الفصل 18

11 0 00

عندما رحلت إلى ميدان القرية، كانت رقصة عيد الفصح التقليدية تحت أشجار البلوط في عنفوانها، ويتزعمها شاب وسيم طويل القامة أسمر البشرة لم تصل الموسى قط إلى الشعر الذي نبت في وجهه..

لم يكن يرق وانما كان يطير في الهواء ويرنو بنظراته من حالق إلى بعض الفتيات وتتألق عيناه السوداوان في وجه لوحته الشمس.

وكنت قد كلفت احدى نساء القرية برعاية مدام هورتنس والعناية بها، وجئت خصيصا لشهود رقصات كريت التقليدية..

فجلست على المقعد الخشبي بجوار العم أناجنوستي وسألته:

- من هذا الشاب الذي يتزعم الرقص؟

فقال الرجل باعجاب:

- انه كالملاك.. اسمه سيفاكاس وهو راعي غنم يقضي العام كله في الجبل ولا ياتي إلا في عيد الفصح ليرى الناس ويرقص.

وتنهد واستطرد قائلا:

- لو كان لي شبابه لفتحت القسطنيطينية بحد السيف.

وصاح الشاب وهو يدور حول نفسه كالدوامة ويحلق في الهواء كالطير:

- اعزف يا فانوريو.. اعزف حتى يموت ملاك الموت نفسه..

منذ آلاف السنين، والفتيان والفتيات يرقصون في الربيع تحت اشجار الحور والبلوط والسنديان.. وسوف يرقصون عدة آلاف أخرى من السنين، بوجوه تعبر عن الرغبة المكبوتة..

وتتغير الوجوه، وتنهار، وتعود إلى الأرض، ولكن وجوهاً أخرى تظهر وتحل محلها..

راقص واحد فقط لا يترك الحلبة.

ان له ألف وجه.. وألف قناع.. وهو دائماً في العشرين من عمره.. خالد لا يموت أبداً.

ورفع الشاب الاسمر يده إلى وجهه ليفتل شاربه.. ولكن لم يجد له شارب.

صاح مرة أخرى:

- اعزف يا فانوريو .. اعزف..

ولعبت أصابع فانوريو على الاوتار واستجابت القيثارة للمساته، ووثب الشاب وثبة قوية، وصفق بقدميه ثلاث مرات في الهواء.. فصاح الفتيان:

- برافو سيفاكاس.

وأسلبت الفتيات أهدابهن في حياء ولكن الشاب لم ينظر إلى واحدة منهن.. كان يرقص وعيناه تنظران إلى الأرض..

وتوقف الرقص فجأة، عندما اندفع اندروليو إلى الميدان وهو يصيح:

- الارملة .. الارملة ..

وكان مانولاكاس، شرطي القرية، وابن عم الشاب الذي انتحر، أول من خرج من الحلبة ليسرع إلى اندروليو.

وامسك الراقصون عن الرقص، وصعد الدم إلى الروس، وترك الشيوخ مقاعدهم ، ووضع فانوريو قيثارته في حجرة.. وصاحت أصوات يتميز أصحابها غيظاً وغضباً:

- أين هي يا اندروليو.. أين هي؟

- في الكنيسة.. لقد دخلت إليها في التو واللحظة. وكانت تحمل حزمة من زهر الليمون والبرتقال.

فصاح مانولاكاس:

- هلموا بنا..

وتقدم الصفوف، واندفع الجميع نحو الكنيسة كالسيل الجارف.

وفي هذه اللحظة. ظهرت الارملة على عتبة الكنيسة وعلى رأسها منديل أسود، ورسمت علامة الصليب على صدرها..

وعلى الأثر؛ ارتفعت أصوات تصيح:

- التعسة الفاجرة.. القاتلة. كيف وجدت الجرأة على الحضور.. عليكم بها.. لقد جلبت العار على القرية.

وتبع بعضهم مانولاكاس.. الذي كان يتقدم الجميع نحو الكنيسة، بينما قذفها آخرون بالحجارة من النوافذ والاسطح..

وأصاب حجر كتفها فصرخت ، وغطت وجهها بيديها، مانولاكاس قد استل سكينه.

وتراجعت الارملة إلى الوراء وهي تصرخ في هلع – وانحنت إلى الأمام لتحمي وجهها، ثم دارت على عقبيها وأسرعت إلى الكنيسة لتحتمي بها ولكن مافراندوني الشيخ كان واقفاً كالطود على عتبة الكنيسة وقد بسط يديه يميناً ويساراً ليسد الباب في وجهها.

