كان أول انسان رأيناه عند عودتنا من الدير هو بوبولينا.
وكان زوربا قد استيقظ مبكرا في الصباح فأصدر تعليماته إلى عمال المنجم، ثم احضر بغلين امتطيناهما، وصعدنا إلى الجبل حيث اجتمعنا برهبان التل، ونجح زوربا في اقناعهم بمنحنا حق استغلال الغابة باجر أقل كثيرا مما سبق الاتفاق عليه.
قال لي زوربا ونحن في طريق العودة:
- اظن انني قد عوضتك بهذا الاتفاق عما بذوت من اموالك في (كانديا).
فاجبته:
- ألم نتفق على نسيان هذا الموضوع.
قال:
- لقد اتاحت لي هذه الرحلة إلى قمة الجبل تقدير الانحدار الصحيح للخط الهوائي وسوف ندعو الرهبان لاقامة ديني عظيم لمناسبة اقامة اول عمود للسقالات التي تتحرك عليها كل الخشب من القمة إلى شاطئ الخليج.
فعندما عدنا من رحلتنا الموفقة، رأينا مدام هورتنس جالسة فوق صخرة أمام الكوخ ولكني ما كدت أضيء المصباح الزيتي وانظر إليها حتى هالني امتقاع وجهها فلم اتمالك من ان اهتف:
- ماذا بك يا مدام هورتنس؟ هل أنت مريضة؟
ويبدو ان فكرة الزواج قد غيرت مجرى حياتها، فقررت أن تنسى الماضي، وان تقلع عن زينتها الصارخة التي الفتها منذ عهد الباكوات والباشوات، وهكذا ظهرت على حقيقتها، مخلوقة مسكينة لا أمنية لها الا الزاوج والاستقرار.
ولم ينطق زوربا بكلمة، وراح يتشاغل باشعال النار واعداد القهوة فصاحت المرأة فجأة بصوت أجش:
- أنت رجل قاسي القلب يا زوربا.
فرفع زوربا رأسه ونظر إليها ، وأخذته الشفقة بها.
كانت دمعة واحدة من عين امرأة كافية لن تغرقه.
قالت المرأة:
- لماذا كل هذا التسويف والمماطلة؟ لماذا لا تقطع برأي في أمر الزواج.. انني لم أعد أجسر على الظهور في القرية.. هذه فضيحة لي وسأقتل نفسي.
وكنت أشهد المأساة المضحكة ولا أجد ما أقوله.
واستطردت المرأة قائلة:
- لماذا لم تحضر زهور البرتقال؟
وأحس زوربا بيدها ترتجف فوق ركبته، ولكنه لزم الصمت، وراح يحرك السكر في اناء القهوة.
وقالت المرأة مرة أخرى بصوت يتهدج:
- لماذا لم تحضر زهور البرتقال؟
فأجاب باقتضاب:
- لأنني لم أجد منها شيئا مناسبا في كانديا.
ثم استطرد بعد قليل:
- لقد طلبتها من أثينا، وكذلك طلبت الشموع والحلوى.
ثم لمعت عيناه وحلق في سماء الخيال.. قال:
- ان زواجنا سوق يثير ضجة، صبراً حتى ترى ثوب الزفاف الذي أمرت باعداده لك، طالت اقامتي في كانديا لهذا السبب أيتها الحبيبة، ذلك لأنني استدعيت اثنين من كبار مصممي الأزياء في أثينا وقلت لهما: ان المرأة التي سأتزوجها لا مثيل لها في الشرق أو الغرب، لقد كانت الملكة غي رالمتوجة في أربع دول كبرى، وقد ماتت هذه الدول وهي الان ارملة، وستصبح زوجة لي، وأنا أريد أن يعد لها ثوب زفاف لا مثيل له.. ثوب موشى بالذهب واللالئ..
فقالا: ولكن مثل هذا الثوب سوف يبهر ابصار المدعوين فلا يرون جمال العروس.
فقلت لهما: وما أهمية ذلك طالما العروس راضية؟
فارتسمت على شفتي المرأة ابتسامة عريضة وقالت له:
- أريد أن أهمس في اذنك بكلمة..
فغمزني زوربا باحدى عينيه، وأحنى رأسه نحوها فهمست في أذنه قائلة:
- لقد أحضرت لك شيئاً.
وأخرجت من صدرها منديلا قد عقد أحد أطرافه وقدمته له.
وتناول زوربا المنديل، ووضعه على ركبته ثم أشاح بوجهه وأرسل بصره إلى البحر.
قالت المرأة:
- ألا تحل العقدة يا زوربا؟
- دعيني أحتس قهوتي وأدخن سيجارتي أولاً.. ولا ضرورة لأن أحل العقدة الآن، فأنا أعرف ما فيها.
- أرجوك أن تحلها.
- يجب أن أدخن سيجارتي أولاً كما قلت لك.
فنظر إلي عاتباً كمن يريد أن يقول: انظر ماذا صنعت بي!!
وراح يدخن في هدوء ويخرج الدخان من أنفه.. وينظر إلى البحر.
قال بعد لحظة:
- سنشهد عاصفة غداً، لقد تغير الجو، سوف تتفتح أكمام الزهر وتنمو صدور الفتيات.. ذلك هو الربيع.
فقالت له المرأة متوسلة:
- زوربا.. زوربا.
فقذف بسيجارته في غيظ، وحل عقدة المنديل ونظر إلى ما كان فيها ثم سأل في اشمئزاز :
- ما هذا يا مدام بوبولينا؟
فقالت المرأة وهي ترتجف:
- خاتمان أيها الحبيب.. وها هو الشاهد، بارك الله فيه، والجو رائع، والله يرقبنا.. فدعنا نعقد خطوبتنا.
فراح زوربا ينقل البصر بينها وبيني، وبين الخاتمين. وخيل إلي أن الشياطين تعترك في أعماقه.
ترى أي قرار سيتخذ؟
ونظرت إليه المرأة في ذعر.. ولكنه هز رأسه فجأة ونهض واقفاً وهو يقول:
- هلمي بنا إلى الخارج.. لتشهد النجوم خطوبتنا.
وفي الطريق إلى الخارج، اقترب مني وهمس في أذني قائلاً:
- بحق السماء.. لا تتركنا وحدنا.