بدأ النهار يزداد قصراً، والضوء يزداد خفوتاً، والقلوب تضطرب قلقاً كلما أقبل المساء، وبدأ يخامرنا ذلك الهلع الفطري الذي كان يستولي على أسلافنا في شهور الشتاء كلما رأوا الشمس تعجل بالغروب يوما بعد يوم، ولعلهم كانوا يقولون لأنفسهم في يأس، (غدا ستذهب الشمس إلى الأبد) ثم يقضون الليل فوق الجبال وهو يرتجفون خوفا وجزعا.
وكان شعور زوربا بالقلق أعمق وأكثر بدائية من شعوري ولكي يهرب من هذا الشعور، كان يقضي في سراديب المنجم أطول وقت ممكن فلا يغادرها الا اذا تألقت النجوم في السماء.
وكان قد وقع في أحد السراديب على نوع جيد من الفحم . نوع قليل من الرماد غني بالطاقة الحرارية، وسره ذلك وأثلج صدره.. فقد كان عقله يطور أرباحنا تطويراً عجيباً ويحولها إلى رحلات ونساء ومغامرات جديدة..
كان ينتظر بفروغ صبر ذلك اليوم الذي تجتمع لنا فيه ثروة ضخمة، وتصبح أجنحته – هكذا كان يسمي النقود – كبيرة.. لكي يطير ويحلق في الفضاء.. ولهذا كان يقضي الليالي بطولها في اختبار أنموذجه المصغر للسلك الهوائي، للبحث عن الانحدار المناسب لتحرك جذوع الاشجار ببطء من قمة الجبل إلى الشاطئ.
وفي أحد الأيام، تناول ورقة كبيرة وبعض الأقلام الملونة.. ورسم الجبل والغابة، وجذوع الاشجار المعلقة بالسلك الهوائي وهي تنحدر، وجعل لكل جذع جناحين، ثم رسم في الخليج الصغير زوارق سوداء وبحارة يرتدون ثياباً خضراء كالببغاوات، ووضع في الزوارق كتلا صفراء من جذوع الشجر، ورسم راهبا في كل من اركان الورقة الأربعة وكتب أمام فم كل راهب بحروف سوداء كبيرة: تبارك الخالق وما خلق.
ولاحظت خلال الأيام الأخيرة أن زوربا يشعل الموقد على عجل، ويعد الطعام ويتناول عشاءه بسرعةن ثم ينطلق إلى القرية، ويعود بعد فترة زائغ البصر مقطب الجبين، فاذا سألته: أين كنت يا زوربا؟ أجاب:
- دعنا من ذلك.
ويغير مجرى الحديث.
وفي احدى الامسيات، كان المطر يهطل مدارا، ونحن أمام الموقد نتدفأ ونشوي بعض الكستناء، حين تحول زوربا إلي، وراح يجحدني بنظرة فاحصة طويلة، كما لو كان يحاول اماطة اللثام عن لغز عويص. ويبدو أن المحاولة أرهقته، لأنه ما لبث أن قال:
- ليتني أعرف ماذا يحببني إليك.. لماذا لا تمسك بأذني وتلقي بي إلى الخارج؟ انني سأفسد أعمالك وأجلب عليك الدمار، فالق بي إلى الخارج وانفض يدك مني.
فأجبته:
- أنا أحبك، وهذا يكفي.
- ولكن ألا ترى أن عقلي ليس له الوزن المناسب؟ ربما كان أثقل أو أخف وزناً مما ينبغي، ولكن ليس له الوزن المناسب، سأقول لك الان شيئا أرجو أن تفهمه، انني لم أعرف للراحة طعماً طيلة الأيام الأخيرة بسبب الأرملة.. وأرجوك ألا تسيء فهمي، فأنا لا أريدها لنفسي ولن أمسها لأنني لست من طرازها.. ولكني لا أريد أن يخسرها الجميع ولا أريد أن تنام وحدها. فذلك ليس من الصواب.
انني أطوف بحديقتها كل ليلة وهذا سر رحلتي إلى القرية كل مساء فهل تعرف لماذا؟
- كي أرى ما اذا كان هناك من ينام معها، ليرتاح بالي وتطمئن نفسي.