ووثبت الارملة إلى اليسار، وتعلقت بشجرة السرو الضخمة، القائمة أمام الكنيسة..

ومرق حجر في الهواء وأصاب رأسها ومزق منديلها.. فانسدل شعرها على كتفيها.

وصرخت الارملة وهي تتعلق بالشجرة:

- أناشدكم باسم المسيح .. باسم المسيح..

وكانت بنات القرية قد اصطففن في الميدان ورحن ينشبن أسنانهن في أطراف مناديلهن البيضاء، بينما صاحت العجائز من فوق جدران البيوت:

- اقتلوها .. اقتلوها ..

وتقدم شابان، عليها، فتمزق ثوبها وبرز صدرها أبيض كالرخام..

وبدأ الدم ينزف من رأسها ويسيل على وجهها وعنقها صاحت وهي تلهث:

- بحق المسيح.. بحق المسيح..

وأثار منظر الدماء والصدر الابيض الفاتن شباب القرية، فاستل بعضهم سكاكينهم من أحزمتهم، وكلن مافراندوني صاح بهم:

- قفوا .. انها لي..

وكان لا يزال واقفاً بباب الكنيسة، وقد رفع يده فوق رأسه، فتوقف الشبان على الفور.

واستطرد مافراندوني قائلاً بصوت عميق:

- مانولاكاس.. ان دم ابن عمك يناديك.. فدعه ينام في سلام.

وكنت قد تسلقت أحد الجدران لاشهد ما يحدث ، فوثبت من مكاني، واسرعت إلى الكنيسة وارتطمت قدماي بحجر فسقطت على الأرض.

واتفق في هذه اللحظة: أن كان سيفاكاس يمر بالقرب مني، فأمسك بياقتي كما يمسك الطفل القطة من عنقها وانهضني وقال:

- هذا المكان ليس لأمثالك .. فابتعد..

- الا تأخذك شفقة يا سيفاكاس: رحمة بها..

فضحك الراعي في وجهي وصاح:

- هل أنا امرأة لتطالبني أن أكون شفوقاً؟ أنا رجل.

وفي لحظة.. كان في وسط المعمعة.

وتبعته عن كثب، ولكن أنفاسي تقطعت، ولم أستطيع اللحاق به..

وكان الجميع قد داروا بالارملة وحاصروها من كل جانب، وساد صمت رهيب. لم يكن يسمع فيه سوى تردد انفاس الضحية.

ورسم مانولاكس علامة الصليب على صدره، وتقدم إلى الامام ورفع السكين في يده، فارتفعت صيحات الفرح من أفواه النساء فوق الجدران ورفعت الفتيات مناديلهن وحجبن بها وجوههن.

ورفعت الارملة عينيها، ورأت السكين فوق رأسها فصرخت في هلع وتهالكت تحت جذع الشجرة وغاص رأسها بين كتفيها، وانسدل شعرها على الأرض.

ورسم مافراندوني علامة الصليب على صدره بدوره وصاح:

- انني أطالب بعدالة السماء..

ولكننا سمعنا من ورائنا في هذه اللحظة صوتاً عالياً يصيح:

- اغمدوا أسلحتكم أيها القتلة.

فنظر الجميع حولهم في ذهول، ورفع مانولاكاس رأسه، ورأى زوربا واقفاً أمامه يلوح بيديه.. ويصيح:

- ألا تخجلون من أنفسكم؟ أي الرجال أنتم؟ قرية برمتها لتقتل امرأة وحيدة؟ انكم لتجلبون العار على كريت كلها!!

فصاح مافراندوني:

- لا شأن لك بهذا يا زوربا. هذا شأننا فلا تتدخل ثم نظر إلى ابن أخيه وقال:

- مانولاكاس.. اضرب باسم المسيح والسيدة العذراء.

فأمسك مانولاكاس بالارملة وطرحها ارضاً وركع على بطنها، ورفع السكين.

ولكن زوربا انقض عليه. وأمسك بذراعه.. وحاول بيده التي لفها بمنديل أن ينتزع السكين من قبضة مانولاكاس.

وانتهزت الارملة هذه الفرصة فنهضت على ركبتها ونظرت حولها باحثة عن ثغرة تفر منها.. ولكن القرويين ضموا صفوفهم حولها في حلقة محكمة. حتى أولئك الذين كانوا يقفون فوق المقاعد ما ان رأوها تبحث عن منفذ حتى وثبوا إلى الأرض وسدوا الثغرات.

وفي هذه الاثناء، كان زوربا يناضل بخفة وعزم وصلابة.. فأخذت أرقبه في قلقٍ من مكاني بالقرب من باب الكنيسة..

