوديع، والتهمي هذه القطعة منه.

ودس في فمها قطعة من اللحم، ثم أحاطها بساعديه وانهضها وأجلسها بيننا.

ومسحت المرأة عينيها الحمراوين بظاهر يدها وأقبلت على الطعام.

وقال زوربا وهو يرفع قدحه:

- نخب صحتك يا بوبولينا.. اسأل الله أن يهبك في هذه السنة بعض الأسنان الجديدة.. وأن يملأ حاجبيك بالشعر الكثيف، وان يهديك إلى التخلص من هذا الشريط المزعج الذي تحيطين به عنقك، وأن تقوم في كريت ثورة جديدة حتى تعود اليك بوارجك الاربع، ومع كل بارجة اميرال بلحية معطرة، وان تسبحي فوق قمم الامواج مرة أخرى ويرتفع صوتك العذب.. وان تتحطم البوارج على هاتين الصخرتين البارزتين.

قال ذلك ومد يده الضخمة إلى صدرها المترهل، فتنهدت المرأة وقالت:

- هل يمكن ان يحدث ذلك يا زوربا، ان الشباب اذا ذهب لا يعود..

- اصغ إلي يا صغيرتي، لأحدثك عن الهدية التي سأقدمها اليك.. لقد ظهر طبيب جديد يقوم ببعض المعجزات.. انه يعطيك جرعة من دواء فتعودين إلى سن العشرين، او الخامسة والعشرين على أسوأ تقدير.. لا تبك ايتها العزيزة، فقد ارسلت إلى أوروبا في طلب هذا الدواء.

فبهتت الغانية، وأحاطت عنق زوربا بساعدها، وقالت وهي تحتك به كما تفعل الهرة.

- شكرا لك ألف شكر.. اذا كان الدواء سائلا فاطلب ملء زجاجة كبيرة، واذا كان مسحوقا..

- واذا كان مسحوقا فسأطلب ملء زكيبة.

وجلست الغانية على ركبتي زوربا والقت برأسها على كتفه وتنهدت.

كانت قد أسرفت في الشراب وثملت.

وسألها زوربا:

- فيم تفكرين يا بوبولينتي المحبوبة؟

- في الاسكندرية وبيروت والقسطنطينية.. في الاتراك والشوارب الطويلة والطرابيش الحمراء.

وتنهدت مرة أخرى، وازالت الغبار عن ذكرياتها.. قالت:

- عندما كان علي بك يقضي سهرة عندي، كان الموسيقيون يعزفون في فناء البيت وكان علي بك يلقي اليهم حفنات من النقود ليعزفوا حتى الفجر.. وكان جيراني يسمعون الموسيقى ويتميزون غيظا ويقولون في حسد: أن علي بك عندها.

وفي القسطنطينية، لم يكن سليمان باشا يسمح لي بمغادرة بيته في أيام الجمعة، خوفا من ان يراني السلطان وهو في طريقه الى في أيام الجمعة، خوفا من ان يراني السلطان وهو في طريقه الى المسجد فيبهره جمالي ويختطفني.. وكان كلما خرج إلى عمله في الصباح، أمر ثلاثة من الاغواث بملازمة بابي، ليمنعوا أي رجل من دخول غرفتي.. آه .. تلك الأيام .. ما كان أجملها !!

وتضايق زوربا وتخلص من المرأة بأن أجلسها على مقعد بجواره، وكانت هناك قطتان تموءان وتتشاجران في الخارج فتناول زوربا عصاه وانطلق إلى الخارج، فصحت به ضاحكا:

- من ستضرب بعصاك يا زوربا: سليمان باشا؟

- بل سأضرب القطتين اللعينتين اللتين لا تتركانا في سلام.

وعندما جاء زوربا كانت مدام هورتنس تغط في نومها وتحلم بالشرق والشوارب والبوارج فنظر اليها زوربا باحتقار وقال:

- لقد نامت الفاجرة.

- اظن ذلك يا زوربا باشا.. ولعلها تحلم الآن بانها قد تناولت العقار الجديد.. وعادت إلى سن العشرين.

قبحها الله من بقرة قذرة!! انظر إليها كيف تبتسم في نومها!! هلم بنا.

وخرجنا إلى الهواء البارد وإلى القمر المضيء.. وساد الصمت بيننا بضع لحظات إلى أن قال زوربا:

- رحم الله جدي.. قال لي، احذر المرأة فانها شيطان، واذا لمستها فقد لمست الشيطان.. لقد سرقت تفاحتين من جنات عدن وأخفتهما في صدرها، وهي الان تختال بهما، ومن أكل منهما فقد هلك.

ومررنا بحديقة الارملة، فتوقف زوربا عن السير.. وكانت الخمر والطعام الجيد ونور القمر كلها قد لعبت برأسه، فاشرأب بعنقه نحو الحديقة وقال بصوت أجش:

- وهنا شيطان آخر.

وكان الفجر قد بزغ عندما وصلنا إلى الكوخ، فاستلقيت على فراشي وانا متعب منهوك القوى، اما زوربا فقد اغتسل واشعل الموقد وصنع بعض القهوة ثم جلس على الأرض بجوار الباب وراح يدخن في هدوء. وينظر إلى البحر دون أن يأتي بحركة.

وتاملته وهو جالس في ضوء القمر كأنه صنم، واعجبت بالمرونة والبساطة اللتين يتأقلم بهما، وبالطريقة التي يتواءم بها جسده وروحه مع كل شيء آخر من نساء وخبز وماء ولحم، ليتكون من الجميع شيء اسمه زوربا.

والواقع ، انني لم ار قط مثل هذا التحالف الودي بين انسان والعالم الذي يحيط به.

ومال قرص القمر وشحب لونه، وهدأ البحر وسكنت امواجه ، والقى زوربا لفافة التبغ، وتناول قفصا واخرج منه حبلا وقطعا صغيرة من الخشب، ثم أشعل المصباح الزيتي وراح يقوم بتجاربه على انموذج مصغر للسلك الهوائي.

ومن الواضح انه كان يقوم بعمليات حسابية معقدة لأنه كان يحك رأسه حينا ويسب ويشتم حينا آخر.

وفجأة ضاق ذرعا بالعملية كلها، فركل الانموذج وارسل اجزاءه تتطاير في الهواء.