فضحكت.
قال:
- لا تضحك. اذا نامت امرأة وحدها فالذنب ذنبنا نحن الرجال وسوف نحاسب عليه في يوم الدينونة.
وصمت لحظة ثم سأل فجأة:
هل يمكن أن يعود الانسان إلى الدنيا بعد أن يموت؟
- لا أظن ذلك يا زوربا.
- وذلك هو رأيي، ولكن اذا قدر للانسان أن يعود، فأكبر الظن أن أولئك الذين تخلفوا عن وظائفهم كرجال ونساء سوف يعودون إلى الدنيا على شكل بغال.. ومن يدري، فلعل جميع البغال التي نراها في هذه الدنيا هي الرجال والنساء الذين تخلوا عن واجباتهم، ولهذا نراهم دائما يرفسون.. فما رأيك في ذلك؟
فأجبت ضاحكا:
- رأيي أن عقلك أقل وزنا مما يجب.. هلم إلى السانتوري يا زوربا.
- معذرة يا سيدي.. أنني لن أعزف الليلة.. واذا كنت قد أسرفت في أحاديثي السخيفة فهل تعلم لماذا؟ لأنني أحمل هموم الدنيا بسبب السرداب الجديد.. وهأنتذا تتحدث عن السانتوري.
وأخرج الكستناء من الموقد، وملأ القدحين بالعرق.
قلت:
- أسأل الله أن يرجح كفة الميزان اليمنى على كتفه اليسرى.
فقال زوربا:
- بل لترجح الكفة اليسرى.. ان رجحان اليمنى لم يفدنا شيئاً حتى الآن.
وافرغ الشراب في جوفه وقال .
- سأحتاج غدا إلى كل ذرة من قواي لأناضل آلاف الشياطين.. طاب مساؤك.
وخرج زوربا إلى المنجم في اليوم التالي مع أول خيوط الفجر.
وكان العمال قد شقوا السرداب الجديد فتسرب الماء من جدرانه وسقفه ووجد الرجال أنفسهم يخوضون في أوحال سوداء، فأحضر زوربا بعض جوع الأشجار لدعم جدران السرداب وسقفه.
ولكنه كان قلقا، فقد أحس بغريزته التي جعلته يشعر بكل ما يصيب السرداب كما لو كان السرداب جزءا من جسده، بأن جذوع الأشجار وشرائح الخشب ليست من القوة كما ينبغي أن تكون، وسمع قرقعة خفيفة لم تسمعها اذن أخى، توحي بأن سقف السرداب يئن من ثقل ما يحمل.
وثمة شيء آخر أشاع القلق في نفس زوربا في ذلك اليوم. فإنه ما كاد يهم بدخول السرداب حتى مر به قس القرية، الأب ستيفانوس، ممتطيا بغلته، وهو في طريقه إلى راهبة تحتضر، ومن حسن الحظ أن زوربا وجد متسعا من الوقت لكي يبصق على الأرض ثلاث مرات قبل أن يتحدث إليه القس.
قال رداً على تحية القس:
- طاب يومك أيها الأب.
ثم أردف بصوت خافت:
- ولتهبط لعنتك على.
وظن أنه بذلك قد وقى السرداب الجديد من شر القس وحسده.
وكان جو السرداب مثقلاً برائحة الفحم والاسيتيلين، وكان العمال قد بدوا فعلا في دعم السقف وتقويته بالاعمدة التي تحمله، فألقى عليهم زوربا تحية الصباح ثم شمر عن ساعديه، وبدأ العمل.
وأخذ بعض العمال في تحطيم كتل الفحم، بينما شرع البعض الآخر في وضعه بالعربات تمهيدا لنقله إلى الخارج.
وفجأة ، وقف زوربا عن العمل، وأمر العمال أن يحذوا حذوه وأرهف أذنيه.
وكما يفني الفارس في جواده، والربان في سفينته، كذلك أصبح زوربا قطعة من المنجم، يشعر بكل تشعب فيه كما يشعر بنبض كل شريان في جسده.