واحتقن وجه مانولاكاس غضباً، وتقدم سيفاكاس، ومعه عملاق آخر لمساعدته. ولكن مانولاكاس أوقفهما بنظرة صارمة وصاح:

- ابتعدا لا يجب أن يتقدم أحد.

وهاجم زوربا بوحشية، ونطحه برأسه كالثور، وعض زوربا شفته، ولم ينطق بكلمة..

كان ممسكا بساعد غريمه بأصابع كالكلابة. بينما راح يتحرك يميناً ويساراً ليتجنب رأس مانولاكاس.

وجن جنون هذا الاخير ، وألقى بنفسه على زوربا وتناول أذنه بأسنانه، وعضها بكل قوته حتى مزقها، وانفجر الدم منها..

فصرخت:

- زوربا..

وتقدمت لانقذه، ولكنه صاح:

- ابتعد يا أستاذ.. ابتعد..

وجمع قبضة يده، وسدد ضربة هائلة إلى الجزء الاسفل من بظن غريمه، فافلت مانولاكاس الاذن من بين أسنانه على الفور، واحتقن وجهه احتقاناً شديداً.

ودفعه زوربا بيده فألقاه أرضاً وانتزع السكين من يده.. وقذف بها بعيداً فوق سور الكنيسة.

ثم تناول منديله، وأوقف به سيل الدم المتدفق من أذنه.. ومسح العرق المتصبب على وجهه. وأجال البصر حوله.

كانت عيناه حمراوين منتفختين..

صاح بالارملة قائلاً:

- انهضي .. وتعالي معي..

فنهضت الارملة، واستجمعت ما بقي لها من قوة لتنجو بحياتها.. ولكنها لم تجد الفرصة لذلك، فقد انقض عليها مافراندوني الشيخ كالصقر، ولطمها فألقاها أرضاً، ولف شعرها الاسود الطويل حول ساعده، وبضربة واحدة من سكينه فصل راسها عن جسدها.

وصاح وهو يلقي برأس ضحيته على عتبة الكنيسة..

- انني اتحمل مسئولية هذا الاثم..

ورسم علامة الصليب على صدره..

ونظر زوربا خلفه ورأى المنظر الريب فأمسك بشاربه وراح ينتف شعراته بقوة وعنف..

ولحقت به وتأبطت ساعده .. فنظر إلي، ورأيت دمعتين كبيرتين تتعلقان بأهدابه.

قال بصوت مختنق.

هلم بنا..

ولم يتناول زوربا طعاما او شرابا في تلك الليلة قال:

- ان في حلقي غصة ولا أستطيع أن أبتلع شيئا.

وغسل أذنه بالماء البارد، وعصبها بقطعة قماش بللها بالعرق.

أما أنا فقد تمددت على أرض الكوخ، وجعلت وجهي إلى الجدار وأطلقت العنان لدموعي..

لم أكن أفكر في شيء. انما بكيت كما يبكي طفل غلبه الحزن والاسى..

وفجأة بدأ زوربا يفكر بصوت مسموع .. صاح،

- ان كل ما يحدث في هذه الدنيا خطأ وظلم.. لماذا يموت الشباب ويبقى العجائز المحطمون على قيد الحياة! لماذا يموت الأطفال؟ كان لي مرة ابن اسمه ديمتري.. وقد فقدته وهو في الثالثة من عمره وذلك، ما لن أغفره للسماء.

وضرب الارض بقبضة يده.. فانتكأ جرح أذنه، وسال منه الدم قلت له:

- صبراً يا زوربا. سأغسل لك الجرح وأضمده..

وغسلت الجرح بالعرق. وبللت قطعة من القطن بما البرتقال الذي بعثت به الارملة إلي وعصبت الاذن. فهتف زوربا:

- آه.. اني أشم رائحة البرتقال.. وأشعر كأنني في حديقة الارملة .. وتنهد واستطرد قائلاً:

- كم سنة يجب أن تمر قبل أن تنتج الارض جسداً فاتنا كجسدها!! كنت أنظر إليها وأقول: ليتني في العشرين من عمري. وليت الدنيا تقفر من الرجال والنساء جميعاً فلا يبقى عليها سواي أنا وهذه المرأة فأولدها أولاداً. يملئون سطح الأرض.

وامتلأت عيناه بالدموع وقال:

- انني لا أطيق التفكير في هذا الحادث.. يجب أن أرقي الجبل ثلاث أو أربع مرات هذه الليلة لكي تهدأ نفسي وأستطيع أن أنام.

واندفع إلى الخارج، وتوارى في الظلام..

