- هل أنت نائم يا أستاذ؟
- ماذا حدث يا زوربا؟
- لقد رأيت حلماً مضحكاً، وأعتقد اننا سنقوم برحلة، في وقت قريب.. اصغ إلي.. أنني رأيت فيما يرى النائم سفينة كبيرة تهم بالابحار، فجئت من القرية مسرعاً ولحقت بها. وكنت أحمل في يدي ببغاء. وجاء ربان السفينة وسألني:
- أين تذكرتك؟
فقلت وأنا أخرج من جيبي حزمة من الأورق المالية:
- كم ثمنها؟
- ألف دراخمة.
- ألا تكفي ثمانمائة دراخمة!
- كلا.. ألف دراخمة بالتمام.
- معي ثمانمائة دراخمة فقط وفي استطاعتك أن تأخذها.
- بل ألف دراخمة .. أو تغادر السفينة.
- اصغ إلي يا كابتن.. أنصحك بقبول الثمانمائة دراخمة.. لأنك اذا رفضت، فانني استيقظ من النوم فلا تنال شيئاً وانفجر زوربا ضاحكاً وقال في دهشة!
- ان الانسان آلة عجيبة.. تطعمها خبزاً ونبيذاً وسمكاً، فتعطيك ضحكاً وأحلاماً ومناظر جميلة.
ثم وثب من الفراش فجأة وقال في قلق:
- ولكن لماذا الببغاء؟ ما معنى أن أصحب معي ببغاء.. أخشى أيها الصديق أن ..
ولم يتم عبارته فقد فتح الباب بعنف ودخل رسول قصير القامة أحمر الشعر، وقال وهو يلهث.
- بحق السماء.. ان المرأة المسكينة تصرخ في طلب طبيب وتقول أنها على شفا الموت وان وزر موتها يقع عليكما.
فخجلت .. كانت فجيعتنا في الارملة قد انستنا صديقتنا القديمة تماما.
قال الرسول:
- ان المرأة المسكينة تسعل بشدة، وسعلتها تهز جدران البيت. فتناولت ورقة كتبت عليها رسالة وقلت للرسول:
- اذهب بهذه الرسالة إلى الطبيب ولا تدعه حتى يرافقك إلى بيتها ويقوم بفحصها أمامك..
وانصرف الرسول، وارتدى زوربا ثيابه على عجل فقلت له؟
- صبراً لحظة.. فسأرافقك..
فأجاب:
- انني على عجل.
وأسرع بالخروج.
وبعد قليل، كنت في طريقي إلى القرية، وراني العم أناجنوستي وكان جالساً بباب بيته فهتف!
- أية مصادفة سعيدة جاءت بك في مثل هذه الساعة المبكرة؟
ولكنه قرأ دلائل القلق في وجهي، وأدرك ما هنالك وقال:
- عجل يا بني ، فلست واثقاً من أنك ستجدها على قيد الحياة.
كانوا قد وضعوا فراشها في وسط الغرفة، ونقلوا الببغاء إلى مكانها المألوف فوق رأس صاحبته.. وكانت الببغاء تدور بعينيها فيما حولها ولا تنطق وكأنها تدرك ما هنالك.
وكانت العجوز المسكينة تئن وتتوجع وتضرب الاغطية بيديها وتحاول التخلص من شعورها بالاختناق.
ورأيتها بلا مساحيق أو دهون.. شاحبة اللون، مورمة الوجه.. تنبعث منها رائحة العرق.. واللحم الذي يوشك على التحلل.
وكان منظر حذائها تحت فراشها أشد ايلاماً للنفس من منظر صاحبة الحذاء نفسها.
وجلس زوربا بجوار الفراش، ونظر إلى الحذاء، ولم يحول عينيه عنه، وراح يعض شفتيه ليغالب دموعه.
وكانت المرأة المسكينة تتنفس بصعوبة ، فتناول زوربا قبعتها العريضة المحلاة بالورود وجعل يروح بها فوق وجهها كما لو كان يحاول اشعال النار في قطعة فحم أدركها البلل.
وفتحت المرأة عينيها ونظرت حولها في هلع، ولكنها لم تر شيئاً في الظلام، بل ولم تر زوربا وهو يحرك القبعة فوق وجهها.
ونشبت المسكينة أظافرها في الوسادة المبللة بالدموع والعرق واللعاب وصاحت:
- لا أريد أن أموت.. لا أريد أن أموت..
ولكن ندابتان من القرية سمعتا عن حالها فجاءتا على الفور وتسللتا إلى داخل الرفة..
وبعد قليل، جاء شابان وأطلا على المرأة المريضة وتبادلا الغمزات وانصرفا.
ولم تمض بضع دقائق حتى سمعنا جلبة الدجاج في الخارج فقلت احدى الندابتين للاخرى:
- أرأيت أن الشابين يعجلان النهاية، وها هما يسرقان الدجاج.. ان مساكين القرية جميعا يملأون فناء الدار في انتظار النهاية لكي ينهبوا كل شيء.
ثم التفتت إلى المرأة المحتضرة وغمغمت في ضجر:
- عجلي بالرحيل أيتها الصديقة.. حتى نأخذ نصيبنا كالاخرين.
فقالت الندابة الاخرى:
- يبدو أن هؤلاء الفتيان على حق، فلطالما قالت لي أمي:
اذا أردت أن تأكلي شيئا فاخطفيه .. واذا أردت اقتناء شيء فاسرقيه، وعلين الان أن نندبها بسرعة، ثم نحمل ما تصل إليه أيدينا من الارز والسكر والاواني.. لكي نبارك ذكراها بعد موتها.. انها لا أهل لها ولا أولاد.. فمن ذا الذي سيرث دجاجها وأرانبها؟ ومن ذا الذي سيشرب نبيذها ويرث حانوتها؟
كل هذا سيكون مباحاً للجميع ويجب أن نأخذ منه نصيبنا.
وفي هذه اللحظة، تنهدت المريضة وراحت تهذي فقالت احدى الندابتين:
- قد آن الأوان.. فلنتناول مناديلنا ونشرع في عملنا.
فأجابت الأخرى:
- ألا تخافين الله.. كيف نندبها ولما تلفظ أنفاسها الأخيرة؟
وهنا هتفت مدام هورتنس بصوت خافت:
- لا اريد أن أموت.
فانحنى زوربا فوقها، ورفع خصلة من الشعر سقطت على جبينها وقال والدموع في عينيه:
- لا تخافي ايتها العزيزة.. انني هنا.. انا زوربا.
ولكنها لم تره ولم تسمعه.. وضربت الاغطية بقدمها بقوة، وأطلقت صرخة قصيرة ثاقبة، وسكنت حركتها..
وعلى الفور ، بدأت الندابتان عملهما المقيت، فمد زوربا يده، وتناول قفص الببغاء ، وغادرنا المكان.
وعندما جاء كوندومانوليو وناظر مدرسة القرية لجرد مخلفات المتوفاة.. لم يجدا سوى الجثة مسجاة فوق أحد الأبواب.
لقد نهب فقراء القرية كل شيء.. حتى الأبواب والنوافذ..