فبعد أن أرهف أذنيه الكبيرتين، أرسل بصره إلى جوف السرداب.
وفي هذه اللحظة وصلت إلى المنجم.. فقد استيقظت فجأة وأنا متوجس، وكأن يدا خفية تدفعني، فارتديت ثيابي على عجل، وأسرعت بالخروج دون أن أعلم لماذا أسرع. أو إلى أين أذهب، ولكن قدماي حملتاني دون تردد في الطريق إلى المنجم ووصلت إليه في اللحظة التي كان فيها زوربا يصيخ السمع وينظر حوله في قلق.
قال بعد لحظة:
- لا شيء.. ظننت ان.. ولكن لا بأس.. إلى العمل يا رجال.
ودار على عقبيه ورآني وقلب شفته..
- ماذا تفعل هنا في هذا الوقت المبكر؟
واقترب مني واستطرد قائلا في همس:
- لماذا لا تذهب لتستنشق بعض الهواء النقي؟ يمكنك أن تأتي في يوم آخر.
- ماذا حدث يا زوربا؟
- لا شيء، لقد تخيلت أشياء.. ولعل السبب أن أول انسان وقع عليه بصري اليوم كان قسا.. اذهب.
- اذا كان هناك خطر .. أفلا يكون من العار أن أذهب؟
- نعم.
- أترحل أنت؟
- كلا.
- اذن؟
- ان ما يجب أن يفعله زوربا شيء.. وما ينبغي أن يفعله الآخرون شي آخر.. ولكن اذا كان من العار أن ترحل، فابق.. فهذه جنازتك.
وتناول معولا، ونهض على أصابع قدميه ليدق مسمارا في السقف، بينما حملت مصباحا وخضت في الوحل لألقي نظرة على كتل الفحم اللامعة.
كانت هناك غابات شاسعة ابتلعتها الأرض منذ ملايين السنين وأحالت أخشابها فحما.. ثم جاء زوربا و ..
وأعدت المصباح إلى مكانه بالجدار ووقفت أرقب زوربا وهو يعمل.
كان منصرفا إلى عمله.. مستغرقا فيه بكل حواسه.. فهو لا يفكر في أي شيء آخر.. وهو والأرض والمعول والفحم شي واحد، وقد اتحد مع المطرقة والمسامير في نضال ضد شرائح الخشب ليقوم السقف المنبعج.. وهو يعالج جدار الجبل ليخرج الفحم بالقوة تارة وبالحيلة تارة أخرى، ويضرب بمعوله في المواضع الضعيفة التي يمكن التغلب عليها.. ويصدر في كل ذلك عن احساس غريزي لا يخطئ أبدا.
رأيته وقد اكتسى بالوحل والتراب الأسود، فلم يبق ظاهرا منه إلا بياض عينيه، وخيل إلي أنه قد لجأ إلى التمويه وتنكر في صورة كتلة من الفحم حتى يستطيع مهاجمة غريمه على غرة منه، والانقضاض عليه في عقر داره.
ولم أستطع كتمان اعجابي فهتفت:
- أحسنت صنعا يا زوربا..
ولكنه لم يحاول أن ينظر إلي أو يحدثني، وكيف كان يمكنه في تلك اللحظة ان يتحدث إلي عن كثب، أيؤثر القلم والورق على المعول والفأس؟
ونظرت إلى ساعتي.
كانت الساعة قد بلغت العاشرة فقلت:
- لقد حان وقت الراحة أيها الأصدقاء.
وعلى الفور، ألقى العمال بأدواتهم إلى أحد الأركان. وجففوا العرق المتصبب على جباههم، وتأهبوا لمغادرة السرداب.
وكان زوربا لا يزال مستغرقا في العمل فلم يسمعني.. ولو سمعني لما تحرك قيد أنملة.
وفجأة، أرهف زوربا أذنيه مرة أخرى، وظهرت على وجهه دلائل القلق.
فقلت أحدث العمال: صبرا لحظة.. ريثما أقدم لكم بعض السجائر.