أما أنا فقد تمددت في فراشي واطفأت المصباح، وبدأت بطريقتي اللاانسانية أن أنقل الحقائق إلى عالم التجريد.. وان أربطها بنواميس الطبيعة وشرائع الحياة حتى ولت إلى نتيجة مزعجة، هي ان ما حدث كان ضروريا بل انه للصالح العام وكان لا بد من حدوثه.

وغلبني النعاس فنمت، ولم أشعر بزوربا حين عاد أو حين خرج في صباح اليوم التالي، ولكني رأيته على سفح الجبل يصيح ويصرخ في وجوه العمال.. لا شيء يعجبه مما يفعلون، حتى لقد فصل ثلاثة منهم، وتناول معولاً وراح يضرب به الارض ليمهد لاقامة أحد أعمدة السلك الهوائي.

ثم صعد إلى قمة الجبل، وتحدث إلى الحطابين الذين يقومون بقطع الاخشاب.. وثار عليهم ثورة عارمة.

وعاد في المساء إلى الكوخ متعبا منهوك القوى وجلس بجانبي لا ينطق بكلمة، واذا تكلم فعن الفحم والخشب والسلك الهوائي.

وهممت مرة أن اتحدث عن الارملة ولكنه وضع يده الغليظة على فمي وصاح:

- صه ..

فصمت على استحياء.

وقلت لنفسي: هوذا رجل بكل معاني الرجولة.. رجل يبكي عندما يحزن ويضحك دون أن يدع للفلسفة أو المنطق سبيلا إلى افساد مرحه.

ومرت ثلاثة أو أربعة أيام على هذا النحو، قضاها زوربا في عمل متواصل، دون توقف من اجل طعام أو شراب.

وذات مساء، قلت له ان بوبولينا لا تزال طريحة الفراش، وان الطبيب لم يذهب لزيارتها وانها تردد اسمه دائما في هذيانها فقال:

- حسنا..

وخرج مبكرا في صباح اليوم التالي، وذهب إلى القرية وعاد بعد قليل فسألته:

- هل رأيتها؟ كيف حالها..

فأجاب:

- ليس بها من شيء.. انها ستموت.

وانطلق إلى عمله وعاد في المساء ولك يأكل، وتناول عصاه وخرج فسألته:

- اذهب أنت إلى القرية!

- كلا .. ساتريض قليلاً.

وسار في الطريق إلى القرية بخطى سريعة حازمة.

وكنت متعبا فعدت إلى فراشي، وطفقت أستعرض بعض الذكريات القديمة والحديثة. وطافت أفكاري بأشياء كثيرة وعادت إلى زوربا.. وقلت لنفسي:

" اذا التقى زوربا بمانولاكاس، فسوف يلقي هذا العملاق الكريتي بنفسه عليه.. لقد قيل لي انه لم يبرح بيته في الأيام الأخيرة خجلا من الهزيمة التي نزلت به على يد زوربا.. وانه لا يكف عن القول بانه سوف يمزق زوربا بأسبانه بمجرد ان يقع بصره عليه.. وقال لي احد العمال أنه رآه يطوف حول الكوخ تحت جنح الظلام وهو مدجج بالسلاح.

لا شك انهما اذا التقيا الليلة فسوف تقع جريمة قتل.

ووثبت من الفراش وأسرعت إلى ثيابي فارتديتها وانطلقت إلى القرية.

وكان الليل هادئا ساكنا والجو يزخر برائحة البنفسج البري.. ووقع بصري على زوربا بعد قليل، وكان يمشي ببطء مية المتعب المكدود. ويتوقف بين الفينة والفينة، وينظر إلى النجوم ويصيخ السمع، ثم يعود إلى مواصلة السير وهو يدق الارض بعصاه..

واقترب من حديقة الارملة، وانطلق من فوق أحد أشجار الحديقة. صوت بلبل يغرد بنغمات أصفى من ماء الينابيع.. واستمر البلبل يغرد تغريداً جميلاً يأخذ بالألباب فتوقف زوربا عن السير وقد أخذ بعذوبة التغريد.

وفجاة انفرجت أعواد سور الحديقة وهدر صوت غاضب:

- أهذا أنت أيها الأحمق العجوز؟ .. لقد وجدتك اخيراً.

فعرفت الوت، وجمد الدم في عروقي..

وتقدم زوربا رافعاً عصاه..

كنت أرى على ضوء النجوم كل حركة من حركاته.

ووثب بين الاعواد عملاق ضخم الجسم، فمد زوربا عنقه وصاح:

- من أنت؟

- أنا مانولاكاس.

- امض في سبيلك.

- لماذا أذللتني، وجلبت لي العار.

- انني لم أجلب لك العار يا مونولاكاس. فامض في سبيلك.. صحيح أنك شاب ضخم قوي.. ولكن الحظ لم يكن في جانبك، والحظ أعمى كما تعلم.

فقال مانولاكاس وهو يعض بأسنانه:

- حظ أو لا حظ .. اعمى أو غير أعمى.. يجب أن أمحو العار.. وفي هذه الليلة بالذات.. هل معك سكين.

- كلا .. معي عصا.

- اذهب وابحث عن سكين، وسأنتظرك هنا.. اذهب.

ولكن زوربا لم يتحرك من مكانه فصاح مانولاكاس ساخراً:

- أخائف أنت؟ قلت لك اذهب.

- وماذا أفعل بالسكين؟!. انني أذكر ما حدث أمام الكنيسة .. كان معك سكين وقتئذ، ولم يكن معي شيء .. ومع ذلك انتصرت فزمجر مانولاكاس في غضب:

- أتحاول اثارتي؟ لقد احترت أسوأ الاوقات لسخريتك..

هل نسيت أنني مسلح وانت أعزل؟ ابحث لنفسك عن سكين أيها المقدوني القذر، وسنرى بعد ذلك أينا الأفضل.

فرفع زوربا يده وألقى بالعصا، وسمعت صوت سقوطها بين الاعواد.

وصاح زوربا:

- الق بالسكين.

وكنت قد تسللت نحوهما، فرأيت نل السكين يتألق في ضوء النجوم قبل أن يغيب بين أعواد الغاب..

وبصق زوربا في يده وصاح وهو يثب في الهواء:

- تعال..

ولكني وثبت بينهما قبل أن يلتحما.. وصحت بهما:

- قفا.. انت يا مانولاكاس.. وأنت يا زوربا تعاليا.. هذا عار عليكما.

فتقدم الغريمان مني وهما يسيران في بطء، فتناولت اليد اليمنى لكل منهما. وقلت:

- تصافحا.. كلاكما طيب القلب، وكلاكما شجاع.. ويجب أن تصلحا ما بينكما.

فقال مانولاكاس وهو يحاول أن يجذب يده!

- لقد أهانني.

فقلت:

- لا أحد يستطيع اهانتك بهذه السهولة.. القرية كلها تعرف انك رجل شجاع، فانس ما حدث أمام الكنيسة في تلك الساعة المنحوسة.. ان ما كان قد كان.. ولا تنس أن زوربا غريب عن هذه الجزيرة. انه مقدوني، وعار علينا نحن الكريتيون ان نرفع أيدينا ضد ضيف بلدنا.. تعال أعطني يدك.. هذه هي الشهامة.. وهلم معنا إلى الكوخ لندعم صداقتنا بكأس نبيذ وقطعة من شواء.

واحطت خصره بساعدي وانتحيت به جانبا وهمست في أذنه:

- لا تنس أنه رجل متقدم في السن، وعار على شاب قوي مثلك ان يهاجم رجلاً في مثل سنه.

فلان مانولاكاس قليلا وقال:

- حسنا.. اكراماً لك فقط.

فدنا من زوربا وبسط له يده وهو يقول:

- تعال أيها الصديق، لقد انتهى كل شيء.. اعطني يدك..

فقال زوربا:

- انت أكلت أذني.. ومع ذلك هاك يدي.

وشد كل منهما على يد الآخر بقوة وعنف حتى خفت أن يتلاحما من جديد..

وفي الطريق إلى الكوخ، سرت بينهما وقلت لأغير مجرى الحديث:

- سيكون المحصول وفيراً هذا العام فيما أعتقد، فقد هطلت أمطار غزيرة..

فلم يجيبا، وأدركت أنه لا يزال هناك ما يوغر صدر كل منهما على الآخر، ووضعت كل أملي في الخمر لعلها أن تصلح بينهما.

وجلسنا على حجر أمام الكوخ، وأحضر زوربا ثلاثة أقداح وبعض الطعام، فقلت وأنا أرفع قدحي:

- نخب صحتك يا مانولاكاس.. نخب صحتك يا زوربا.

فسكب مانولاكاس بضع قطرات من نبيذ على الأرض وقال بصوت رصين

- يسيل دمي كهذا النبيذ اذا أنا رفعت يدي في وجهك يا زوربا.

فحذا زوربا حذوه، وسكب قطرة من النبيذ على الأرض وقال:

- يسيل دمي كهذا النبيذ اذا لم أكن قد نسيت فعلا كيف قضمت أذني.