فدار العمال بي، بينما أخذت أبحث في جيوبي عن علبة السجائر.
وفي هذه اللحظة، كف زوربا عن عمله وألصق أذنه بجدار السرداب، ورأيته على ضوء المصباح يفغر فاه دهشة.. فصحت به:
- ماذا هنالك يا زوربا.
وقبل أن يجيب، حدثت فرقعة فوق رؤوسنا فصاح زوربا بصوت أجش:
- اخرجوا جميعا.. اخرجوا.
فانطلقنا نعدو نحو فوهة السرداب، وما كدنا نتجاوز السقالة الاولى حتى دوت فرقعة أخرى فوق رؤوسنا.
وكان زوربا قد حمل جذع شجرة ضخم، وراح يحاول أن يسند به السقف المتداعي، ولو نجح لاتاح لنا بضع ثوان قد نتمكن فيها من الفرار.
وصاح زوربا مرة اخرى:
- اخرجوا.
ولكن صوته في هذه المرة كان خافتا مختنقا كأنه صادر من بطن الارض.
وبالجبن الذي يصيب الناس عادة في لحظات الخطر. اندفعنا جميعا نحو فوهة السرداب، وقد نسينا زوربا تماما.
ولكني توقفت بعد بضع ثوان، وعدت ادراجي إلى السرداب وأخذت اصيح:
- زوربا.. زوربا.
توهمت أنني أصيح، ثم أدركت أن الخوف قد خنقني، وأن صوتي لم يغادر حنجرتي وأحسست بالخجل، فوثبت نحو زوربا ومددت له يدي.
وكان قد فرغ لتوه من دعم السقف وبدأ يعدو في الظلام طلبا للنجاة فاصطدم بي، وأحاط كل منا صاحبه بساعديه. وصاح زوربا:
- يجب أن نخرج.. اخرج..
وانطلقنا نعدو بأقصى سرعة حتى وصلنا إلى الفوهة. وكان العمال قد اجتمعوا عندها والرعب يملأ نفوسهم.
وما أن رأينا ضوء النهار، حتى سمعنا فرقعة ثالثة، أشبه بصوت شجرة تنكسر في العاصفة. اعقبها دوي كقصف الرعد هز المنطقة كلها.. وانهار السرداب.
وهتف بعض الرجال وهم يرسمون علامة الصليب على صدورهم:
- يا الهي.
بينما صاح زوربا في غضب:
- أرى أنكم تركتم معاولكم هناك.
فصمت الرجال، وصاح زوربا ثانية:
- لماذا لم تأخذوا الأدوات معكم؟
فقلت له:
- ليس هذا وقت البكاء على الأدوات يا زوربا، دعنا نحمد الله على أن الرجال نجوا بأنفسهم.. شكرا لك يا زوربا اننا جميعا ندين بحياتنا لك.
فقال زوربا:
- ان ما حدث جعلني أشعر بالجوع.
وتناول حقيبة، وكان قد تركها فوق صخرة بالقرب من المنجم ففتحها، وأخرج منها خبزا وزيتونا وبصلا، وقليلا من النبيذ.
وقال وفمه مملوء بالطعام:
- هلموا يا رجال.. دعونا نأكل.
وراح يأكل بنهم، دون أن ينطق بكلمة، ثم رفع اناء النبيذ إلى فمه، وشرب كل ما به.
وأفرغ روع العمال، واستردوا شجاعتهم ورباطة جأشهم، فحملوا طعامهم وجلسوا على الأرض حول زوربان وراحوا يأكلون دون أن يحولوا ابصارهم عنه.
كان بودهم أن يلقوا بأنفسهم على قدميه.. وان يقبلوا يديه.. ولكنه عرف بينهم بالشدة وغرابة الأطوار فلم يجرؤ أحدهم على الدنو منه.
وأخيرا جميع ميشيل – أكبر العمال سنا – أطراف شجاعته وقال محدثا زوربا:
- لولاك لأصبح أولادنا الآن أيتاماً أيها السيد اليكسيس.
فقال زوربا والطعام في فمه:
- صه.
ولم يجرؤ أحد بعد ذلك على الكلام.